من أبرز المزايا التي يمكن أن تُذكر في تقريظ الشعر أو الثناء عليه: البساطة والعمق . البساطة التي تبتعد عن السطحية، والعمق الذي يبتعد عن التعقيد .
ونادراً ما يتنبّهُ النقّاد والدارسون العرب إلى أهمية هاتين الميزتين، عند تصدّيهم للتجارب الشعرية العربية الحديثة، كذلك يغربُ عن بال الكثيرين منهم أنّ أجمل القصائد في تراثنا الشعري هي تلك التي تتّصفُ بالبساطة والعمق، وفي طليعة هذه القصائد معلقات الشعر الجاهلي، التي يتوهّم الكثيرون أنّ الصعوبة في قراءتها ناتجةٌ عن تعقيد فيها . والأحرى بِهم أنْ يردّوا هذه الصعوبة إلى أسباب عديدة، منها ما يتعلّق بتطوّر اللغة من العصر الجاهلي إلى أيامنا هذه، ومنها مايتعلّق بمستويات القرّاء وبِمدى إلمامِ كل منهم بالتراث العربي وباللغة العربية . فالبساطة في المعلّقات تتجلّى في اللغة الشعرية النقية المصقولة من جهة، وفي صفاء الرؤى وبُعْدِها من جهة ثانية . وما القدرةُ الفائقة في هذه القصائد على تصوير الحياة العربية تصويراً رائعاً يمزج مزجاً فريداً بين ظروف العيش ووجوه الثقافة، سوى مظهرٍ من مظاهر العُمْق الذي تنطوي عليه .
وهذا الكلام الذي نسوقه على المعلقات ينطبق، إلى هذا الحد أو ذاك، على الكثير من النماذج التي يزخر بها تراثُنا الشعري .
لنعُدْ في كلامنا هذا إلى تجاربنا الحديثة، ولنقُلْ إنّ مفهوم البساطة على وجه الخصوص ليس واضحاً في معظم الكتابات النقدية والدراسات الأدبية العربية الحديثة . بل إنّ هذا المفهوم ملتبسٌ، أو مختلطٌ بمفاهيم أخرى تتعلّق بالوضوح والغموض، وبالسطحيّة والعُمق، وبالخطاب والرمز، وبغير ذلك . والكثيرون من النقّاد والدارسين العرب في أيامنا لا يفطنون إلى أنّ تحقيق البساطة في الكتابة الشعرية ليس بالأمر الهيّن، فهو لا يتأتى إلا للمجيدين والموهوبين من الشعراء، الذين يجعلون هذا التحقيق غايةً من غايات التعبير الشعري لديهم . إنّ البساطة المرجوّة في الكتابة الشعرية هي الصفاءُ والتألّقُ والرونقُ والسلاسة . إنها خلافُ التكلّف والتقعّر والتعقيد .
إنها الصعوبة السهلة، أو السهولة الصعبة . إنها اللغة القوية الجديدة التي تستطيع أنْ تغيبَ أو تختفيَ لدى المتلقّي وكأنها غير موجودة . إنها الإيقاع العذب الذي يستطيع التسللَ إلى وجدان المتلقّي بكل عفوية وانسياب .
إنها باختصار حضورٌ كالغياب، بمعنى أنها حضور العناصر كلها، الضرورية للكتابة الشعرية، ولكنه حضورٌ خفِرٌ شفّافٌ، لا يُشْعِرُ المتلقّيَ بأيّ نفور أو افتعال أو تدبر . أليست البساطة، بما قدّمناه عنها، الأقرب إلى طبيعة الشعر، من بين المصطلحات الفنية والنقدية .
استناداً إلى ما تقدّم، يمكننا القول إنّ البساطة قد تحققت في بعض الكتابات الشعرية العربية الحديثة، أو هي بالأحرى قد تحققت على نطاق ضيق . وقد يكون من الصعب أن ننسبها إلى شاعر معيّن، أو أنْ ننسبَ شاعراً معيناً إليها . ولكنْ، في المقابل، يمكن اختيارُ قصائدَ من هذا الشاعر أو ذاك، نجدُ فيها البساطةَ العميقة، أو بالأحرى البساطةَ المقرونةَ بالعُمق .
ويمكننا تالياً أن نتّخذَ من ذلك دليلاً على نجاح هذه القصائد . فمن ديوان بدر شاكر السيّاب، على سبيل المثال، يمكن اختيار قصائد معدودة، مثل أنشودة المطر والنهر والموت وغريبٌ على الخليج ومدينةٌ بلا مطر . . الخ . كذلك يمكن اختيار قصائد معدودة من ديوان صلاح عبدالصبور، مثل أحلام الفارس القديم ومذكّرات بِشْر الحافي والظل والصليب . . الخ . وكذلك بالنسبة إلى أدونيس ومحمود درويش وغيرهما من الشعراء من مختلف الأجيال التي تعاقبت على مدى نصف قرن من الزمن أو أكثر بقليل .
مثل هذا الاختيار الذي يرى الابتكار في الكتابة الشعرية قائماً على البساطة مقرونةً بالعمق، من شأنه أنْ يقبضَ على تجليات الحداثة الحقّة في شعرنا العربي المعاصر . ومن شأنه أيضاً أنْ يضع حداً للسجالات العقيمة التي تدور في ساحتنا الشعرية حول موضوعات سطحية أو ثانوية . ومن شأنه تالياً أنْ يفتح آفاقاً جديدةً للكتابة الشعرية العربية، التي أخذت في معظمها تعاني من الركود أو التخبط .