إن جميع أبواب معاني أسماء اللّه الحسنى جل شأنه، إنما هي لما يجب اعتقاده والإقرار به في الباري سبحانه وتعالى، لجهة إثبات الوحدانية، وإثبات الوحدانية للبراءة من الشرك، وإثبات البراءة من التشبيه . وإثبات أن وجود كل ما سواه، كان من إبداعه له واختراعه إياه، لأجل البراءة من قول من يقول بالسببية وأخيراً وليس آخراً، لإثبات أنه مدبر ما أبدع، ومصرفه على ما يشاء، لتقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع، أو بتدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة .

وفي رواية البخاري، أن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: دخلت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكر حديث أبي هريرة بأن الله قديم فقالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر . قال صلى الله عليه وسلم: كان اللّه تعالى، ولم يكن شيء غيره بمعنى أنه سابق للموجودات كلها . فهو سبحانه: الأول والآخر، حيث قال اللّه تعالى هو الأول والآخر سورة (الحديد: 3)، وفي رواية الإمام مسلم، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ،61 أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا أوى إلى فراشه: اللهم رب السموات ورب الأرض، رب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته . أنت الأول فليس قبلك شيء . وأنت الآخر فليس بعدك شيء . وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء .

الباقي والحق المبين

وهو سبحانه وتعالى الباقي: قال اللّه عز وجل في سورة الرحمن (27): ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . وفي معنى الباقي: الدائم كما يقول العلماء . وهو سبحانه أيضاً: الحق المبين، حيث يقول اللّه تعالى في سورة، (النور: 25): ويعلمون أن اللّه هو الحق المبين . وقد روى الإمام البخاري في كتاب التوحيد باب التهجد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تهجد من الليل يدعو: اللهم لك الحمد . أنت رب السموات والأرض وما فيهن . ولك الحمد . أنت نور السموات وما فيهن . ولك الحمد . أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن . أنت الحق . وقولك حق . ووعدك حق . ولقاؤك حق . والجنة حق والنار حق . والساعة حق . اللهم لك أسلمت . وبك آمنت . وعليك توكلت . وإليك أنبت . وبك خاصمت . وإليك حاكمت . فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت . أنت إلهي لا إله إلاّ أنت .

ومما يؤثر في خبر الأسماء: الظاهر . قال اللّه تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن . كذلك يؤثر أيضاً الوارث ومعناه الباقي بعد ذهاب غيره . وهذا الاسم مما يؤثر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في خبر الأسماء . وقال اللّه عز وجل في سورة (الحجر: 23): وإنا لنحن نحيي ونميت، ونحن الوارثون.

الواحد الكافي

أما في ذكر الأسماء التي تتبع إثبات وحدانية اللّه عز وجل، فأولها الواحد وفي القرآن الكريم: قل إنما أنا منذر . وما من إله إلاّ اللّه الواحد القهار، (سورة ص 65)، ومنها أيضاً الكافي، لأن الكفايات كلها واقعة به وحده، فلا ينبغي أن تكون العبادة إلاّ له، والرغبة إلاّ إليه، والرجاء إلاّ منه . وفي القرآن الكريم: أليس الله بكافٍ عبده، (الزمر: 36)، وفي الحديث كما رواه مسلم، عن أنس رضي الله عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا، وأوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي (كتاب الذكر 6) .

وأما ذكر أسماء اللّه التي تتبع إثبات الإبداع والخلق، فأولها لفظ الجلالة الله . يؤيد ذلك ما جاء في القرآن الكريم، (سورة الرعد: 16): اللّه خالق كل شيء . وروى مسلم أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن اللّه أرسلك . قال: صدق . قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله . قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله . قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله . قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع اللّه أرسلك؟ قال: نعم .

وفي خبر الأسماء، أن الله هو الحي لقوله تعالى: هو الحي لا إله إلاّ هو غافر: ،65 وهو العالم لقوله تعالى: عالم الغيب والشهادة، (الأنعام: 73)، وهو القادر لقوله تعالى: بلى إنه على كل شيء قدير، (الأحقاف: 33)، وهو الحكيم، حيث قال عز وجل: والله يحكم بينكم والله عليم حكيم، (الممتحنة: 10) .

وفي الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن اللّه تعالى: الأحد لقول القرآن الكريم: لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد، (الإخلاص: 3-4)، ومنها العظيم كما في القرآن: وهو العلي العظيم، (البقرة: 255 ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم . لا إله إلاّ الله رب السموات ورب الأرضين، ورب العرش الكريم، (رواه البخاري في كتاب الدعوات 27) .