على بعد خمسة عشر كيلومتراً من قلب الشارقة، تقع منطقة البديع ذات الطبيعة البرية، حيث اعتمد أهلها منذ عقود على مواردها في العيش والرزق، مربين الإبل والماعز حول طوي البديع العتيق، الذي كان يشرب منه أهل الشارقة . وعلى الرغم من بساطة العيش وقلة الموارد في البديع القديمة، إلا أن أهلها كانوا ومازالوا محافظين على طبيعتها البرية الخلابة وعاداتها الاجتماعية في التجمع في مجلس الفريج لمناقشة شؤونهم اليومية . ويتلقف خيط الجلد والتكافل والترابط جيل الوسط وشباب البديع، الذين لعبوا في الفريج صغاراً . فشبوا مترابطين متحابين متزاورين، متذكرين رحلتهم اليومية إلى المدرسة سيراً على الأقدام، قبل المدنية والطرق المستوية بعد انتقالهم إلى البديع الجديدة .

منذ نشأته حتى اليوم، يعيش الوالد فارس الكتبي 60 عاماً، في منطقة البديع القديمة، التي كانت تتكون من ثلاثين بيتاً يعيش أهلها بالقرب من البئر أو الطوي الوحيد في الشارقة والمنطقة . يشرب منها أهل الفريج ويعيش على مائها ما يربونه من دواب، كما كان للبئر دورها الكبير في تلطيف حرارة الصيف .

وبحسب الكتبي، كانت المياه ترفع بالدلو من الطوي يدوياً، ثم تملأ القرب المصنوعة من جلد الماعز الكامل، حيث كانت تدبغ بوضعها في الماء والملح، وتترك وتصقل، وتدهن، حتى تكون مرنة وصالحة لحمل الماء .

عن حياة وأشغال أهل البديع، يقول: اعتمد أهل المنطقة على تربية الجمال والماعز، في كسب العيش والحياة، فكانت الجمال وسيلتهم الوحيدة للتنقل والذهاب إلى الشارقة . وعليها يجمعون الحطب لحلالهم، ويجلبون الطعام والمؤن لأبنائهم .

على جبل رملي كبير معروف لدى أهل الشارقة ب عرقوب البديع، تذكر الكتبي أول ماكينة رفع ضربت في البئر عام ،1957 قبل أن ينتقل أهل المنطقة إلى بيوتهم الجديدة التي تصلها المياه من نفس البئر القديمة . كما تذكر رحلة أهل الفريج إلى الشارقة لصلاة الجمعة على ظهور الجمال، واعتمادهم على أحد المطوعين ليؤمهم في صلاة القيام في رمضان .

وعن رحلات الشتاء والصيف يتابع: تعود أهل البديع العيش في الصيف داخل خيام بالقرب من الطوي، لينعموا بقربهم من الماء والرياح المحملة بنسماته . أما في الشتاء فتفك الخيام وتشيد بيوت الشعر على بعد عدة كيلومترات، لعدم حاجة الناس إلى المياه إلا قليلاً .

ويشير الكتبي إلى علاقات التكافل والمودة والإخاء بين أهل البديع قديماً، حيث تزوج بمساعدة الأهل والإخوان، الذين أتوا إليه يرزفون وينشدون في عرسه، وقدموا له الهدايا .

بعد جولة في أنحاء المنطقة، اصطحبنا الكتبي إلى مزرعته القريبة من منزله، وهناك أمسك الجد بأحد جماله الودودة، وطلب من أحد أحفاده الإمساك بها تمهيداً لركوبها . وعن تعليمه للصغار ركوب الجمال يقول: كما عودت أبنائي على حب الحيوانات وعدم الخوف منها، أربي أحفادي على الشجاعة والقيادة وحسن التصرف، وهي مهارات يتعلمونها على ظهور الجمال .

بعد ركوب الجمال جاء وقت حلب النوق، حيث أمسك الجد بإناء نظيف وضعه أسفل الناقة الطيبة، وباشر في الحلب الذي يتطلب مهارة خاصة، تبدأ بالإمساك الجيد بالناقة بواسطة أحد المساعدين، ثم تهيئتها لبعض الوقت، ومن ثم حلب اللبن الطازج اللذيذ .

من جيل الوسط يروي خليفة الكتبي، موظف بشركة اتصالات، ذكرياته عن منطقة البديع، حيث عاصر مع عائلته الحياة في المنطقة القديمة، وشهد التطور والخدمات التي أضيفت إليها من بيوت جديدة، ومسجد، وحديقة، وطرق مستوية . ويقول: ولدت في منطقة البديع القديمة، قبل أن أنتقل وعائلتي إلى البديع الجديدة قبل 12 عاماً، وكنا نعيش حياة بسيطة، معتمدين على الموارد البيئية المتاحة في المنطقة، حيث كانوا يربون الإبل والماعز، ويعتمدون عليها في العيش والتنقل .

ويضيف: كانت الحياة صعبة، ولا توجد الخدمات الموجودة اليوم، فكنا على سبيل المثال نعاني صعوبة الوصول للمستشفيات والمدارس، لعدم وجود طرق مستوية تربط البديع بالشارقة .

وعن حياة الناس في البديع وعلاقاتهم الاجتماعية يقول: كانت الحياة عفوية وبسيطة، وكان أهل المنطقة كحال كل الأجداد في الدولة آنذاك، محملين بقوة وإصرار على الحياة، وتحدي الظروف المناخية والبيئية . وكانت تربطهم علاقات الأخوة والمودة والتلاحم والتآخي . فكانوا يتجمعون بشكل يومي لتناول الطعام، ومناقشة شؤونهم اليومية .

ويشير الكتبي إلى تميز أهل البديع عن غيرهم من سكان المناطق المحيطة بها، بتربية الجمال والماعز، فكل بيت يتملك حلاله، الذي يمثل لهم رأس المال الحقيقي، ويعتمدون عليه . عن العلاقات الاجتماعية بين أجيال البديع الجديدة يقول: مازلنا نسير على خطى آبائنا في التجمع والتشاور فيما بيننا، وكما كنا نلعب معاً كأطفال، نتقابل بعد صلاة العشاء بشكل يومي في مجلس البديع المقابل للمسجد، نضيّف من حضرنا من الضيوف، بالتمر والقهوة . كما للمجلس رونقه الخاص في شهر رمضان حيث يتجمع من يرغب من أهل البديع لتناول الفطور داخله، ومتى فرغوا يتوجهون للصلاة في المسجد .

من جيل الشباب التقينا سعيد فارس، موظف بجمارك دبي، وأحد أبناء البديع الذي عاصر التحول من المنطقة القديمة إلى الجديدة . وعن ذكرياته عن المنطقة يقول: كان من الصعب على أطفال المنطقة الخروج منها، نظراً للطبيعة البرية لها، وكنا نذهب إلى مدارسنا خارج المنطقة إما سيراً على الأقدام أو في صندوق سيارة قديمة .

ويضيف: على الرغم من بساطة العيش وقلة الخدمات قديماً، تربينا في رحاب البديع في بيئة اجتماعية مترابطة . كان أطفال الحي يعرفون بعضهم البعض . ويلعبون الألعاب الشعبية مثل المسطاع . إضافة إلى كرة القدم بعد صلاة العصر حتى آذان المغرب .

ويشير فارس إلى تحلي شباب البديع بالجلد والشجاعة، وتحملهم عناء الحياة القديمة مع الأهل، حتى حملوا بالعلم وتخرج منهم الأطباء، والمهندسون، والضباط، بفضل البيئة الخصبة التي أتاحتها لهم المنطقة للإبداع .

وعن علاقته بشباب البديع حالياً يقول: نتجمع كل صلاة في مسجد المنطقة، وبعد العشاء تحديداً نتوجه إلى مجلس الفريج، حيث نتبادل والأصدقاء الحكايا حول الماضي، وكيف عانينا حتى أكملنا دراستنا وأصبحنا من الكوادر الوطنية التي تعتمد عليها الدولة . ونستحضر صوراً كثيرة من الماضي، مثل عودتنا من مدرسة الخوانيج إلى البديع سيراً على الأقدام .

يتمتع الأطفال في البديع بدفء المكان وتعاقب الأجيال، عن ذلك يقول علي خليفة، طالب بالصف الرابع بمدرسة الزهور بالشارقة: أستمتع باللعب مع إخواني وأصدقائي في شوارع الفريج، وأذهب لأركب الجمال في مزرعتنا القريبة من المنطقة . كما أذهب لصلاة العيد مع العائلة في مصلى البديع الكبير .

عن علاقته بأصدقائه وجيرانه يقول أخوه عبيد خليفة، طالب بالصف السادس: يعرف أطفال الفريج بعضهم البعض، ونتقابل جميعنا للعب بشكل يومي . كما نخرج إلى الحديقة عندما تزورنا إحدى العائلات . أما في أول أيام العيد فنستيقظ مبكراً لنرافق العائلة للصلاة في مصلى البديع، وبعد الصلاة نعود لزيارة الجيران نهنئهم بقدوم العيد .