علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأدب في التعامل مع الوالدين والبر بهما والإحسان إليهما هو أقصر طريق للمسلم لنيل رضا الله عز وجل والفوز بعفوه ورحمته، والعيش في الحياة سعيدا هنيئا موفور الرزق، مبروك العمر.

أخبرنا صلوات الله وسلامه عليه أن لبر الوالدين عظيم الفضل في تمكين الإنسان من معايشة سر الحياة في البركة والمحبة والرزق والرضا.. فالبر من خير الأعمال وأفضلها.. قال ابن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ وفي رواية: أي العمل أحب إلى الله؟ قال الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.

ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم ويقول صلى الله عليه وسلم العبد المطيع لوالديه والمطيع لرب العالمين في أعلى عليين.

تقول الفقيهة والداعية الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر: البر بالوالدين بركة في الرزق والعمر، بركة تحيط بالولد تجعله موفور الأرزاق ومبارك العافية، وذلك مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه. ويؤيد ذلك المعنى حديث آخر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره. وفي حديث آخر إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر.

وجزاء البار بوالديه كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة.. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت: من هذا؟ فقيل: حارث بن النعمان.. فقال صلى الله عليه وسلم كذلك البر وكان معروفا ببره لأمه.

سأل رجل الصحابي الجليل أبا الدرداء: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمرني بطلاقها فهل من البر به الاستجابة له؟

قال أبو الدرداء للرجل: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك، ولا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دع.. والباب الأوسط كما قال العلماء هو خير أبواب الجنة يفتح خصيصا لبر الوالدين.

تكفير عن الإثم

وعلمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن البر تكفير عن الإثم حتى عن الكبائر.. فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما.. فهل من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ وفي رواية: لك والدان؟

قال: لا.. قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها.

والبر بالوالدين واجب حتى لو كانا على غير الدين.. كان الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه حريصا على أن تدخل أمه في الإسلام وكان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدرها للإسلام، فدعاها يوما إلى الإسلام فغضبت، وقالت كلاما يسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأسرع أبو هريرة رضي الله عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فلا تستجيب لي، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اهد أم أبي هريرة فخرج مستبشرا بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب إلى أمه فوجد باب البيت مغلقا وسمع صوت ماء يصب فقد كانت أمه تغتسل، فلما سمعت أمه صوت قدميه قالت: مكانك يا أبا هريرة، ثم لبست ثيابها، وفتحت الباب وقالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ففرح أبو هريرة رضي الله عنه بإسلام أمه فرحا كثيرا وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالأمر، فحمد الله وقال خيرا.

البر المطلوب

لكن: ما أوصاف بر الوالدين المطلوب شرعا؟

تقول الدكتورة عبلة الكحلاوي: أوصاف البر أدب وخلق وعين عبادة وقلب رحيم.. فالبر الذي أمرنا به يتمثل في اتباع سلوكيات ظاهرة تنبئ عن عقيدة باطنة جماعها حسن الخلق ولين الجانب والرحمة بهما، وهذا ما تشخصه الآية الكريمة إذ يقول الحق سبحانه آمرا باتباع رسالة الهداية: وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

فوقل لهما أمر بالمقولة الحانية فلا يرفع عليهما صوتا، ولا يتسخط عليهما، ولا يحتد ولا يتفوه بما يسبب لهما ما يجرحهما، إنما يتبع المقولة الرحيمة الحانية، ويعمل على مرضاتهما، ومن ذلك الالتزام بالآداب الإسلامية. وهنا يعلمنا صلى الله عليه وسلم جانبا من كيفية التأدب في التعامل مع الوالدين.. فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ فقال: من هذا الذي معك؟ قال: أبي. قال: لا تمش أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تدعه باسمه.

وفي بيت النبوة تجسدت كل صور البر والإحسان إلى الوالدين وأيضا العطف والرحمة بالصغار.. فمما روي عن عائشة رضي الله عنها عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت إذا دخلت على النبي قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.

من صور الأدب

يقول الدكتور عبد الرحمن العدوي الأستاذ في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الشريعة الإسلامية وضعت حدودا للتعامل مع الوالدين بما يحفظ لهما مكانتهما في نفوس الأبناء.. وفي قوله تعالى: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم بيان عملي لما يجب أن يربى عليه الأبناء من آداب وخلق، فاستئذان الولد عند دخوله على والديه، وهم من أهل البيت الواحد يدل على مدى رعاية الإسلام لخصوصيات الوالدين.. قال رجل لرسول الله بعد سماعه للآية السابقة: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: إنها لا تجد من يخدمها غيري، قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها.

ومن البر بالوالدين الانكسار لهما: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فعلى الولد أن ينظر إليهما بعين الرحمة.. ولعظيم قدر الوالدين كما تقول الدكتورة عبلة الكحلاوي جعل الحق سبحانه النظرة الرحيمة الحانية لهما لها أجر العبادة الخالصة، فالنظرة لهما كالنظر إلى الذكر الكريم، وكالنظر إلى أول بيت وضع للناس الكعبة المشرفة فقد ورد في الأثر: النظر في ثلاثة أشياء عبادة: النظر في وجه الأبوين وفي المصحف، وفي البحر. وفي رواية أخرى: النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر في وجه الوالدين عبادة، والنظر في كتاب الله عبادة.

وبر الإنسان بوالديه لا يقتصر على ما يقدم لهما في حياتهما من صور العطاء والإحسان والرحمة.. بل ينبغي أن يتواصل هذا البر حتى بعد مماتهما.. يقول الحق سبحانه ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب فالدعوة لهما بعد مماتهما بر، والصدقة باسمهما بر، والإحسان إلى من كان مقربا إليهما بر، وصلة رحم كل أقاربهما أيضا بر بهما وإحسان إليهما.

فهل يدرك الأبناء كل هذه الحقائق ويتوبون عن جريمة العقوق بالوالدين؟

ندعو الله أن يهدي كل أبنائنا إلى ذلك.