البرق هو الضوء المبهر الذي يظهر فجأة في السماء نتيجة تصادم سحابتين إحداهما ذات شحنة كهربائية سالبة والثانية ذات شحنة موجبة، ما يؤدي إلى تولد شرارة قوية يصاحبها صوت قوي آت من السماء والمعروف بالرعد .
وتتكرر العواصف الرعدية يومياً في مناطق شتى في المعمورة، وبخاصة في فصل الصيف، بحسب مجلة فوكس، لتمطر الأرض بمئات الصواعق كل ثانية، وما نعرفه عن البرق ليس بكثير، فيعنى لنا مجرد تفريغ شحنات كهربائية طبيعية داخل السحب وبين سحابة رعدية والأرض .
ودراسة البرق والرعد ليست سهلة لصعوبة توقع مكان وزمان حدوثهما، ويظهر البرق في عدة أشكال منها كرات مشحونة كهربائياً صفراء اللون، أو بيضاء، أو حمراء، أو برتقالية، أو خضراء، أو أرجوانية . وذكر أحد شهود العيان رؤيته لعاصفة رعدية اخترقت نافذة زجاجية من دون إحداث ثقب فيها، وتعود تقارير مشاهدات كرات البرق إلى قرون مضت .
وللمرة الأولى تم تصوير الظاهرة بدقة غير مسبوقة بالفيديو في ،2012 بواسطة فريق من الباحثين الصينيين كان يراقب عاصفة رعدية، عندما ظهرت كرة بعرض خمسة أمتار فجأة في السماء عندما ضربت العاصفة الأرض، وتلاشت في 6 .1 ثانية، إلا أن الفريق نجح في تسجيل طيف ولقطات غريبة للكرة الضوئية، وبعد تحليل البيانات، توصل الباحثون إلى أن الكرة تتكون أساساً من السليكون، والحديد، والكالسيوم، وهي نفس مكونات التربة، ودعم ذلك الكشف نظرية قديمة قالت إن كرات البرق تنطلق نتيجة شرارة تضرب الأرض وتطلق جزيئات من المعادن في تربتها .
وللأسف لم يدرك العلماء سبب وآلية تكون هذه الكرات، بحسب مارتن أومان، باحث في البرق في جامعة فلوريدا، إلا أن هناك نظريتين، تقول أكثرهما شيوعاً إن سبب البرق جزيئات ماء أو جليد داخل العاصفة، وعندما تتجمع مكونات العاصفة يتجمع البرد والجليد ويتراجع إلى المؤخرة، ليصطدم بقطرات الماء الأكثر دفئاً أثناء صعودها لأعلى، وتتفكك الإلكترونات من قطرات الماء لتلتصق بالجليد، ما يكسب الماء في أعلى العاصفة شحنات موجبة، والجليد في أسفلها شحنات سالبة . وبالقرب من سطح العاصفة الرعدية تتكون مجالات كهربائية تسمح بتفريغات صغيرة للشحنات، وبطريقة ما تتحد هذه التفريغات معاً لتكون تفريغات أكبر، وفي النهاية تتكون الشحنة الأكبر أو القائد، بحسب جوزيف دوير، باحث في البرق في معهد فلوريدا للتقنية .
وتصل سرعة هذه الشحنة الأكبر في الفضاء إلى حوالي 360،500 كيلومتر في الساعة، وتصل درجة حرارتها إلى 30 ألف درجة مئوية، أي خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس، بحسب كريس ستون من مختبر مورجان بوتي للبرق في جامعة كارديف .
أما النظرية الثانية، والتي تعرف باسم "انهيار الإلكترون الشارد"، وتفترض نظرية فيزيائية جديدة تماماً، حيث تقول إن التفريغات الكهربائية تسببها جزيئات عالية الطاقة تعرف بالأشعة الكونية، وأغلبها بروتونات تصدرها أنشطة كونية، مثل انفجار النجوم، تسافر هذه الأشعة الكونية في الفضاء وتضرب غلاف الأرض الجوي العلوي لتتولد بذلك جزيئات متأينة تحمل طاقة عالية تتعرض لعمليات تسريع لتقترب سرعتها من سرعة الضوء، وهذه الجزيئات المتأينة يمكن أن تثير البرق في سحابة ثائرة، ولا يستلزم ذلك أن يكون حجم المجال الكهربائي الأولي لها كبيراً .
وليس كل البرق مرئياً، ففي بعض الأحيان ربما تكون شرارته عبارة فقط عن نبضات فجائية من إشعاع طاقة قوي ومكثف، يعرف بشرارة أشعة جاما الكونية، ودائماً ما تتواجد في الفضاء نتيجة انهيار النجوم، ويحتوي شعاعها على قدر من الطاقة يفوق ما يحتويه شعاع البرق الذي نراه، ويعرف العلماء بوجوده فقط من خلال رصد مستوى الإشعاع وقت العواصف . وقال الباحثون مؤخراً إن الأشعة الجامية يطلقها ما يسمى بالبرق الأسود، وهو شكل غريب من أشكال البرق غير المرئي الذي يصدر ضوءاً ضعيفاً بسبب عدم وجود مساء متوهج ساخن له .
ويحفز البرق العادي البرق الأسود، فالعاصفة الرعدية كاملة الشحنة مثل المسدس المحشو بالرصاص، فالبرق هو ما يضغط على الزناد، مطلقاً البرق الأسود من فوهة المسدس، بحسب د . دوير، في معهد فلوريدا للتقنية الذي توصل إلى قدرة البرق الأسود على إفراغ الشحنة من سحابة أسرع من البرق العادي . وربما تحتوي كل 1000 ومضة برق على ومضة واحدة من البرق الأسود .
وبحسب العلماء، ينطلق شكل آخر من البرق أعلى الغلاف الجوي بالقرب من حافة الفضاء، ويسمى بالأحداث المضيئة العابرة، وليس لدى العلماء يقين حول سببها، بيد أن التفسير المقبول حالياً يرى أنها نوع من البلازما الضوئية المحفزة كهربائياً، أو من الغاز المتأين، وتتولد عادة عندما تضرب شرارة برق موجبة الأرض، ويعرف أشهر أنواع هذا البرق بالعفاريت، وهي عبارة عن ومضات الضوء الأحمر القوي يحيط بالعاصفة الرعدية، على ارتفاع 80 كيلومتراً في الغلاف الجوي . ورصدت الكاميرات هذه العفاريت للمرة الأولى في ،1989 ورصدت بعدها أيضاً بالعين المجردة بيد أنها لم تدم إلا لجزء من الثانية، وتشبه العفاريت قنديل البحر الأحمر المتوهج، كما يمكن أن تشبه الجزرة، أو ثمرة البروكلي التي يتدلى منها جزء لولبي .
وهناك شكل آخر من أشكال البرق يعرف ب"الجان"، وهو عبارة عن هالات ضوئية حمراء خافتة وممتدة ومسطحة، تحدث بسبب وجود مصادر كهرومغناطيسية، وهي ومضات كهربائية أفقية فائقة السرعة تحدث في الغلاف الجوي أسفل الحد الفضائي مباشرة، ويعتقد أن هذا النوع ينشأ من ومض إشعاعي كهرومغناطيسي قوي أصله تفريغ شحنات برقية، فعندما تمر الطاقة إلى الأعلى عبر قاعدة منطقة الأيونوسفير، أعلى الغلاف الجوي، تجعل الغاز فيها متوهجاً لفترة وجيزة، وتشبه هذه الومضات العفاريت في توهجها إلا أنها لا تدوم لأكثر من مللي ثانية، ويمكن أن تنتشر في مكان ما لمسافة 300 كيلومتر، كما يمكن أن تحدث على ارتفاع 100 كيلومتر فوق الأرض، ورصدت بعثة مكوك الفضاء هذا البرق للمرة الأولى عند ساحل غويانا الفرنسية في ،1990 وتوقع الباحثون ظهور هذا النوع من البرق قبل أن ترصده البعثة معللين ذلك بقدرة ومضات البرق التي تسخن الجزء السفلي من الغلاف الجوي على تحفيز انطلاقه .
أنواع أخرى
ومن أنواع البرق الأخرى ما يعرف بالبرق الموجب، فأغلب أنواعه سالبة الشحنة تتولد عند قاعدة السحابة حتى الأسفل وصولاً إلى الأرض، إلا أنه قد يتولد البرق في بعض الأحيان عند قمة السحابة حيث يشحن الهواء بشحنات موجبة، ويحدث البرق الموجب عبر مسافات بعيدة، ويحمل تياراً كهربائياً تصل شدته إلى 300 الف أمبير وربما يتجاوز جهده مليار فولت، بحسب ستون، ويعني ذلك أن البرق الموجب أقوى عشر مرات من السالب، وعادة ما يضرب مرة واحدة بينما يضرب السالب مرتين أو أكثر، ويعتقد العلماء أن هذا البرق يشكل 5% فقط من ظاهرة البرق .
وهناك أيضاً البرق الأزرق الذي يتكون أعلى العواصف الرعدية النشطة على ارتفاع يتراوح ما بين 40 إلى 50 كيلومتراً، وربما تصل سرعته إلى 100 كيلومتر في الثانية، بيد أنه يستمر فقط لربع ثانية، ويمكن رؤيته بالعين المجردة في شكل مخروطي تصدره السحابة لأعلى أثناء هبوب العواصف الرعدية . ويفوق البرق الأزرق العفاريت في توهجه لكنه أقل حدوثاً، وربما لايسببه البرق العادي، إذ يعتقد الباحثون أنه يحدث بسبب نشاط بارد قوي في العاصفة الرعدية .
وبعدما درس العلماء مشاهد فيديو بعثة مكوك الفضاء في ،1989 تأكد لهم وجود هذا البرق وإن كان نادر الحدوث .