قال تعالى: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (النحل: 5-8)..

تبرز هذه الآيات نعمة الأنعام المتعارف عليها في الجزيرة العربية وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، من دفء من الجلود والأصواف والأوبار ومنافع في اللبن واللحم، وما إليها وفي حمل الأثقال، وأيضا ذكر القرآن أن في الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب والزينة.

البغل كما جاء في المعجم الوسيط ابن الفرس من الحمار وجمعه أبغال، وبغال. والواحدة بغلة، وجمعها بغال أيضا. وكنيته: أبو الأشحج، وأبو الحرون، وأبو الصفر، وأبو قضاعة، وأبو قموص، وأبو كعب، وأبو مختار، وأبو ملعون.

صبر وقوة

والبغل كما سبق القول مركب من الفرس والحمار، ولذلك له صلابة الحمار، وعظم آلات الخيل. وشحيجه (أي: صوته) مولد من صهيل الفرس، ونهيق الحمار. وشر الطباع ما تجاذبته الأعراق المتضادة، فإذا كان الذكر حمارا كان شديد الشبه بالفرس، وإذا كان الذكر حصانا كان شديد الشبه بالحمار. ومن العجيب أن كل عضو منه يكون بين الفرس والحمار، وكذلك صفاته: فليس له ذكاء الفرس، ولا بلادة الحمار، وله صبر الحمار، وقوة الفرس، ويوصف برداءة الأخلاق والتلون! لكنه مع ذلك يوصف بأنه يعرف أي طريق يسلكه مرة واحدة. وهو مركب الملوك في أسفارها، وقعيد الصعاليك في قضاء أوطارها، مع احتماله للأثقال، وصبره على طول الإيغال. البغل حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء، ويحرم أكل المتولد منه بين الحمار الأهلي والفرس.

وذكر الله سبحانه وتعالى البغال وامتن علينا بها، كالخيل والحمير، واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحيوان واقتناه وركبه حضرا وسفرا، وكانت بغلة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يركبها في الأسفار أنثى واسمها دلدل. وقد أهداها المقوقس عظيم القبط بمصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم عندما بعث إليه يدعوه إلى الإسلام ! وهي بغلة شهباء خالط بياض شعرها سواد. وكانت أول بغلة وأول شهباء رئيت في الإسلام، وقد أبدى الرسول صلى الله عليه وسلم اهتماما بها، وأعد لها لجاما قام بفتله بنفسه هو وعبد الله بن عباس.. وأعد لها ما يغني عن السرج ثم ركب وأردف ابن عباس خلفه.

يوم حنين

وقد جاء ذكر البغال في الأحاديث، فعن أبي إسحاق، أنه سمع البراء بن عازب، وقد سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر. كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وان أبا سفيان بن الحارث، آخذ بزمامها، وهو يقول: أنا النبي لا كذب.

وعن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، قال: فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه وهو على بغلة شهباء، وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم، يركض بغلته قبل الكفار.

قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكفها، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث، آخذ بغرز (الركاب) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس، ناد: يا أصحاب الشجرة ، قال: وكنت رجلا صيتا، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها !! فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون، فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حين حمي الوطيس، قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا، ورب الكعبة. انهزموا، ورب الكعبة. قال فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله، ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا، حتى هزمهم الله وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يركض خلفهم على بغلته.

وفي معجم الطبراني الأوسط من حديث أنس رضي الله عنه قال: لما انهزم المسلمون يوم حنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء التي يقال لها دلدل، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: دلدل أسدى فألصقت بطنها بالأرض، حتى أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب فرمى بها وجوههم وقال: حم... لا ينصرون. قال: فانهزم القوم، وما رميناهم بسهم، ولا طعناهم برمح، ولا ضربناهم بسيف. وروى أبو داود والنسائي، عن عبد الله بن زرير الغافقي المصري، عن علي رضي الله عنه قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فركبها. فقالوا: لو حملنا الحمير على الخيل لكان لنا مثل هذه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قال ابن حبان معناه: الذين لا يعلمون النهي عنه. وعن خالد بن الوليد قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.

وكان عبد الله بن أبي أوفى، من أصحاب الشجرة فماتت ابنة له، وكان يتبع جنازتها على بغلة، فجعل النساء يبكين، فقال لا ترثين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المراثي، فتفيض إحداكن من عبراتها ما شاءت، ثم كبر عليها أربعا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في الجنازة هكذا.