الشارقة:أمل سرور

تراها في الموقد والتنور، السدر وسعف النخيل، القَفل والصُفة، الخابية والبرمة، الخرس والخرص، وتستمع إليها عند الندبة واللقية، والوهابية والرزفة، وتخشى من جبروت سيفها ونشابها، وقوة درعها وخنجرها.

إنها بيوت أصحاب البيئة الجبلية؛ رمز الكرم والحفاوة، الذين كانوا يعيشون في منازل تتناسب مع ظروف حياتهم، وسط الطبيعة وقسوتها. ويطلق على المنزل في الجبال اسم «بيت الصفة»، ويكون مبنياً من الحجارة التي لا تمتص الحرارة، ويؤسس على عمق نصف متر، وتُترك في جوانبه الأربعة عدة فتحات للتهوية، سقفه من شجر السدر أو سعف النخيل، وعادة ما يُغطى بشجر جبلي لا يمتص الحرارة يسمى «عسبق»، وفي الشتاء يتم بناء البيوت الخاصة التي تصلح لمواجهة برودة الجو ويطلق عليها «بيت القفل»، وتُعمل من حجارة سميكة، وتغطى من الداخل بطين «المدر» المتماسك عالي الجودة، وقد يصل ارتفاع جدار البيت إلى 6 أو 7 أمتار.
وقبل قيام الاتحاد؛ حيث كانت حياة أهل الجبل تتسم بالبساطة، اعتمد الأجداد بشكل أساسي على الزراعة إلى جانب بيوتهم، والتي لم تكن تتعدى النخيل والبر والذرة والبصل والطماطم والشعير وغيرها من الخضراوات، وكانوا يجمعون الحطب والعسل البري ويبيعونه للأهالي الذين كانوا يقومون برحلات التجارة إلى أسواق دبي والشارقة أو يتعاملون مع تجار على شواطئ رأس الخيمة ويقايضون بعض المحاصيل الزراعية والتمور والحطب ببعض الاحتياجات الأساسية للأهالي؛ ولأن المناطق الجبلية كانت قريبة من رأس الخيمة فكانت هي الملاذ للقدامى الذين كانوا يذهبون إليها تحديداً ليعرفون منها مواعيد رمضان والأعياد، هذا بالطبع غير صلاة الجمعة من كل أسبوع، وكانوا يسيرون على الأقدام؛ حيث يستغرق الطريق نحو ساعتين ذهاباً وإياباً.
وتتعدد أواني بيئة الإمارات الجبلية التي كان يستخدمها القدامى، ومن أهمها «الخرس» وهو إناء كبير لتخزين التمور، ويستخدم أيضاً لتبريد الماء في فصل الصيف؛ حيث كانوا يقومون بتغطيته بقطعة خشبية؛ للمحافظة على الماء، أما المدخن فهو إناء صغير يوضع به العود والبخور، «والمصب» لعمل القهوة العربية، بينما «التنور» فهو الذي كان ولا يزال يضع فيه الناس الأكلات الشعبية مثل: الهريس،«البرمة» لطهي الطعام، هذا إضافة إلي الزهريات وأصص الزراعة والمجامر.


مرافق البيت


تُعد صناعة الطين أو ما يعرف بصناعة الفخار من أقدم الصناعات الإماراتية التي اعتمد عليها أهل معظم البيوت الجبلية، وهي تلك التي ظهرت قبل صناعة المعدن أو النحاس وصانع الفخار والجرار لا بدّ أن يخرج للبحث عن الطين المناسب، وهو بحكم خبرته أصبح يعرف أماكنها بسهولة، ويبدأ بجمع الطين، ويكون عادة على شكل قطع من الصخور في بطون بعض المنحدرات، وعلى القمم الجبلية، ثمّ يحمل الطين وينقي منه الحصى؛ ليستخدمه في تلك الصناعة التي لا يزال الأحفاد يعتزون بها إلى الآن.
والحديث عن مرافق البيت الجبلي يطول، ولكن يأتي الموقد في المقدمة وهو عبارة عن ثنية في الأرض، مصنوعة من الحجر، تغطى بالطين أو الجص، ارتفاعها أقل من نصف متر، يُصنع فيها الخبز، والتنور وهو حفرة في الأرض، دائرية الشكل، يصل عمقها إلى نصف متر، تُبنى من الحصى، ويصنع فيها الخبز والهريس واللحم المشوي، والرحى وهي أداة لطحن الحبوب تصنع من حجر قوي مثل الصوان والبازلت، وتكون على شكل طبقتين متوازيتين، ولها ثقب في الوسط لوضع الحبوب بداخلها، وعند تحريك الحجر العلوي ودورانه تخرج الحبوب من الجوانب وهي مطحونة وناعمة، و(الخابية) وهي عبارة عن وعاء فخاري يخصص لتخزين عسل التمر (الدبس)، و(البرمة) وهو القدر الذي يستخدم في الطهي، ويُصنع من الفخار المحروق.
ولا يمكن أن نتحدث عن بيوت أهل الجبال ولا نذكر أهازيجهم التي تُعد من أهم فنون الملاحم التاريخية التي لا تزال محفوظة في الذاكرة، ولهذا الفن عند أهل الجبال أنواع أهمها فن (الندبة) والذي يعني طلب الانتماء أو طلب العون من القبائل المجاورة، وفن (الرواح) ألا وهو الترويح عن النفس عند الانتهاء من بعض المهن الشاقة مثل حصاد القمح وغيرها من المهن المشتبكة مع نسيج الحياة الاجتماعية لسكان وأهالي المناطق الجبلية في الإمارات، وفن (اللقية) الذي تمارسه القبائل عند استقبالها للزائرين، وفيها يتم إطلاق الأعيرة النارية في الهواء، تعبيراً عن الفرح، و(الوهابية) وهو عبارة عن غناء ورقص يستعرض معاني الشجاعة والرجولة. ويستخدم فيه الطبول التي كانت تصنع قديماً من جذوع النخل.