على الطريق السريع نحو مطار الشارقة وباتجاه المنطقة الوسطى ومدينة الذيد وغيرها من المدن الأخرى، تقع منطقة البطائح التي تبعد مسافة 40 كيلومتراً عن مركز الشارقة، والتي تشكل رابطاً حيوياً بين ذلك المركز وباقي المناطق الوسطى . وفي توصيف آخر أدق، يمكن القول إن منطقة البطائح تقع في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، يحدها من الشرق حدود إدارية مدينة الذيد ومنطقة مليحة، ومن الغرب لها حدود إدارية مع مدينة الشارقة، ومن الشمال إمارة أم القيوين، ومن الجنوب منطقة المدام وإمارة دبي .
مساحة منطقة البطائح كبيرة، وتبلغ 72 إلى 74 كيلومتراً مربعاً، ولعلها تمتد بين ثلاثة جسور، ففي الاستدلال على الطريق إلى المنطقة، يُقال إنها تقع عند الجسر العاشر باتجاه الذيد وهذا صحيح، ذلك أن الجسر العاشر يشكل مركز منطقة البطائح، لكنها تمتد من الجسر التاسع إلى الجسر الثاني عشر، وتحديداً عند منطقة جبل العزب وجسر القطاه .
في طريقنا إلى منطقة البطائح للتعرف إليها عن قرب، سلكنا الطريق السريع المؤدي إلى المنطقة الوسطى، وعند التقاطع العاشر، أخذنا طريقاً فرعياً إلى اليمين من الطريق العام، حيث يوجد مبنى المجلس البلدي وبلدية البطائح، على يسار الطريق المؤدي إلى دوار شعبية ابن رشيد .
إلى اليسار أيضاً من الطريق العام، نشاهد مركزاً طبياً ومركز الشؤون الاجتماعية، ومقابلها مراكز للأسواق هي قيد الإنشاء، ومقابل هذه الأسواق مشاتل البلدية، ومن ثم هناك منطقة صناعية وتجارية وخدمية أيضاً قيد الإنشاء .
على الطريق حيث كان لقاؤنا برئيس المجلس البلدي لمنطقة البطائح، علي سالم بن رشيد الكتبي، نلاحظ منطقة مسيجة، عند سؤالنا عنها قيل لنا إنها مضمار لسباقات الهجن في المنطقة، تسبق دوار شعبية ابن رشيد .
المنطقة جميلة وهادئة، وفي أولها صحراء منبسطة، لكن عند الوصول إلى دوار شعبية ابن رشيد، وتحديداً عند سلوك الجهة اليسرى من الدوار، انطلاقاً من مدخل الجسر العاشر، تبدأ المنازل بالظهور، وتلك الأشجار المعمرة التي تعانق السماء، إلى جانب أشتال من الشجيرات التي ترقد في الصحراء .
وصلنا منزل علي سالم بن رشيد الكتبي، حيث كان اللقاء، وهناك عدد من الشعبيات والمناطق التي تضمها البطائح، ومنها شعبية ابن رشيد والمحافز وطوي سويدان، فضلاً عن شعبية الرفيعة (1) وشعبية الرفيعة (2) ومنطقة الحوية، التي تقع ثلاثتها على اليسار من الطريق العام المؤدي إلى الذيد انطلاقاً من مركز الشارقة، وأيضاً البرير الجنوبي والبرير الشمالي وشعبية طوي السامان التي تبتعد عن الجسر العاشر وصولاً إلى الجسر الثاني عشر .
سبب التسمية
يقول علي سالم بن رشيد الكتبي عن أصل تسمية البطائح، سميت المنطقة بهذا الاسم وهي جمع بطحاء، أي مجرى المياه، لوجود البطح فيها، وهي بطحاء (المرة) و(الرفيعة)، ولهذا سميت البطائح، بمعنى وجود أكثر من مجرى مياه اتحد في هذه المنطقة .
وعن تاريخها يقول: كانت منطقة البطائح معبراً للقوافل الآتية من سلطنة عُمان والساحل الشرقي إلى دبي والشارقة والإمارات الأخرى، والعكس صحيح، حيث توفرت فيها آبار المياه، وفي بعض المواسم تجري الأودية (البطاح) وتتجمع في المناطق المنخفضة ألا وهي (الغدر)، حيث توفر الأمن لسكانها ولمرتادي هذه المنطقة من القوافل حينما يلزم الأمر، كما أنها اشتهرت بالصيد نظراً لوجود مختلف الحيوانات البرية في تلك الفترة كالمها والظبي والطيور، فضلاً عن وفرة المراعي، باعتبارها منطقة بدوية رعوية .
الدكتور شبر الوداعي الباحث والمختص في الشأن البيئي، يصف المنطقة بقوله: تتكون البطائح من أكثر المواقع ثروةً وجمالاً في البيئة البرية في الشارقة، وحينما تغوص في أعماقها سوف تشاهد الرمال البرية الجميلة وقطعان أشجار الغاف والسمر والسدر، وفي الربيع حينما يهبط المطر تشاهد هذه المناطق واحات تكسوها النباتات والأزهار البرية .
من خصائص منطقة البطائح، أنها كثيرة المزارع والثروة الحيوانية، وتتمتع بغطاء نباتي جيد، ففي الزراعة، تمتلك المنطقة فرصة ومساحة مناسبة لزراعة النخيل، وهي كذلك حيث تتركز هذه الزراعة عندها، فضلاً عن ذلك هناك الزراعة الموسمية لمختلف أنواع الخضار والفواكه، وتكثر أشجار الغاف المعمرة في المنطقة، ولها احترامها عند السكان، وبحسب علي سالم بن رشيد الكتبي، فلهذه الشجرة فلسفة في التعامل معها، بمعنى أن هناك مواسم معينة لتقطيعها وقص القميم، من دون إصابة أو قطع الجذر، وذلك لتجديد الشجرة .
تقليم شجرة الغاف
في ما يتعلق بالبيئة والحرص عليها كما الحرص على الأشجار، يحدثنا الدكتور شبر الوداعي عن أهل المنطقة وعلاقتهم بالمكان، فيقول أبناء البادية يحرصون على تربية أبنائهم بعدم القيام برمي المخلفات في المناطق البرية التي تترك أثرها السلبي على بيئة المكان وجماليته، وفي الوقت ذاته، يعلمون أبناءهم كيفية الحفاظ على الأشجار المعمرة كالغاف والسمر، بحيث لا يقومون بقطعها من الجذر، إنما استثمارها لمعيشتهم وحياتهم بطريقة منظمة، لذلك يقومون بتقليم هذه الأشجار، وهناك نظام متبع للتقليم لدى أهل البادية .
وعن موضوع الرعي، والكلام هنا للوداعي، لدى أهل المنطقة نظام للرعي، حيث يقومون بالرعي في منطقة ما لفترة محددة وموسم محدد، ويريحونه لفترة أخرى، في سبيل أن تنمو الأعشاب، ونظام الرعي هذا يستخدم أساساً لمساعدة النباتات على النمو .
نعود إلى علي سالم بن رشيد الكتبي الذي يقول عن الأشجار في المنطقة لدينا أشجار رعوية وأخرى كثيرة ومتنوعة بين الثمام، الأرطا، الرمث، وهذه تأكلها الجمال والأغنام، فضلاً عن وجود أشجار وفطريات أخرى تنمو في وقت المواسم وفي أيام الشتاء .
أما عن التنوع الحيواني، فإن حيوان المها كان يعيش في هذه المنطقة والذئاب البرية كذلك، لكنها اختفت لأسباب الصيد الجائر والتمدد العمراني، أما الآن فالصيد ممنوع، وتوجد حيوانات تتنوع بين الجمال والأغنام والماعز والأبقار وطيور القطا والعقبان، إضافة إلى الأرانب والثعالب والوجش الذي يعتبر نوعاً من الفئران البرية والجربوع .
موجة الإعمار
لأنها منطقة حيوية ومأهولة بالسكان، فضلاً عن كونها محطاً لأنظار الزوار ومحطة للترفيه والاستجمام، حرصت إمارة الشارقة بقيادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على توفير الخدمات الأساسية للمنطقة ووصلها بالموجة العمرانية والخدماتية مع بقية المدن الأخرى .
يقول رئيس المجلس البلدي لمنطقة البطائح عن ذلك: لدينا مجلس بلدي ومركز شرطة، وثلاث مدارس (طلاب وطالبات) لمختلف الفئات العمرية، وهناك ناد للسيدات، وناد ثقافي رياضي، وناد للأطفال، وعيادة سيتم تطويرها وستفتتح قريباً إلى مركز طبي، فضلاً عن مواقع تجارية وصناعية خدمية قيد الإنشاء، مثل سوق الخضار والفواكه والمقصب وسوق السمك .
وتشهد المنطقة تطوراً في البنية التحتية والحياة تدب فيها، وكمجلس بلدي نحاول إنشاء مرافق خدمية لهذه المنطقة، على أن تتركز جميعها في مربع واحد، حتى يسهل الوصول إليها، وبالتالي تخدم جميع السكان، والكلام هنا لرئيس المجلس البلدي .
الحدائق العامة والخاصة مزدهرة في البطائح، ربما لأنها موجودة بوفرة ويتم الاعتناء بها جيداً، فحسب الكتبي توجد في منطقة البطائح تسع حدائق هي كالآتي: حديقة البطائح العامة، وحديقة أخرى خاصة بالعائلات، وحديقة الحوية العامة، وحديقة الرفيعة الخاصة، وحديقة البرير العامة، وحديقة المحافز، وحديقة ابن رشيد العامة، وحديقة ابن رشيد الخاصة، وحديقة قيد الإنشاء اسمها طوي السامان .
وبين هذه الحدائق، تتمتع منطقة البطائح بخاصية مهمة هي وجود محميتين تقعان في المنطقة، الأولى هي محمية الظليمة، التي تعتمد على غطاء نباتي وحيواني مهم، وحيث أطلق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي فيها، مختلف أنواع الحيوانات مثل المها والظبي والأرانب، وهي تمتد على مساحة حوالي 8 كيلومترات مربعة . سميت بالظليمة لأنها كانت في السابق كثيفة الأشجار وخصوصاً الغاف، ولأنها مظلمة حتى في النهار، كما يقول الكتبي .
أيضاً توجد محمية اسمها المنتثر وتبلغ مساحتها أكثر من 10 كيلومترات مربعة، وجرى تشجيرها مؤخراً بزرع آلاف الأشجار من الغاف والسدر .
ولأن منطقة البطائح مهمة وتربط بين مركز الشارقة والمنطقة الوسطى، جرى تخصيص منطقتين، الأولى تسمى منطقة الحمراء المخصصة للهواة ومن يرغب في ممارسة رياضة التصعيد بواسطة سيارات الدفع الرباعي . وهناك منطقة مخصصة لتخييم العائلات، اسمها الكهيف، وهذا يدل على أن هناك توازناً بيئياً يتصل بتخصيص مناطق ترفيهية واستجمامية، من دون أن يؤثر ذلك في البيئة أو على سلامتها وخصوصيتها .
ارتباط بالمكان
حدثنا علي سالم بن رشيد الكتبي أن عدد السكان في منطقة البطائح حوالي 3 آلاف نسمة، إضافة إلى 250 نسمة من الوافدين الذين يعملون في مختلف الأعمال، ويقول إن السكان والعائلات هنا مترابطون ومتلاحمون، وصلة الأرحام والزيارات العائلية لا تنقطع بينهم .
يضيف الكتبي: يسكن المنطقة عشائر الكتبي ومن هذه القبيلة تتفرع أفخاذ، من ابن الرشيد وابن بخيت وابن حمود وابن غاشم وابن المراخين وابن حليس .
عن سكان المنطقة يقول الدكتور شبر الوداعي أهل البادية تلاحظهم مرتبطين وملتصقين بالمكان الذي أصبح مثل أمهم الحنون، وهذه القيم والثقافات تميز أخلاقيات المجتمعات المحلية، حيث تتجسد القيم العربية الأصيلة المستوحاة أساساً من قيم الدين الإسلامي الحنيف، لذلك تجد الناس هنا كرماء بطبعهم، كما هي بيئتهم، ويحترمون الضيف ويقدرونه .
الوداعي يستطرد: عندما تتوجه إلى أهل البادية سوف تكتشف حقائق مهمة، أولاها أنهم يربون الأبناء على المنهج السليم في العلاقة مع كل ما تكتنزه هذه الواحات والبيئات، وهم ينهون أبناءهم عن السير على مواقع العشب، ويوجهونهم إلى أن يراعوا مسارات محددة، حتى لا تُدمر أعشاش الحيوانات البرية، كالأرانب والثعالب، إلى جانب أعشاش الطيور البرية، التي تكون عادةً منتشرةً أيام الربيع .
ببساطة يمكن القول إن منطقة البطائح، تجمع بين موقعها الجغرافي المميز الذي يربط بين مركز المدينة والمنطقة الوسطى، وكونها منطقة صاعدة، تتبنى مشروعات خدمية وترفيهية، فضلاً عن بيئتها المتنوعة من حيث وجود مناطق برية، وأخرى مأهولة بسكانها الأصليين والطيبين، ومناطق أخرى جمالية تغطيها الأشجار والنباتات .