في أعماق المحيطات حيث يخيم الظلام الدامس والبرد الزمهريري يتوارى نوع من الحياة لا مجال للشك فيه، فثمة كائنات وهبها الخالق المبدع قدرات وميزات لا يصدقها عقل الإنسان خاصة أن هذه الميزات تنال اهتمام العاملين في مجال صناعة العقاقير والمعادن والوقود . لذا يتساءل الباحثون: ماذا لو كان مستقبل الإنسان مخفياً في قاع المحيطات؟ هذا الرأي جاء بعد الرحلة الاستكشافية التي قامت بها الغواصة الصينية التي يبلغ وزنها 22 طناً إلى عمق بلغ 3759 متراً هذا الصيف، وقد كتب على هيكلها الخارجي (aolomg) التي تعني باللغة الصينية المندرين تنين البحار .

ربما يرمز هذا العنوان إلى أن امبراطورية الوسط كما يسميها البعض دخلت ضمن دائرة الأمم القادرة على استكشاف البحار وأعماق المحيطات السحيقة . والمعلوم أن هذه الغواصة مجهزة للوصول إلى عمق يصل إلى 7 آلاف متر، أي أفضل من الغواصة الفرنسية نويتل التي لا يتعدى مداها 6 آلاف متر، والغواصة اليابانية شينكاي 6500 متر . وقد انفقت الصين 55 مليون يورو في أبحاثها المتعلقة بأعماق البحار وذلك في قاعدة بحرية للأبحاث تقع في خليج كوينجداو وقد أدت هذه الأبحاث في تلك القاعدة إلى اثارة القلق لدى الأمريكيين والروس وحتى كوريا الجنوبية، حيث رأوا عند الصينيين السعي الحثيث لبلوغ القمة في العديد من المجالات . ولكن ما الذي يبحث عنه كل هؤلاء في أعماق البحار حيث لا يمكن لأشعة الشمس أن تنفذ أبداً ولا يمكن للحياة أن توجد إلا في ظروف نادرة استثنائية . الباحثة فرانسواز لاتور المتخصصة في عالم البحار وصاحبة كتاب في قلب المحيطات تجيب عن السؤال السابق بالقول: أعماق المحيطات هي بكل بساطة مفاتيح المستقبل بالنسبة للإنسان، فعلى مدى فترة طويلة، اعتقد الإنسان أن لا وجود للحياة في هذا الظلام المدلهم، فمن دون عملية التمثيل الضوئي ومع وجود درجات حرارة مرتفعة جداً في بعض المصادر الساخنة أو درجات حرارة تصل إلى ما دون الصفر وضغط عال لا يمكن لعظام البشر أن تتحمله، لا يمكن لأي نظام حيوي أن يتطور أو يستمر، لكن كل هذه الاعتقادات كانت غير صحيحة .

آخر الحدود

وتشير الباحثة لاتور إلى أن مستكشفي الأعماق لابد أن يمتلكوا وسائل تقنية متطورة لبلوغ هذا العالم السحيق حيث تكمن الكثير من الأسرار . ولقد شرع هؤلاء منذ 30 سنة في اكتشاف هذا العالم الغريب المدهش الذي لا يضم ما بين 25-30% من مخزون الطاقة العالمية (وقود ومعادن وغازات) فحسب، بل يضم كذلك أشكالاً مذهلة من الحياة وتؤكد الدراسات الأخيرة حسب الباحثة لاتور أن ما بين مليون و10 ملايين نوع من الكائنات الحية لم تزل مجهولة عن علم الإنسان لأنها لم تزل تتوارى في تلك الأعماق البعيدة . وإذا كانت هذه الأرقام تقديرية بالنسبة للبعض فهذا يعود لسبب بسيط وهو أن 5% من المحيطات قد تم اكتشافها فقط .

وتقول الباحثة كلير نوفيان المتخصصة في بيئة البحار: نحن نعلم عن القمر أكثر مما نعلم ما يوجد في أعماق البحار مع العلم بأن هذه المحيطات هي المستقبل الفعلي للإنسان، بل وهي آخر الحدود التي سيسعى إلى بلوغها على كوكبنا، وكلما سعينا إلى استكشافها وجدنا المزيد والجديد والمدهش .

وتضيف نوفيان أن الاحصاءات الحديثة تشير إلى أن أكثر من 2700 باحث عثروا خلال السنوات العشر الأخيرة على أكثر من 6000 نوع جديد من الكائنات البحرية علماً بأن غالبية هذه الكائنات لم يتم العثور عليها في الأعماق البعيدة، لكن ليس من شك في أن الكثير الكثير لم يزل متوارياً في تلك الأعماق، وترى نوفيان أن مجرد الغوص إلى عمق 300 متر فقط يعني أننا أصبحنا في المنطقة شبه المظلمة، حيث يغلب على الماء الزرقة الغامقة وحيث نجد الحوت العظيم المعروف بالعنبر القادر على البقاء عند هذه الأعماق لأكثر من ساعتين لأنه يكون في حالة تأهب للصيد الثمين قبل عودته إلى السطح . ويمكن للعنبر أن يهبط إلى 3000 متر بحثاً عن الحبار العملاق الذي يعتبر أفضل مأكولاته في عالم البحر .

وفي هذا العالم المظلم عند هذه الأعماق يمكن القول إن لحياة الحيوانية تكون ماثلة تماماً من خلال العديد من الأنواع فعلى سبيل المثال يمكننا العثور على (العزونيما) وهي نوع من القشريات استخدمت كفكرة في فيلم (Alien) لزيادة عنصر التشويق لدى المشاهد . الغريب في الأمر أن الشكل الشفاف والتركيب الهش لأعضاء هذه الحشرة البحرية يتكيف تماماً مع قلة الضوء أو حتى ندرته الشديدة والضغط العالي علماً بأن الضغط على عمق ألف متر يزيد مئة مرة عما هو عليه عند السطح، في حين أن الضغط يصل عند عمق 10 آلاف متر إلى طن لكل سنتيمتر مربع أي ما يوازي وزن 50 طائرة يحملها شخص واحد . وتؤكد الباحثة فرانسواز لاتور أن الضوء يلعب بغرابة لا مثيل لها دوراً مهماً في هذا الظلام المدلهم، فثمة أعداد كبيرة من المخلوقات البحرية عند هذه الأعماق تستخدم الاستضاءة الحيوية المتمثلة بتحويل الطاقة الكيميائية في أجسامها إلى طاقة ضوئية وبالتالي يمكن التعرف عليها من خلال هذه الأضواء كما أنها تتواصل بهذه الطاقة فيما بينها وتدافع أيضاً عن نفسها .

ويقول دانيال ديرويير أستاذ علم بيولوجية المحيطات: اتذكر جيداً هذه الكائنات المضيئة لدى اقتراب غواصتنا نوتيل منها حيث كنا نشاهد أشكالاً عجيبة لها تجعلنا نقف مذهولين أمام جمالها وروعة تركيبها . وكان ديرويير قد قام بالهبوط لأكثر من 30 مرة إلى أعماق تجاوزت الألف متر وشاهد أسماك قرش كبيرة (قرش المتوسط) الذي يعيش على عمق 2500 متر وكذلك قناديل بحر عملاقة شفافة ومضيئة إلى درجة أنه كان يجد صعوبة في تصنيفها (نباتات أو حيوانات) أو أنها مجرد كائنات شبحية فقط .

ويقول الباحث إنه فيما عدا الجمال الذي تتميز به هذه المخلوقات وروعة تركيبها، فإنها قادرة على التكيف مع الحياة في هذا العالم المظلم البارد، كما أن عملية الاستضاءة الحيوية أو كما يسميها البعض الوميض الحيوي ظهرت ذات فائدة كبرى للإنسان حتى أن الكثيرين استوحوا أفكاراً عدة منها وذلك في مجالات الوسم الخلوي (الاشارة الخلوية الالكترونية) وكذلك في قطاع الطب الحيوي والبيولوجيا الجزيئية .

ويرى ديرويير أنه ما عدا ذلك، لابد من أن نعكف على دراسة لغز محير آخر يتمثل في معرفة السبب وراء استمرارية الحياة في أماكن عميقة تغذيها فقط بقايا زهيدة من هنا وهناك تهبط نحو القاع إلى درجة أن العلماء اكتشفوا واحات في القيعان السحيقة تعج بالحياة وتنتظم حول مصادر مائية حارة أو باردة، وذلك كما الحال في خليج المكسيك حيث اكتشف هؤلاء أنواعاً من الكائنات يصل طولها إلى عدة أمتار .

البكتيريا والميثان

والحقيقة أن الباحثين وجدوا أنفسهم أمام لغز محير خاصة أنهم يعلمون بأنه لا توجد حياة معقدة من دون عملية تمثيل ضوئي، ففي الواقع اكتشف هؤلاء شكلاً بسيطاً للحياة عند السطح قائمة على عملية التمثيل الكيميائي التي يتم فيها استخدام الهيدروجين المكبرت وذلك كما هي الحال في مصادر المياه الحارة حيث تصل درجة الحرارة إلى 350 درجة مئوية، كما يتم استخدام الميثان في مصادر المياه الباردة، ويشير دانييل ديبريير إلى أن هذه الغازات هي شديدة الخطورة على الإنسان لأن كبريتيد الهيدروجين يستقر على الهيموجلوبين ويصبح هذا الأخير غير قادر على تثبيت الأكسجين مما يؤدي إلى اختناق الإنسان .

أما اللغز الآخر فيتمحور حول بعض الحيوانات التي تعيش بالقرب من مصادر المياه الحارة والتي تمتلك عادة هيموجلوبين معقداً، فقد وجد الباحثون وفقاً للباحث ديبريير أن هذه الحيوانات قادرة على تثبيت الهيدروجين المكبرت وكذلك الأكسجين وذلك بفضل أنواع من البكتيريا تعيش داخل خلاياها . ويصف الباحث هذا الأمر كما لو أن النبات كان ينبت داخل خلايا الأبقار . ويرى ديبريير أن هذا الشكل الجديد من الحياة يثير العلماء ويفتح أمامهم آفاقاً لم يتطرقوا لها قبل ذلك، فعلى سبيل المثال يمكن لهذه الكائنات كدودة بومباي أن تعيش عند درجات حرارة عالية وظروف بيئية غير ملائمة على الاطلاق، ويشير ديبريير إلى أن هذه الأهلية للتكيف مع هذه الظروف ذات أهمية كبيرة في مجال التكنولوجيات الحيوية ومعالجة الوقود والمعادن الثقيلة وصناعة العقاقير والمنتجات الصناعية . ويقول بعض العلماء إن امتلاك أنواع من البكتيريا والانزيمات المقاومة للضغط والحرارة والحمضية العالية جداً تجعل الكثيرين منهم يضعون عليها آمالاً كبيرة وأحلاماً كثيرة، لاسيما الدول الناشئة في المجال الصناعي والتي من المتوقع أن تواجه تحديات صناعية وبيئية عظمى في سعيها نحو التطور الصناعي .

ملكات ترميمية غريبة

وكانت الباحثة صوفي أرنورو هاوند من المعهد الفرنسي لأبحاث واستكشاف البحار قد احصت عدداً كبيراً من الحيوانات البحرية التي وضعت فوقها اشارات معينة كدليل على كثرة انتشارها في الأعماق البعيدة تحت سطح البحر . وتقول هاوند إن هذا الانكباب نحو الذهب الأزرق يطال مجالات عدة ومتنوعة بدءاً من الصيدلة والطب ومروراً بالأغذية البحرية ذات المصدر البحري وانتهاءً بمستحضرات التجميل، وتضيف هاوند أن أصحاب المصانع الكبرى في هذه المجالات وغيرها يعولون كثيراً على أعماق البحار لاسيما للانزيمات المكتشفة عند المصادر الحارة المعدنية، فعلى سبيل المثال يمكن لهذه الانزيمات أن تبسط عملية صنع النشا المستخدم بكميات كبيرة في الحلويات والسكاكر إضافة إلى استخدامه في اللصاق والقرطاسية والأدوات المكتبية . وعلاوة على كل ذلك، هناك المجال البيوتكنولوجي الذي ينتظر منه استغلال الكائنات الدقيقة في أعماق البحار وما تتمتع به من قدرات وميزات لا سيما في مجال التجميل ومنتجاته حيث تستخدم الانزيمات المستخرجة من هذه الكائنات للوقاية . وكمواد مضادة للتأكسد ومن المجالات المهمة التي ستستفيد من أعماق البحار، الطب، حيث من الممكن إنتاج اغشية خلوية وعظمية للإنسان من خلال أنواع من البكتيريا التي تمتلك قدرات ترميمية مذهلة للبشرة عند الإنسان وكذلك العظام .

وأمام هذا الفيض الكبير الذي يخفيه عالم الأعماق يقول الباحثون إن هذه الأعمال لم تفصح عن كل ما لديها بعد فثمة الكثير والكثير من الأسرار لم نزل بحاجة لبذل المزيد من الوقت والجهد لاكتشافها وفك طلاسمها .

وأخيراً تقول فرانسواز لاتور إن مستقبل البشرية بالنسبة للأجيال المقبلة موجود تحت البحار فثمة علم جديد سيظهر في عالم الطب يسمى طب المحيطات بمعنى أن العلماء سيجدون الكثير من العقاقير لكثير من الأمراض ومشاكل الصحة العامة .