القاهرة - "الخليج":
دعا علماء أزهريون جماهير المسلمين في كل مكان إلى الأخذ بفقه الأولويات وتوجيه نفقات حجهم التطوعي إلى مساعدة الفقراء وأصحاب الحاجات الذين ينتشرون في أرجاء عالمنا الإسلامي كافة وتتضاعف معاناتهم المعيشية والصحية بسبب نقص الغذاء والدواء وعدم وجود المأوى الكريم لهم .
وقال علماء الأزهر: الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويجب في العمر مرة واحدة على كل مسلم ومسلمة عندما تتوافر الاستطاعة لقوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، والحج فرض عين، وإذا ما أداه المسلم سقطت عنه الفريضة ولم يعد مطالباً بتكرارها، ولذلك من الأفضل إعطاء الفرصة لمن لم يؤد الفريضة، وتقديم نفقات حج التطوع للفقراء وأصحاب الحاجات الذين يتكاثرون في بلادنا العربية والإسلامية، حيث يعيش ملايين المسلمين تحت خط الفقر .
رحب العلماء بدعوة وزير الأوقاف المصري د . محمد مختار جمعة إلى ترشيد الحج والعمرة، بحيث يكون الحج مرة واحدة لترك الفرصة للراغبين في أداء الفريضة لأول مرة ومنع الزحام الشديد في الأماكن المقدسة، وأداء العمرة مرة كل خمس سنوات بدلاً من تكرارها كل عام كما يفعل ملايين المسلمين ودعم الفقراء بما ينفق على هذه الرحلات السنوية .
طرحنا قضية ترشيد الحج والعمرة على عدد من علماء الأزهر، وهذه خلاصة آرائهم:
في البداية يوضح الفقيه الأزهري د . حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن دعوة ترشيد الحج والعمرة ليست صداً للمسلمين عن السفر إلى بيت الله الحرام ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما أنها ليست تجفيفاً للمنابع الروحية للمسلم، فكل المسلمين يزدادون شوقاً إلى بيت الله الحرام وإلى مسجد المصطفى وإلى المشاعر المقدسة، وليس من الحكمة فرض حظر على المسلمين القادرين .

أمة الجسد الواحد

لكن أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر يؤكد أن شريعتنا الإسلامية توجهنا إلى ما يعرف ب"فقه الأولويات" أي إغاثة المحتاجين أولاً فالحج فريضة، وركن من أركان الإسلام وهو مطلوب من المسلم الذي تتوافر له الاستطاعة على الفور وليس على التراخي، ولذلك فإن الانشغال عن فريضة الحج - كما يؤكد العلماء - انشغال عن عبادة واجبة وتأخيرها يعرض الإنسان لضياع فرصة لا يدري هل ستتاح له مرة أخرى أم لا، فالأعمار بيد الخالق القادر وحده، وهو العليم الخبير، وعلى كل إنسان أن يلبي نداء خالقه ويبادر بأداء الفريضة متى توافرت له الاستطاعة المادية والبدنية .
ويضيف: النصوص القرآنية ترشدنا إلى ضرورة أداء الفريضة فور الاستطاعة وتوضح لنا أجرها وثوابها، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغبنا في أداء هذه الفريضة بكل وسائل الترغيب، فقد سئل صلوات الله وسلامه عليه: "أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور"، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وهو القائل: "حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن"، وهو المرغب في أداء هذه الفريضة والموجه إلى سرعة أدائها، فقال: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم"، وقال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" .
كل هذه التوجيهات النبوية الكريمة ينبغي أن تدفع كل إنسان موحد بالله إلى أن يبادر بأداء هذه الفريضة لكي يجني ثمارها ويستفيد من خيراتها وهي كثيرة والحمد لله .
لكن إذا كان المسلم قد أدى الفريضة وسقطت عنه فكل رحلة حج يقوم بها بعد ذلك فهي من باب حج التطوع، الذي إذا أداه بإخلاص وحرص على الآداب والأخلاقيات جنى أجر عبادة تطوعية وإذا لم يسافر لأداء حج التطوع هذا فلا إثم عليه ولا يؤاخذ على ذلك، ولو كان يمتلك الملايين ولديه الاستطاعة البدنية، ولو اشتاق إلى الرحلة الروحية الرائعة وتبرع بنفقاتها للفقراء والمحتاجين كافأه الله على ذلك ونال أجراً قد يضاعف أجر الحج التطوعي، فليس هناك أفضل من سد حاجة فقير أو الإنفاق على علاج مريض، أو تسديد دين غارم فقير، والإسلام يدعم كل مبادرات العطاء الإنساني، والمسلمون كما وصفهم الرسول الكريم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى .

ميزان مختل

ويضم العالم الأزهري، د . محمد عبد الستار الجبالي، أستاذ ورئيس قسم الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، صوته إلى صوت د . أبو طالب، ويؤكد ضرورة العمل في مسألة تكرار الحج والعمرة بفقه الأولويات، ويقول: ظروف مجتمعاتنا العربية والإسلامية وما فيها من فقراء وأصحاب حاجات تزداد أعدادهم سنوياً، وتعجز الحكومات عن الوفاء بحاجاتهم الضرورية، هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الفقراء تفرض علينا أن نعمل بفقه الأولويات ويقصد به وضع كل شيء في مكانه بالعدل من الأحكام، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي ونور العقل، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المفضول على الفاضل، بل يقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، بوضع كل شيء مكانه، وهذا المبدأ رسخه القرآن الكريم في قول الله تعالى: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاج وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمن بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ"، فالآية الكريمة تفيد بأن هناك تفاوتًا واضحًا معترفًا به بين أفعال الطاعات .
كما أن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا حريصين كل الحرص على أن يُرتّبوا الأولى من الأعمال يتقربون بها إلى الله عز وجل، ولهذا كثرت أسئلتهم عن أحب الأعمال وأفضلها .
ويرى د . الجبالي أن ميزان الأولويات في حياة المسلمين مختل كل الاختلال، فنحن ننفق على الترفيه أضعاف ما ننفقه على الأعمال الخيرية، كما أن بعض القادرين يوجهون أموالهم لبناء المساجد في أماكن مكتظة بالمساجد ويتركون أبناء فقراء المسلمين بلا مأوى أو بلا دراسة أو معهد ديني يتعلمون فيه . . وفي مسألة الحج والعمرة يسافر سنوياً ملايين المسلمين القادرين لتكرار الحج والعمرة وينفقون مئات الملايين على رحلاتهم هذه ويهملون الفقراء الذين لا يجدون الطعام والشراب والدواء والمأوى، وقد تنبأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بما سيحدث في زماننا عندما قال: "في آخر الزمان يكثر الحج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، وربما يرجعون محرومين مسلوبين، وجار لهم مأسور يحتاج المواساة" .

كفى سفهاً

أستاذ الشريعة الإسلامية، د .عبد الله النجار، عميد كلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية، يؤكد أن فريضة الحج التي فرضها الله سبحانه وتعالى على القادر مرة واحدة في العمر تحولت الآن إلى فريضة سنوية لبعض القادرين كوسيلةٍ للوجاهة والتميز الاجتماعي، وتحولت لدى البعض الآخر إلى رحلة سنوياً كالذهاب إلى المصايف مثلاً، بدلاً من إنفاق هذه الأموال على الفقراء الأمر الذي يؤدي إلى تحرير إرادتهم واختيارهم من أصحاب الهوى الدنيوي الذين يتسترون بالمساعدات الإنسانية ورفع شعارات دينية .
ويرى عضو مجمع البحوث الإسلامية أن إنفاق الأموال التي تستهلك في تكرار الحج والعمرة كل عام لدعم الفقراء يدرأ فساداً كبيراً عن البلاد والعباد، ويجب أن يكون عند المسلمين وعي في ترتيب أولويات إنفاقهم، لأن الأمم التي سبقتنا وحلت مشكلات فقرائها قامت بمراعاة تلك الأولويات، حيث وجهوا الأموال نحو مصارفها الصحيحة واكتفاء الناس في الدنيا أحب إلى الله من وفود بعض القادرين إلى حرمه الشريف، بينما إخوانهم في البلاد التي أتوا منها يتضورون جوعاً، وكفى سفهاً في إنفاق المال .

ضرورة شرعية

ويطالب أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، د . محمد الدسوقي، بنشر الوعي الديني بأمور العبادات بين المسلمين، خاصة في مسألة تكرار الحج والعمرة، لأن كثيراً من الذين يذهبون في رحلات مكوكية كل عام لتأدية فريضة الحج ويتحايلون على القواعد التي حددتها المملكة العربية السعودية لضبط السفر للحج بحيث يكون مرة كل خمس سنوات . . هؤلاء يجهلون بالتأكيد أن الله عز وجل فرض الحج على الإنسان القادر الذي يستطيع أداء هذه الفريضة مرة واحدة في العمر، وأن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حج مرة واحدة .
ويضيف: إذا كان البعض يردد أنه يسافر لأداء عبادة وليس في رحلة ترفيهية ففي ظل الظروف التي تمر بها كثير من البلاد العربية، ووجود الكثير من الأسر التي تعاني قسوة الحياة نتيجة الأحداث الأخيرة فإن التبرع بأموال الحج والعمرة للفقراء مباشرة أو من خلال إنشاء صندوق خاص بهذه الأموال للإسهام في حل مشكلة الفقر يعد ضرورة شرعية وواجباً دينياً وأخلاقياً، فعلى كل إنسان أدى فريضة الحج ولديه الاستطاعة المادية ويريد أن يؤدي الحج أو العمرة مرة أخرى أن يتبرع بهذا المال للفقراء أو لخزينة الدولة وله أجره عند الله عز وجل وعليه أن يعلم ويثق بأن الله سبحانه وتعالى جعل لذلك أجراً كبيراً .

تدخل الدولة

عالم الشريعة الإسلامية، د . محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، يؤكد ضرورة ترشيد رحلات تكرار الحج والعمرة، ويؤكد أن من حق ولي الأمر أن يقيد المباح في حالة الضرورة خاصة إذا ما أصر البعض على عدم الاستماع للنصائح والتوجيهات التي يوجهها العلماء في هذا الأمر .
ويضيف: نحن نثق بوعي الناس وضميرهم الديني والإنساني، فقد تضاعفت أعداد الفقراء وأصحاب الحاجات في كل بلادنا العربية والإسلامية من دون استثناء، وفي الوقت نفسه ينفق القادرون من المسلمين مئات الملايين وربما المليارات سنوياً على عبادات تطوعية تسيطر على بعضها الوجاهة الاجتماعية، وهذا أمر من الناحية الشرعية غير مقبول ويحتاج إلى تصحيح وتقويم وواجب علماء ودعاة الإسلام في كل المواقع تصحيح هذا الأمر ومواجهة هذا الخلل .
وينتهي د . الجندي إلى ضرورة تقنين أداء فريضة الحج من خلال تحديد عدد مراتها إذا لم يستجب الناس لنصائح العلماء وتوجيهاتهم خاصة في البلاد العربية والإسلامية التي تعاني مشكلات اقتصادية ويتزايد فيها عدد الفقراء .
ويقول: تدخل الدولة بترشيد حج التطوع لمدة زمنية معينة أمر يتفق مع صحيح الدين لأنه يستهدف تحقيق مصالح العباد والمصلحة العامة للناس تتمثل في قضاء احتياجاتهم الضرورية وهذه مقدمة على المصلحة الخاصة ولو كانت تتمثل في عبادة تطوعية .