تتجلى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في خلقه أن جعل البحار تمثل 71 في المائة من مساحة كوكب الأرض، وذلك لاستمرار دورة المياه والحياة في الأرض مصداقاً لقوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي، (الأنبياء:30)، وضرب الله المثل بالبحر في الاتساع والكثرة: قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً، (الكهف: 109).
وكان نصيب البحر وافراً من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم الذي احتوى العديد من الآيات التي تحمل حقائق علمية وصل الإنسان إلى بعض أسرارها، آيات أبهرت العلماء والعلم الحديث بما لديه من أقمار اصطناعية وغواصات متقدمة وبحوث دقيقة، تجعل الإنسان يتعرف إلى قدرة الله سبحانه وتعالى وتكشف أمامه وتؤكد صدق ما ذكره القرآن الكريم منذ قرون طويلة في وقت كان الإنسان لا يعرف ولا يدرك شيئاً عن هذه الحقائق.
وهنا نتناول فقط ثلاث ظواهر بحرية تنطق بالقدرة الإلهية والحكمة السامية، والإعجاز الرباني، وهي الانضباط والالتزام بعدم الاختلاط أو الطغيان من جانب البحار والأنهار بعضها على بعض بأن جعل الله سبحانه وتعالى بينها حواجز، فيبقى المالح على طبيعته والعذب الفرات كما هو لا يدخل بعضهما في الآخر، والظاهرة الثانية هي ظاهرة تجمع الضدين الماء والنار معا في وقت واحد، فلا الماء يطفئ النار ولا النار تبخر الماء لتتجلى طلاقة القدرة الإلهية في خلقه، ليفعل ما يشاء ولا تقف أمام هذه القدرة القوانين الطبيعية التي يعرفها الإنسان، فهو خالق كل شيء، أما الظاهرة الثالثة فهي ظلام البحار الذي يختلف عن كل ظلام وله طبيعة خاصة.
الظاهرة المعجزة
يقول تبارك وتعالى: مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان (الرحمن: 19 20)، وقد وردت هاتان الآيتان الكريمتان من سورة الرحمن ضمن عدد كبير من الآيات التي تعدد نعم الله سبحانه وتعالى على عباده وتوضح دلائل قدرته وعظمته وجلاله ووحدانيته وألوهيته المطلقة، وهناك آيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم تشير في بعض معانيها إلى ظاهرة البرزخ أو الحاجز بين بحرين أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج كما في قوله تعالى: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً (الفرقان: 53).
وقوله تعالى: أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (النمل: 61)، وكلمة مرج تعني الاختلاط بغير امتزاج تام، وكلمة البحر في اللغة العربية اسم يطلق على البحر المعروف وأيضا على النهر برغم اختلاف طبيعة مياههما من حيث الكثافة ودرجة الملوحة، وهنا نجد أن الآيات الكريمات تشير إلى قدرة الله سبحانه وتعالى في جعل مياه البحرين العذبة والمالحة لا تمتزج لوجود برزخ أو حاجز بينهما يمنع عودة ماء النهر من البحر إلى النهر مرة أخرى بعد نزوله في منطقة المصب.
وتساعدنا الحقائق العلمية التي توصل إليها العلماء في تعميق فهم هذه الآيات وكشف المزيد من المعاني والأسرار المعجزة، فقد فهمت العلوم والمخترعات الحديثة ظاهرة عدم امتزاج الماء العذب بالماء المعالج عند الالتقاء بين مصبات الأنهار وشواطئ البحار حيث يظل نوعا الماء منفصلين لمسافات طويلة وكأن بينهما حداً فاصلاً.
واجتهد العلماء في تفسير هذه الظاهرة المعجزة، بأن مستوى البحر أقل من مستوى الأرض فتنساب نحوه الأنهار، وأن الماء لا يرجع إلى الاتجاه العكسي لأنه أعلى، كما تشير الدراسات الحديثة في علوم البحار إلى أن كثافة الماء تمثل حاجزا أمام عملية مزج المياه من نوعين، وقد ثبت أن هذا الحاجز موجود فعلا بين طبقات المياه التي تتباين صفاتها الطبيعية والكيميائية، ويستمر هذا الحاجز أو البرزخ في الفصل بين هذه الطبقات المختلفة من المياه رأسياً وأفقياً. ويتوقف شكل منطقة الحاجز على كمية وسرعة الماء المتدفق في حيز المصب، فإذا زادت كمية الماء وارتفعت سرعته بعد الحاجز عن منطقة المصب وأصبح شكله دائريا، أما إذا قلت كمية الماء وانخفضت سرعته فإن الحاجز يقترب من منطقة المصب.
وأثبتت الصور الحديثة التي التقطت للبحار، أن بحار الدنيا ليست موحدة التكوين، بل تختلف في الحرارة والملوحة والكثافة ونسبة الأوكسجين، وفي صورة التقطت بالأقمار الاصطناعية ظهر كل بحر بلون مختلف عن البحر الآخر، فبعضها أزرق قاتم، وبعضها أسود وبعضها أصفر، وذلك بسبب اختلاف درجات الحرارة في كل بحر، وأكدت صور الأقمار الاصنطاعية أيضا وسفن الفضاء ظهور خط أبيض رفيع يفصل بين كل بحر وبحر، ووصلت وسائل العلم الحديث إلى تصوير هذا البرزخ الذي يفصل بين كل بحرين، وبينت الصور معنى لا يبغيان بأن مياه أي بحر حين تدخل إلى البحر الآخر عن طريق البرزخ فلا تطغى مياه عليها فتغيرها، بل تظل مياه كل منهما على طبيعتها كما هي.
ولم يعرف الإنسان أن البحار المالحة مختلفة وليست بحرا واحدا متجانسا إلا بعد عام 2491_ عندما خرجت رحلة تشالنجر، وطافت حول البحار ثلاثة أعوام، وكانت رحلتها الحد الفاصل بين علوم البحار التقليدية القديمة المليئة بالخرافات والأساطير، وبين الأبحاث الرصينة القائمة على التحقيق والبحث، فكانت أول سفينة علمية بينت أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها وحرارتها وكثافتها وأحيائها المائية، بل إن محطات البحوث البحرية أكدت أن المحيط الأطلسي على سبيل المثال لا يتكون من بحر واحد، بل من بحار مختلفة تلتقي في هذا المحيط لكنها غير موحدة في الخصائص، وبعد الدراسات العلمية المستفيضة وجد أن هذه البحار لا تمتزج ولا تتجانس، وأن هناك برزخا مائيا فاصلا يفصل بين كل بحرين يلتقيان في مكان واحد سواء في محيط أو في مضيق، وتمكن العلماء من معرفة هذا الفاصل وتحديد ماهيته بالقياسات الدقيقة لدرجة الملوحة والحرارة والكثافة وهذه الأمور لا ترى بالعين المجردة.
البحر المسجور
وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة وجود البحر المسجور أو المشتعل، يقول ربنا تبارك وتعالى: والبحر المسجور (الطور: 6)، وإذا البحار سجرت (التكوير: 6)، وفي اللغة العربية سجر الشيء أي أوقد عليه، وقضية البحر المسجور حقيقة علمية لم يستطع العقل أن يستوعبها إلا منذ ثلاثة أو أربعة عقود على الأكثر، حيث ما كان بإمكان أحد أن يتخيل أن البحار مسجرة بالنيران، وهو ما جعل السلف يقولون إن البحار سوف تسجر بالنيران في الآخرة لاستحالة التقاء الماء والنار وهما ضدان طبقا لنواميس الدنيا فالماء يطفئ النار والنار تبخر الماء.
ومن العجب أن يأتي العلم الحديث ليؤكد حقيقة مهمة وهي أن البحار والمحيطات العملاقة مسجرة بالفعل بالنيران وأن الضدين الماء والنار ملتقيان بالفعل في الحياة الدنيا، فلقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك من خلال صور الأقمار الاصطناعية والمعلومات والبيانات والمشاهدات والقياسات التي ترصدها أجهزة عالية الدقة أن قيعان البحار والمحيطات تحتوي على صدوع طولية، تتواجد في منتصفات البحار، والمحيطات وعلى حدودها وجوانبها ويصل طول هذه الصدوع إلى آلاف الكيلو مترات، وتندفع الحمم البركانية من مستودعات صهرية بباطن الأرض.
ولنا أن نتخيل أن قيعان البحار والمحيطات تلفظ حممها تحت عمود المياه بما يدل على أنها مسجرة بالنيران، والمدهش للعلماء أن المياه لا تستطيع أن تطفئ جذوة هذه النيران البركانية، كما أن البراكين من شدة اندفاعها وثورتها وما يصاحبها من طاقة هائلة لا تستطيع أن تبخر مياه البحار والمحيطات.
ظلام دامس
وقد أودع الله سبحانه وتعالى نوره الهادئ في آياته الكونية ونواميسه المنتشرة في جنبات الوجود لتظل علاقة التوافق والانسجام بين العلم والقرآن قائمة طالما كان العلماء والمفسرون مدركين لحدود علمهم في فهم الآيات القرآنية والكونية، فعندما يقول ربنا تبارك وتعالى: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور (النور: 40).
ويمدنا العلم الحديث ببعض الحقائق التي تلقي مزيدا من الضوء على معاني الآية، فيخبرنا علماء البحار بأن هناك اختلافا في تجمد المياه العذبة عن المالحة في درجة الحرارة، وأن البيئة البحرية لا تعرف تقلبات الفصول من صيف وخريف وربيع وشتاء، كما أنها لا تعرف ضوء النهار ولا تصلها أشعة الشمس.
وفي أوائل القرن العشرين تمكن العلماء من اكتشاف نوع من الأمواج الداخلية العملاقة غير الأمواج السطحية التي نراها، وتخيم على البحار والمحيطات دائما سحب كثيفة معتمة بسبب التبخر المستمر ولا تستطيع الأشعة أن تخترق الماء على أعماق كبيرة وكلما تم الغوص في الأعماق تختفي الألوان واحدا تلو الآخر بحيث يخيم في النهاية الظلام الدامس في المناطق اللجية أي العميقة من البحر أو المحيط، ولا يمكن أن يعيش في هذه المياه المظلمة إلا الكائنات الحية العمياء مثل الإسفنج.
وتأكد عالمان أمريكيان عام 1934 من هذه الحقائق علميا بعد هبوطهما إلى قاع البحر على عمق 908 أمتار ووصفا اختفاء الضوء عند كل عمق وعند 580 مترا اكتنفهما الظلام الدامس.
هذا بخلاف ما أشار إليه القرآن الكريم مما سخره الله سبحانه وتعالى في البحر للإنسان من نعم لا تعد ولا تحصى، ولا يملك الإنسان في النهاية إلا أن يقول: سبحان الله.. والحمد لله.