قال تعالى: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (ابراهيم - 6)
كان مما ذكرناه في المقالة السابقة شرح قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم الآية.
وفي هذه المقالة نريد أن نتأمل بيان هذه الآية الكريمة وما بعدها.
وإذ ظرف منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قال موسى والمخاطب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أمر بأن يذكر لقومه شاهدا من شواهد ابتلاء المظلومين أو نعمة الله عليهم بإنقاذهم من الظالمين، فأمر صلى الله عليه وسلم، أن يحكي لقومه قول موسى عليه السلام لقومه وقوله المذكور لقومه كان بعد أن أنجاهم الله من فرعون وآله، وأضيفت النعمة إلى لفظ الجلالة لتفخيمها وتعظيمها و(إذ) في قوله تعالى: إذ أنجاكم من آل فرعون ظرف للنعمة والتقدير: اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائكم من آل فرعون وهذا إن جعلت النعمة مصدرا، أما إذا جعلت اسما فالظرف (إذ) متعلق بمحذوف وقع حالا، والتقدير: اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم وقت إنجائه إياكم من آل فرعون.
ويجوز أيضاً أن يكون الظرف بدل اشتمال من قوله تعالى (نعمة الله) والتقدير: اذكروا وقت إنجائكم وعلى كل فالمراد بالنعمة الإنعام، والمراد بآل فرعون أشياعه وأتباعه ونصراؤه ومستشاروه ومعاونوه على الشر، وقد لحظنا أن فرعون عندما يذكر في كثير من الآيات التي تنبئ عن ظلمه وطغيانه فإنه يذكر معه ملؤه أو آله أو ما يدل على المشايعين له والذين شكلوا لفرعون بطانة السوء التي زينت له الفساد، وأعانته على الظلم، وشوهت له الحقائق، وقلبت الحق باطلا، والباطل حقا، ولذا فإن هؤلاء مشاركون له في الإثم، مشتركون معه يوم القيامة في العذاب.
اقرأ قول ربك: .. وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (غافر ،45 46) ويتضح من هاتين الآيتين الكريمتين أن الأذناب وأصحاب الأبواق الذين يحللون الحرام، ويحرمون الحلال للحاكم، جزاؤهم أشد العذاب والعياذ بالله، فإذا كان هذا هو جزاء الآل والملأ، فما بال جزاء فرعون؟! إن من توفيق الله للحاكم أن يهيئ له بطانة صالحة تبصره بالحق وتعينه على الحكم بالعدل بين الرعية ويجب على كل حاكم أن يتخير من يساعده على ذلك.
تعذيب جسدي ونفسي
ولنعد إلى الآية الكريمة يسومونكم سوء العذاب فأصل السوْم كما قال الراغب الاصفهاني الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والابتغاء، ومن شواهد استعماله في معنى الذهاب قولهم: سامت الإبل فهي سائمة، ومن شواهد استعماله في معنى الابتغاء قوله تعالى: يسومونكم سوء العذاب أي يبغونكم أي يذيقونكم على سبيل الاستهانة والذلة والقهر سوء العذاب.
والسوء مصدر (ساء) والمراد به استعباد بني إسرائيل أو استعمالهم في الأعمال الشاقة التي لا يطيقونها، أو المراد به جنس العذاب الشديد من تعذيب جسدي أو نفسي أو هما معا. وقوله: ويذبحون أبناءكم أي أبناءكم المولودين، فهذا لون آخر من ألوان العذاب وإنما فعل فرعون وآله ذلك ببني إسرائيل، لأن فرعون رأي في المنام أو نبأه الكهنة بأنه سيولد من بني إسرائيل من يطيح بملكه، فأعملوا سيوفهم في رقاب أبناء بني إسرائيل اجتهادا منهم في عدم حصول ذلك، ولكن هيهات هيهات لهم، فها هو ذا موسى عليه السلام يُربى في بيت فرعون، وتحت رعايته، وأمام عينيه ويشب ويكبر حتى يدعوه إلى عبادة الله الواحد الأحد. فقد سَخر الله فرعون عدو موسى وقومه ليرعاه، ثم يكون بعد ذلك هلاكه على يد موسى بإذن الله تعالى، واقرأ قول فرعون لموسى كما حكاه القرآن: قال ألم نُرَبك فينا وليدا ولبثت فينا من عُمُرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (الشعراء ،18 19) إنها عناية الله التي تحفظ عباده الصالحين، وصدق قول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نَمْ فالمخاوف كلهن أمان
وأومأت صيغة التكثير أو التضعيف في يذبّحون إلى المبالغة في التذبيح والإكثار منه، وكان من الممكن أن يقال: ويذبحون أبناءكم بالتخفيف لولا إرادة هذا المعنى. والله أعلم بمراده.
وقيل: أبناءكم ولم يقل: أولادكم، لأن لفظ الأبناء يطلق على الأولاد الذكور، أما لفظ الأولاد فيطلق على الذكور والإناث معاً، ولو قيل: ويذبحون أولادكم لكان مناقضاً للواقع، ولقوله بعده: ويستحيون نساءكم أي يبقونهن في الحياة، وهذا يدل على دقة التعبير القرآني، وعُبر عن قتل الأبناء هنا بالذبح، (للإشارة إلى أنهم فعلوا ذلك - أي آل فرعون - وهم - أي بني إسرائيل - آمنون سالمون غير ثائرين ولا ناقمين، فهم في غير اندفاعة ثورة، ولكن في أمن ودعة، يأتون إلى الطفل في حجر أمه أو بين لداته ويذبحونه ذبحا، وحسبك أن تعلم أن أم موسى رضيت - بإلهام من الله - أن تلقيه في اليم مع رجاء الله تعالى عن أن يُذبح بين يديها. وقوله تعالى: ويستحيون نساءكم، أي يطلبون حياة نسائكم وبقاءهن، فالصيغة للطلب، وآل فرعون لم يطلبوا حياة نساء بني إسرائيل إلا ليتخذونهن إماء، وليستمتعوا بهن، وهذا عذاب نفسي ما بعده عذاب للرجال ذوي النخوة والمروءة. وبالله عليك قل لي كم من أسيرات مسلمات في سجون الاحتلال؟ وكم من صبايا في عمر الزهور انتهكت أعراضهن؟ وكم من رُضّع حرموا من أمهاتهم اللائي يقبعن وراء غياهب السجون، ولقد صدق القائل:
من قال إن العار يمحوه الغضب
وأمامنا عرض الصبايا يغتصب
عار على التاريخ كيف تخونه
هِمَم الرجال ويُستباح لمن سَلَبْ
العار أن يقع الرجال فريسةً
للعجز.. من خان الشعوب ومن نهب
ولتركعوا خِزيا أمام نسائكم
لا تسألوا الأطفال عن نسب وأبْ
لا تعجبوا إن صاح في أرحامكم
يوماً من الأيام ذئب مُغتصِبْ
استحضار الماضي
أرجو أن يعذرني القارئ على الاستطراد، لأنني أحب دائماً أن أربط التفسير بالواقع المعاصر المشاهد.
ولنتأمل ثانية كيف عُبر عن تلك المشاهد والأحداث الماضية بصيغة المضارع في قوله (يسومونكم و(يذبحون) و(يستحيون)، فتلك الأحداث قد وقعت وانتهت بدلالة قول موسى عليه السلام واذكروا أي تذكروا، فمقولته أو تذكره قومه كان - كما قلنا - بعد إنجاء الله تعالى لهم من فرعون وآله، والتعبير بالأفعال المضارعة - التي وقعت أحوالاً من قوله آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أنجاكم أو منها جميعا - فيه استحضار للأحداث الماضية ولتلك الابتلاءات التي وقعت لبني إسرائيل وإبرازها لهم وكأنها تحدث وقت قول موسى لهم لشناعتها ولفظاعتها وقسوتها، وفي هذا أيضاً تذكير لهم بالمنة الكبرى عليهم من الله تعالى بإنجائهم مما ابتلوا به، إذن في التعبير بالمضارع استجاشة لمشاعر قومه، وتحريك لدوافع شكر الله، والله أعلم.
واسم الإشارة في قوله تعالى وفي ذلكم يقصد به ألون العذاب المتقدم في الآية، أو الإنجاء من هذا العذاب، أو هما معا، واستخدم اسم الإشارة للبعيد للدلالة على شدة العذاب أو عظمة الإنجاء، وأُكد هذا بوصف البلاء بأنه عظيم، والمقصود بالبلاء أي الابتلاء والاختبار في قوله تعالى: بلاء من ربكم عظيم العذاب الذي لاقاه بنو إسرائيل وبناء عليه فالابتلاء هنا ابتلاء بالمحنة، أو المقصود الإنجاء من ذلكم العذاب أي التذكير بنعمة الأمن، وعليه فالابتلاء هو ابتلاء بالنعمة.
وقلنا من قبل إن الابتلاء يكون بالنعمة كما يكون بالنقمة، ومن شواهده قوله تعالى: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (الأعراف - 168) والمراد بالحسنات والسيئات: الرخاء والشدة، والعافية والبلاء. والأنسب لمقام الآية وصدرها المعنى الأول أي الإنجاء من العذاب وتذبيح الأطفال الأبناء واستحياء النساء. والله أعلم.
ابتلاء المؤمنين
وقد يسأل سائل فيقول: كيف تنسب أفعال آل فرعون الفظيعة إلى الله تعالى؟ والإجابة أنه جاز هذا باعتبار أنه سبحانه خالق البلاء، فنسبته إليه سبحانه من حيث الخلق، أو باعتبار إقداره - سبحانه - وتمكينه فرعون وآله من قوم موسى ليفعلوا بهم ما فعلوا من صنوف العذاب والتنكيل، فكان كالصادر من الله تعالى، وقد تقاطعني وتعترض على الشق الثاني من الإجابة وتقول لي: وكيف يُخلي الله تعالى آل فرعون لفعل ذلك، ولم يمنعهم - وهم أفسد أهل الأرض حينئذ - من فعل ما فعلوا بقوم موسى الذين آمنوا به؟!! ولماذا لم يلطف الله ببني إسرائيل ابتداء فيمنع إلحاق ذلكم العذاب العظيم بهم؟ وأرد على سؤالك بسؤال: لماذا مكّن الله المشركين من إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو خير خلق الله قاطبة؟ او لم تكسر رباعيته؟ أو لم تسل الدماء الشريفة منه صلى الله عليه وسلم؟ أو لم يوضع سلا الجذور فوق ظهره وهو ساجد؟ أو لم توضع الأشواك أمام بيته؟! أو لم يكد يخنقه أحد المشركين بثوبه حتى جاء أبوبكر الصديق رضي الله عنه، وخلصه؟! أو لم يُسب؟! أو لم يعذب أصحابه في بداية الدعوة بشتى صنوف العذاب؟ ثم أسأل معك: ولماذا هذا التمكين الآن لأفسد أهل الأرض في زماننا؟ ولماذا يخلي الله تعالى لهم ليعيثوا في الأرض فسادا وقتلا وتذبيحا وطردا وسجنا وتعذيبا لعباده الموحدين المؤمنين؟!! أرد على هذا كله فأقول: إن هذا من باب سُنة الله تعالى في خلقه، إنه إمهال للظالم وليس إهمالاً له حتى إذا أخذه أخذه أخذا شديدا، وفيه أيضاً تسجيل على الظالم بأفعاله التي يستحق عليها ما أعد له من سوء العذاب، وشدة الحساب ومن جانب آخر فإن إمهال الظالم أو التمكين المؤقت له فيه تمحيص لجماعة المؤمنين، وصقل لنفوسهم، وتنقية لصفوفهم من المنافقين، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليكون استحقاقهم الأجر العظيم على الابتلاء بالنقمة عن جدارة والله تعالى هو القائل: ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (العنكبوت 1 - 3).
وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (البقرة 214) وقال تعالى: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (آل عمران 186) وقال سبحانه: ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض (محمد 4) تلك إذن حكمة الابتلاء بالنقمة، فليس الابتلاء تخليا من الله تعالى عن أوليائه، وتمكينا دائماً لأعدائه، ولذلك كان من الملائم جدا ذكر وصف الربوبية في قوله تعالى: وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم لأن هذا الوصف بما يدل عليه من معاني التربية والإصلاح والرعاية والعناية والتدبير يومئ إلى تلك الحكمة، ألا وهي أن ابتلاء المؤمن خير له.
وأضيف وجها آخر إلى حكمة ابتلاء الله المستضعفين بالظالمين وهو وجوب الاستعداد للخلاص من الظلم، وحتمية الأخذ بأسباب الحرية، وسلوك طريق النجاة، فلا بد من بذل الغالي والنفيس من أجل مقاومة الظلم والاستعباد والإذلال والقهر على يد أعداء الإنسانية والقيم والأخلاق، فطريق الخلاص ليس مفروشا بالورود، ولا بد من إصلاح الذات والنفس أولاً كما قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11) وثمن الخلاص من الذل، وكسر القيود باهظ، ولم تنل أمة محتلة حريتها وكرامتها إلا بعد تضحيات جسام، ونضال طويل.
فلا تيأسوا فالنصر قادم بإذن الله، ولا بد بعد طول الليل من انبلاج الفجر، وانبثاق النور، فالمؤمن عزيز لأن عزته مستمدة من إسلامه ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (المنافقون 8) وإن كان للباطل جولة فإن للحق وأهله صولات وجولات بإذن الله ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (النساء 141) وبقي أن أشير إلى أن الابتلاء أو الاختبار من الله تعالى لعباده إنما هو لإقامة الحجة لهم أو عليهم، لأن هذا الابتلاء أو الكشف به لن يزيد أو يضيف إلى علمه سبحانه شيئاً، لأنه هو السميع البصير العليم بخفايا النفوس، ودقائق الأمور، والله أعلم بمراده والحمد لله رب العالمين.
إمهال الظالم
إن إمهال الظالم، أو التمكين المؤقت له، فيه تمحيص لجماعة المؤمنين، وصقل لنفوسهم، وتنقية لصفوفهم من المنافقين، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليكون استحقاقهم الأجر العظيم على الابتلاء بالنقمة عن جدارة، والله تعالى هو القائل: ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (العنكبوت: 1-3) وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب (البقرة: 214) وقال تعالى: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (آل عمران: 186)