البوسطجي من المهن القديمة التي اندثرت اليوم وحلت مكانها وسائل الاتصال السريعة والبريد السريع . في بلدة يحمر الشقيف الجنوبية، يترنح موتسيكل العم أبو ناصر في غرفة معتمة رافقته سنوات طويلة في رحلة توزيع البريد من بلدة إلى أخرى، فالعم أبو ناصر كان البوسطجي أو ساعي البريد الوحيد في المنطقة، وذاع صيته في أرجائها خاصة إبان الأحداث والحروب وتوزيع بريد المغتربين إلى أهاليهم ويحمل في جعبته حكايا زمن مضى .

على كرسي حديدي يجلس أمام منزله الذي تعبق منه رائحة الماضي بكل أداوته، ينفخ نرجيلته، ويرتشف قهوته قبل أن يعيد صورة رحلته الغابرة، لينطلق في سرد حكاية مشواره، وحيث تنطوي وراء كل رحلة مفاجآت كثيرة يقول: الموتسيكل هو ما تبقى لي من مشوار عملي فيه متعة وعذاب . . فرحة ودمعة معاً . يضيف العم أبو ناصر: عام 1964 بدأت بعملي . تجولت في مختلف القرى والبلدات . عايشت لحظات فرح الناس وحزنهم . ويعود بالذاكرة إلى عام 1965 ليخبر عن الطريقة التي كانت تصل عبرها البرقيات والرسائل بواسطة التلكس بعدها يصعد دراجته النارية يحمل الرسائل التي كان يضعها خلفه في جعبة خاصة ليبدأ بتوزيعها على الأهالي بين بلدتي جبشيت والعيشية، كنت أوزع ما يقارب 18 رسالة في اليوم من أبناء منتشرين في بلاد الاغتراب خاصة السنغال وليبيريا، يفرحه كثيراً تلقيه مكافأة من أحد الأهالي إذا أتى إليه بخبر مفرح، مشيراً إلى صعوبة لطالما واجهها: كنت أجد صعوبة في إيصال برقيات الوفاة، وأستشعر الحزن المنبعث من قلب أم ينتظرها خبر وفاة ابنها .

يرتدي مشمعه، يضع الرسائل والبرقيات في جعبته الجلديه، يتفقد التلكسات، يلقي نظرة على دراجته، رفيقه مشوار عمله، يصعد عليها يديرها لينطلق، يجوب البلدات من شرقها إلى غربها، يزرع بسمة على ثغر حاجة تنتظر خبراً عن ابنها المغترب في الغابون، تدمع عيناه حين يوصل برقية وفاة إلى أم أحدهم، يستريح تحت سنديانة أم فوزي ليشرب كأساً من الشاي، وهو يستعيد هذه الذكريات . ما تبقى من مهنة البوسطجي في مخيلة العم أبو ناصر الذي ما زال يحتفظ في منزله بما تبقى له من أدوات الشغل، بدءاً ب الموتسيكل الذي اشتراه بمبلغ 1500 ليرة لبنانية ورقمه ،2076 ومعه الجعبة والجزمة، والمشمع الذي كان يرتديه أيام المطر ألا ليت الشباب يعود يوماً عبارة يرددها كثيراً، وهو يروي لك ذكريات مهنته التي اندثرت اليوم مع ظهور البريد السريع ليبان بوست بعزة نفس كبيرة يخاطبك: كنت أجوب القرى والبلدات أوزع البريد . . أشاطر الناس همومهم وفرحهم كان الناس ينتظرونني لآتي لهم برسالة أو خبر من أبنائهم، كانت الناس تملك محبة خالصة ندر وجودها اليوم لا يخفى عليه خافية يعرف كل الناس يسلسل لك العائلات في أية منطقة أو بلدة كانت كأنه يحمل بريدا لهذه العائلة او تلك يتذكر رحلة عمله كأنها أمام عينيه اليوم، يشرح لك بإسهاب طريقة عمله التي تبدأ من مكتب البريد حيث كانت تصل الرسائل أو البرقيات عبر التلكس، يركب دراجته النارية الموتسيكل الذي يحمل الرقم 2076 يضع الرسائل في الجعبة ويحملها، مباشرة إلى الأهل . كان العمل متعباً . . كنت أمضي ساعات وساعات أجوب القرى وأقطع بلدات لأوصل رسائل الناس، أفنيت عمري في عملي ولكن كنت فخوراً به، في ركن المنزل الخلفي يضع العم البوسطجي ما تبقى من مهنته، يعتني به ينظفه كل يوم كأنه سيذهب في رحلة عمل لتوزيع رسائل جديدة، ولكن هذه المرة عبر الذاكرة يأخذك إلى حيث كان يعمل بعفوية، يتباهى بأنه كان أجمل شاب في المنطقة يقول ذلك مع عبارة لا تفارقه طيلة حديثة ألا ليت الشباب يعود يوماً؟

لا يزال العم أبو ناصر حتى اليوم يتباهى بجماله الذي يصفه بأنه كان خارقاً، وهذا برأيه لعب دوراً كبيراً في نجاحه في عمله إلى جانب مهنته البوسطجي، يحتفظ العم أبو ناصر بمقتنيات قديمة جمعها حين كان يقوم بعمله لأنه كما يقول إنني أهوى وأحب كل شيء قديم من هنا أحتفظ بالكثير من الأدوات القديمة، من الجاروشة إلى مكوى الفحم الذي يعود لأكثر من مائة عام إلى الليرات العثمانية وغيرها، من فترة إلى أخرى يعيد ذكرياته ويحاول أن يعيد ذكرياته وتجوالاته على المناطق والقرى .

مهنة البوسطجي ندرت وجمع المقتنيات القديمة يقتصر على أشخاص وفي وقت جل ما نحتاجه هو الاحتفاظ بقديمنا، منبع تراثنا ومرفد السياحة التراثية التي يجب أن تنشط وبكثافة في المنطقة لتنعش الأجواء العامة وتستقطب السياح من مختلف أقطار العالم ولا تتوقف الآثار على الدوير أو يحمر بل هناك الكثير من الأماكن السياحية والأثرية في المنطقة، إذ إن الجنوب ينشط فترة الصيف بمتنزهاته التي تنتشر على ضفاف الليطاني الذي يخترق عدداً من القرى في المدينة .

يبقى أن نشير أخيراً إلى أنه مهما تبدلت معالم الحياة الجنوبية تبقى هناك أدوات تذكرنا بما مضى طالما هناك أناس يحافظون على هذا التراث الثمين، وطالما هناك جبروت المعرفة يدفع بالكثير إلى نبش خبايا ماض أضحى اليوم مهماً جداً بالنسبة إلى جيل شبابنا.