الزواج ليس علاقة بين رجل وامرأة فقط وإنما هو علاقة بين أسر متصاهرة لا يجوز للزوجة أن تنفصل عن أسرتها نهائياً وتنصهر داخل أسرة زوجها، ولا يجوز للزوج أن يقاطع أهل زوجته فلا يتعامل معهم ويحرم زوجته من بر أهلها وبخاصة والداها وإخوتها، ومن أبسط حقوق الأبناء أن يعرفوا أقاربهم ويبروهم وينعموا بحنان جدهم وجدتهم لكلا الأبوين وخالاتهم وعماتهم وأعمامهم وأخوالهم، لكن هذا البر الواجب من الزوجين تجاه أهل الطرف الآخر لا ينبغي أن يقابله تدخل من الأهل في حياة الأبناء المتزوجين، لأن ذلك يسبب المشكلات التي قد تنتهي بمنع الزوج لزوجته من زيارة أهلها أو رفض الزوجة التعامل نهائياً مع أهل زوجها أو أمه التي تتدخل في حياتها .

لأن هذا النوع من المشكلات أصبح شائعاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأصبحت بعض الزوجات يعتقدن أن الإحسان إلى أهل زوجها يعد إهانة لها واستعباداً مرفوضاً، وأصبح الزوج في بعض الأحيان يظن أن وده لأهل زوجته سيفسر على أنه ضعف شخصية وخضوع للزوجة وأهلها، سألنا علماء الشريعة وأساتذة علم النفس عن الأسس التي وضعها الإسلام لتعامل الزوجة مع أهل زوجها وتعامل الزوج مع أهل زوجته .

طاعة ورحمة

الدكتور أحمد يوسف سليمان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر يؤكد أن الزوج مطالب بأن يبر والدي زوجته كما يبر والديه وذلك لكي تزيد العلاقة بينه وبين زوجته حباً وألفة ومودة، ويقول: من الحكم الشرعية للزواج في الإسلام تقوية الصلات والعلاقات بين الأسر، فالزواج وسيلة لتقوية الصلات والعلاقات الاجتماعية بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة، وعندما يتحول الزواج إلى وسيلة للتباغض والخلاف والتنابز بالألقاب وإشعال نار الفتنة بين الأسر، فمن الحكمة أن تنتهي هذه العلاقة وكفى المؤمنين شر القتال ويضيف: لكني أحمل الزوجات قدراً من مسؤولية ما يحدث بين أزواجهن وأسرهن من خلافات قد تتحول إلى نزاعات، فالزوجة العاقلة تتدخل دائماً لإنهاء ما قد يحدث من خلاف بين زوجها وأسرتها، لكن ما يحدث أن كثيراً من الزوجات هن في واقع الأمر سبب مباشر في هذه الخلافات وتطورها، ثم تشكو الزوجة بعد ذلك من سوء تعامل زوجها مع أسرتها .

ويشير د . يوسف سليمان إلى أن الزوج لابد أن يدرك تماماً أن من حق زوجته شرعاً بر والديها وصلة رحمها مثل الرجل تماماً، وأنه واجب عليه أن يعينها على هذه الطاعة لأن عقاب من يقطع رحمه عند الله شديد، فقطيعة الرحم من كبائر الإثم وأقبح المنكرات، ولذلك يحذر منها القرآن الكريم أشد التحذير ويجعل عاقبتها اللعنة وسوء المصير، يقول الحق سبحانه وتعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار . ويقول جل شأنه: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله .

وعلى كل زوجة أن توفق بين صلة رحمها وطاعة زوجها في حالة وجود خلافات كما يقول الدكتور يوسف سليمان وعليها دائماً أن تحاول اذابة هذه الخلافات وتحسين صورة زوجها في عيون أسرتها وتحسين صورة أسرتها في عيون زوجها، ولا ينبغي أن تعاند وتخرب حياتها بإصرارها على عصيان الزوج مثل زيارة أسرتها بدون إذنه وموافقته، وكما أن الزوجة مطالبة بصلة رحمها فهي مطالبة أيضاً بطاعة زوجها .

وعن حكم الإسلام في حرمان الزوج لزوجته من زيارة أهلها في حالة وقوع خلاف بين الزوج وأهل الزوجة، يشير الدكتور أحمد يوسف إلى قول جمهور الفقهاء: لا تمنع الزوجة من زيارة أهلها مرة كل أسبوع إن لم يستطع الأبوان الذهاب إليها لكبر سن أو مرض أو موانع أخرى .

وقد قيد بعض الفقهاء خروجها لزيارة والديها بعدم الاستطاعة من الوالدين فإن استطاعا فلا تذهب .

حمامة السلام

الشيخ فرحات المنجي عضو مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة يؤكد أن الزوجة الصالحة هي التي تعرف حق زوجها وفضله فتقوم بكل ما يجعله يسكن إليها من تودد وتجمل وطاعة ومعاشرة بالمعروف وصلة أرحامه وتفقد أحوالهم والإحسان إليهم، وحق الزوج في الطاعة يقتضي مبادلة الزوجة بالإحسان وذلك بأن يكون زوجها كريماً سهلاً سمحاً لا يحمل زوجته على معصية مثل أن يمنعها من زيارة أهلها، وأن يتحلى الزوج بالصبر فلا يتصيد الأخطاء للزوجة ولا أهلها .

ويضيف: ينبغي على الزوجة المسلمة أن تعامل والدة زوجها وأباه وأهله على أنهم أهلها لأنهم أصبحوا فعلاً في منزلة أهلها منذ عقد الزواج، وفي المقابل لابد أن تعامل كل أم زوجة ابنها على أنها ابنتها والزوجة التي تريد العيش في سعادة وسلام تعرف أن حب الزوج وإرضاءه وإرضاء أمه واحترامها وتقديرها مطلب شرعي لأن ذلك يقضي على كل المشكلات والخلافات بين الطرفين .

وفي المقابل على الأم أن تعامل زوجة ابنها على أنها ابنتها بل تزيد فابنتها قد تزوجت وتركت البيت أما زوجة الابن فقدمت لتقيم في هذا البيت .

ويشير الشيخ المنجي إلى أنه متى كانت العلاقة بين أم الزوج وزوجته علاقة أمومة وبنوة ذابت كل الخلافات واستقرت الحياة الزوجية وعاشا معاً في أمان، واستراحت الزوجة مع زوجها، أما تعالي الزوجة على حماتها وعدم القيام بخدمتها، وفي المقابل معاملة الحماة زوجة ابنها على أنها عدوة اختطفت ابنها منها واستأثرت به دونها، كل هذه معاملات سيئة لا تمت للإسلام بصلة .

فمن واجبات المرأة تجاه زوجها التي ألزمها بها الإسلام أن تكرم أهله وأن تحسن إليهم حتى تتكون بينهما علاقات طيبة، وكذلك يجب على المرأة أن تربي أبناءها على محبة أهل زوجها وتقديرهم، لا أن تغرس فيهم عداوتهم وبغضهم فينشأ الصغار مناصبين لأهلهم العداء وقاطعين لأرحامهم .

إرضاء الأهل

الدكتورة منى يحيى الرخاوي أستاذة الطب النفسي تؤكد أنه كلما اهتم أحد الطرفين بوالدي الطرف الآخر، ساعد ذلك في تقوية العلاقة العاطفية بين الزوجين، وهذا الاهتمام يكون بالاحترام والتقدير، وهناك حساسية بعد الزواج بين أهل الرجل تجاه زوجته وأهلها إذ يتصور - الوالدان وبخاصة الأم - أن هذه الزوجة تسلبهما ابنهما، وكذلك الحال بالنسبة إلى أهل الزوجة الذين يرون أن ابنتهم أصبحت تستغل من قبل زوجها ويزعجهم في الغالب تحكمه في تصرفاتها على اعتبار أنها خرجت من وصايتهم لتبقى تحت إمرته .

هذه المشاعر طبيعية لأن معظم الآباء والأمهات لا يصدقون أن طفلتهم الصغيرة أصبحت امرأة، وهي مسؤولة من رجل آخر، ولكن على الزوجين أن يدركا الدوافع النفسية التي تدفع بأهلهما إلى التدخل في حياتهما التي يكون أهم أسبابها الغيرة من أهل الطرف الآخر أو الخوف على ابنهم أو ابنتهم، وغالباً ما تتسبب هذه الدوافع النفسية بمشكلات قد تصل في بعض الأحيان إلى المشاجرات، ولتجنب هذه المشكلات على الزوجين أن يبالغا في إرضاء أهلهما وإظهار هذا الاهتمام والود أمامهم وإشعارهم به . . وخصوصاً الأم . وفي المقابل على الرجل أن يعلم أن أولى الناس بوده وتقديره هي أمه بالدرجة الأولى ويأتي بعد ذلك والده ثم زوجته .

وترى الدكتورة الرخاوي أن الزوجة تتحمل العبء الأكبر في هذه المسؤولية أي مسؤولية إبقاء العلاقة متينة وقوية مع أهل زوجها، فعليها أن تتحمل أخطاء حماتها وأخوات زوجها وتصبر على التجاوزات وتقابل الإساءة بالإحسان وتصطنع المحبة حتى وإن لم تكن موجودة، وعليها أن تشاركهم جميع أحزانهم وأفراحهم .

آداب التعامل

أما الدكتورة سعيدة أبو سوسو أستاذة علم النفس في جامعة الأزهر، فترى أن الزوج تقع عليه مسؤولية تحسين وتوطيد علاقته بأهله بعد الزواج حتى يتقبلوا زوجته، وألا ينساهم بل أن يبالغ في برهم ولا يدع لهم مجالاً ليظنوا بأن زوجته وأهلها قد استولوا عليه، وعليه أن يعلم أن أولى الناس ببره أمه ثم أبوه ثم زوجته، وعليه أن يتحمل أي أخطاء تصدر من أهله وأن يتجاوز عنها وألا يبادر بقطيعتهم لأن أي تعامل خاطئ سيرجع أهله أسبابه إلى الزوجة .

وتقول: أما عن تعامل الزوج مع أهل زوجته فهي مسألة أسهل بكثير من تعامل الزوجة مع أهل زوجها، فأهل الزوجة ينظرون إلى زوج ابنتهم أحياناً على أنه ضيف فيتعاملون معه بآداب الضيافة، ويفضل أن يستمر هو بلعب دور الضيف ولا يثقل عليهم كثيراً حتى يحتفظ باحترامهم له، ولكن عليه بين الحين والآخر استشارتهم في قراراته العائلية ويشعرهم بأنه يحترمهم ويقدرهم، وكذلك عليه الوقوف إلى جانبهم في الأزمات التي قد يمرون بها ويحاول مساعدتهم والسؤال عنهم في أغلب الأوقات .