تذخر مدينة دمشق القديمة بالكثير من الأوابد والمباني الأثرية الثمينة ذات القيمة التاريخية والحضارية والمعمارية، ولعل البيمارستان القيمري أحد أبرز هذه المعالم وكان له دور كبير في الرعاية الصحية الشاملة، ويعتبر من العمائر التاريخية التي ترجع إلى أواخر العصر الأيوبي في سوريا، ومن أعظم آثار دمشق شأنا ومن أجمل عمارات دمشق الأثرية بتخطيطه وبزخارفه الجميلة، كما يعد من أشهر وأكمل البيمارستانات الباقية في العالم الإسلامي وليس في دمشق وحدها، حيث لا يزال يحتفظ بالكثير من عناصره المعمارية والزخرفية والكتابية ويعد مثالا حيا للتقدم العلمي والحضاري للعرب المسلمين.

وكلمة بيمارستان فارسية الأصل مكونة من (بيمار) ومعناها مريض و(ستان) بمعنى دار فهي تعني بذلك دار المرضى، حيث كانت بمنزلة مستشفيات ومدارس للطب.

يقع البيمارستان القيمري في دمشق وسط منطقة الصالحية القديمة على سفح جبل قاسيون بجوار جامع الشيخ محي الدين ومقابل التكية السليمية، ويدل بناؤه في حي الصالحية على درجة التطور العمراني للمنطقة، فنظراً لدور المناظر الطبيعية الجميلة والمشاهد البانورامية في تسريع عملية الشفاء تم تزويد جميع غرف البيمارستان المواجهة للجنوب بنوافذ تطل على مدينة دمشق وحدائق الصالحية في ذلك الوقت عندما كانت دمشق مساحات خضراء على مد النظر، ومن أهم أطباء القيمري إبراهيم بن إسماعيل بن القاسم بن هبة الله بن المقداد القيسي، أما أهم من تولوا النظر عليه فكان محمد بن قباد المعروف بالسكوني الدمشقي الحنفي مفتي الشام المتوفى سنة 1053.

بدأ بناء البيمارستان سنة 654ه كما ورد في النقش الموجود على جدرانه وتمت عمارته سنة 656ه، وقد تعرض للخراب والدمار بعد دخول التتار يوم السبت النصف من ربيع الآخر في سنة ،696 وتراجعت أحوال البيمارستان القيمري مع بداية العصر العثماني حتى قال ابن طولون وفي زماننا صار لا يفرق الدواء إلا في يوم الخميس.

واستمر استعمال البيمارستان القيمري كمستشفى حتى الوقت الحالي، غير أنه في وضع يرثى له بانتظار الاهتمام به وإعادة ترميمه وإحيائه كأهم معلم تاريخي وعلمي إسلامي وفتح المجال لزيارته من قبل السيّاح وعدم اقتصاره على المهتمين بالعمارة الإسلامية.

أنشأ البيمارستان الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن أبي الفوارس القيمري الكردي (المتوفى سنة 653ه 1255م) باني المدرسة القيمرية الصغرى، وهو أحد الأمراء الأيوبيين المشهورين وكان ذا ثروة ومال وهيبة واحترام أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، كما تشير الكتابة المسطرة فوق البيمارستان ويعد من أكبر أمراء القيامرة ومن أبطالهم المذكورين وصلحائهم المشهورين، توفي سنة 653 ودفن بسفح جبل قاسيون في قبته تجاه البيمارستان.

وقصة بناء البيمارستان القيمري تشبه قصة البيمارستان النوري، حيث تقول المصادر التاريخية إن الأمير سيف الدين كان قد قدم صداقا كبيرا لزوجته بنت الأمير عز الدين تجاوز مائتي ألف دينار وحمولة عشرين دابة من المتاع الثمين. ولما توفيت حمل صداقها إلى أبيها فرفض أخذه وقال: الأكراد ما جرت عادتهم أن يأخذوا صداقا ولا ميراثا فقال سيف الدين هذا شيء خرجت عنه وما يعود إلى ملكي فصرفه جميعه في بناء البيمارستان.

إسراف في الزخرفة

مدخل البيمارستان مبني بالكامل بطريقة الأبلق أي تناوب المداميك الملونة، وله قوس مزخرف، وحجارة الواجهة مربعة الشكل، بينما الحجارة المكونة للقوس منحنية الشكل، ويتوج البوابة مقرنص فخم وثلاثة أسطر من الزخارف النباتية بالخط الثلث تعطي معلومات عن البناء الذي يشتمل على ساحة مربعة تحيط به أربعة إيوانات، ويتوسط المدخل الواجهة الشمالية الشرقية وتعلوه عتبة نقشت عليها ثلاثة سطور بخط النسخ، وقد غطي سقف المدخل بنصف طاقية من المقرنصات الأيوبية وفيها كتابات بخط النسخ على أرضية بعض المقرنصات.

أما الزخارف النباتية المتشابكة بين الأحرف، فهي على درجة عالية من الإتقان وتتضمن أيضاً أزهار اللوتس وعناصر أخرى على الطريقة الصينية، وهذا النوع من التزيين يكشف بداية الانتقال من التقشف الأيوبي إلى الطراز المملوكي المسرف بالزخرفة.

أما الكتابة المكتوبة على الباب بخط النسخ المملوكي فيتضمن النص التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم أمر ببناء هذا البيمارستان المبارك العبد الفقير الراجي رحمة ربه الكريم الأمير الأجل الكبير الغازي المؤيد المظفر المنصور سيف الدين ملك الأمراء، نصرة الغزاة والمجاهدين عضد الملوك والسلاطين نصير أمير المؤمنين أبو الحسن بن الأمير أسد الدين يوسف ابن الأمير ضياء الدين أبي الفوارس القيمري.

لقد تأثر مخطط البيمارستان القيمري بمخطط بيمارستان نور الدين إلا أنه أوسع منه، فالمخطط مربع له أربعة إيوانات مركزية على كل منها مداخل إلى غرف أخرى، وقد نقشت صيغة الوقف على أسطر عريضة من خط النسخ الجميل على مدخل الباب الرئيسي وبابه مقرنص عليه كتابات جميلة بأوقافه، على جانبيه عمودان أحدهما محفوظ، إيوانه الجنوبي واسع، وهو الإيوان الاساسي فيه ثلاث نوافذ فوقها عقود على شكل صليبي، وفيه قلادتان فيهما زخارف نباتية، ويحيط الإيوان شريط من الآيات القرآنية المكتوبة بخط النسخ الأيوبي المذهب على أرضية زرقاء، وقد بقيت أغلب الزخارف الجصية بما فيها الرصائع حتى اليوم، فهي مغطاة بالزخارف المنقوشة على الجص الملون ويدور حول جدران الإيوان الثلاثة كتابات جميلة بخط النسخ تمتد على واجهاته الثلاث وتتألف من صيغة التوحيد مكررة ومكتوبة بحروف حمراء على صفحة خضراء.

من الداخل يتألف البيمارستان من صحن أوسط مكشوف تتوسطه بحرة يأتيها الماء من ناعورة على نهر يزيد وفي وسط كل ضلع من أضلاع الصحن الأربعة إيوان على جانبيه بابان يقودان إلى وحدات معمارية أخرى، إضافة إلى وحدتين معماريتين بكل من الركنين الطرفيين الشرقي والغربي للجانب الشمالي لالبيمارستان وفي الضلع الجنوبي يقع الإيوان الرئيسي وعلى جانبيه القاعتان المعظمتان ويتوسط الضلع الشمالي إيوان أصغر من الإيوان الجنوبي وفي صدره باب يتصل بالمدخل الرئيسي ل البيمارستان.

ويوجد في الركن الشمالي الشرقي للبيمارستان مطبخ كبير كان يعد فيه الطعام للمرضى وفيه قاعة للأمراض العقلية والنفسية.

وتتميز الواجهة الخارجية وهي الشمالية بمدخلها المقرنص ونصّ التأسيس المنقوش عليها، إضافة إلى وجود نص يشمل أوقات البيمارستان ويحدد النص الوجوه التي تصرف فيها أوقاف البيمارستان وهي وظيفة الطبيب المشرف على شؤون البيمارستان، والكحال من يقوم بخدمة النساء المرضى، والمعمار المشرف على عمارته وما يزيد يصرف على فكاك الأسرى.