لذلك وجب على كل مسلم أن يعرف لماذا كان التحليل؟ ولماذا كان التحريم؟ وما هي فلسفة أو حكمة الحلال والحرام في الإسلام؟
حاولنا من خلال عدد من علماء الشريعة الإسلامية الإجابة عن هذه التساؤلات.. وهذه خلاصة ما قالوه عن الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية:
في البداية يؤكد الفقيه د. محمد كمال إمام - أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية - أن من جوانب تميز الشريعة الإسلامية أن أحكامها معللة ومبررة، وهي تستهدف مصلحة الإنسان، وبناء على ذلك لا تحليل لشيء فيه ضرر بالإنسان، ولا تحريم لأمر فيه منفعة أو مصلحة حقيقية له.
لا تحريم إلا بنص
ومن هنا يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية أن فلسفة التحليل والتحريم في شريعة الإسلام تستند إلى مبادئ وأسس توضح لماذا انتهى الحكم في أمر من الأمور إلى الحلال أو إلى الحرام.
وأول المبادئ التي تستند إليها فلسفة التحليل والتحريم في شريعة الإسلام هو أن «الأصل في الأشياء الإباحة»، فلا تحريم لشيء في شريعتنا إلا ما ورد نص صريح في القرآن أو السنة بتحريمه.. والدارس للشريعة الإسلامية يعلم أن دائرة التحريم ضيقة للغاية، ودائرة التحليل متسعة ورحبة، فالنصوص الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جداً، ولذلك اتفق فقهاء الإسلام - قديماً وحديثاً - على أن كل ما لم يأت نص بحله أو حرمته، هو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.
وسلطة التحليل والتحريم - كما يقول د. إمام - في يد الخالق سبحانه، فهو العالم باحتياجات عباده، والبصير الخبير بما يصلحهم وما يفسدهم، ومن هنا لا سلطة لبشر في تحليل أمر، أو تحريم آخر، وانتزاع سلطة التحليل والتحريم من أيدي البشر، وحصرها في يد الخالق - عز وجل - حمى الناس جميعاً من الأهواء الشخصية، فلا سلطان لبشر على بشر، ولا يستطيع أحد مهما كان علمه أو سلطته أو مكانته أن يفرض على إنسان مثله أن يفعل شيئاً ولا يفعل آخر.. فالكل أمام تشريعات الإسلام سواء. وما دامت أحكام شريعتنا الإسلامية عادلة ومنصفة وموضوعية، ومساحة الأحكام المتغيرة والمتجددة فيها تفوق كثيراً مساحة الأحكام الثابتة، فسوف تشيع بين الناس ثقافة التحليل وتنحصر ثقافة التحريم.
دور العلماء والفقهاء
وبذلك يكون دور العالم أو الفقيه الذي يفتي ويقول (هذا حلال وهذا حرام) أن ينقل الأحكام الشرعية، أو يستنبطها من الأدلة والبراهين المعتبرة.. وهذا ما وعاه وأدركه جيداً كل فقهاء الإسلام، حيث أرجعوا حق التحليل والتحريم إلى صاحب هذا الحق وهو الله ورسوله، وأوضحوا للناس أنه ليس من مهمتهم التشريع الديني للناس، وتقرير ما يجوز وما لا يجوز، وإنما مهمتهم الأساسية توضيح الأحكام الشرعية المقررة بنصوص قرآنية أو نبوية، والاجتهاد في استنباط الأحكام فيما لم يأت فيه نص صريح، وكانوا مع علمهم وفقههم وورعهم وتقواهم يهربون من تحمل مسؤولية الإفتاء، ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا في أخطاء، ويقولوا بتحليل حرام أو تحريم حلال.
ويقول د. حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر: الشريعة الإسلامية جرّمت سلوك كل من يحلل أو يحرم من دون دليل واضح صريح من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد توعد الله- عز وجل - المحرمين بعقاب أشد وأعنف، لما في ذلك من تضييق على الناس، وتعسير عليهم، ودعا رسول الله بالهلاك على المتنطعين في الدين، هؤلاء الذين يحرمون ما أحله الله فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون»، كما استنكر سبحانه سلوك هؤلاء الذين يحرمون ما أحله للناس، فقال عز وجل: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق»، وجعل - عز وجل - تحريم الحلال قرين الشرك به، فقال في سورة الأعراف: «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون».
يسروا.. ولا تعسروا
والشريعة الإسلامية - كما يقول د. أبو طالب - تميل دائماً نحو التيسير على الناس، والتخفيف عنهم وترفض سلوك هؤلاء المتشددين والمتزمتين الذين يحرمون الطيبات ويصعبون الحياة على الناس، ولذلك جاء العديد من الآيات القرآنية تطالب كل من يفتي الناس، ويوضح لهم أحكام الشريعة الإسلامية أن يقف عند حدود الله، وأن يلتزم بما أحله وحرمه.. وهنا يقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون».
ويوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أن التحريم - الذي هو حق لله وحده - لا يعني أبداً حرمان الناس من أمور وأشياء ومظاهر حياة هم في حاجة إليها.. بل التحريم يستهدف مصلحة الإنسان أولاً وأخيراً.. فكل ما فيه مصلحة معتبرة للإنسان اتجهت إليه الشريعة الإسلامية، وكل ما يلحق ضرراً بالإنسان ابتعدت عنه وحذرت منه.
ويقول د. أبو طالب: من حق الخالق الذي أنعم على عباده بنعم لا تحصى أن يحل لهم، وأن يحرم عليهم ما يشاء، فهو سبحانه العليم بهم، الخبير بما يصلحهم وما يفسدهم، ومن واجب كل مسلم أن يقول: «سمعنا وأطعنا».
ويضيف: لو دققنا النظر في كل أحكام التحريم لوجدناها تستهدف مصلحة الإنسان، فالله- سبحانه وتعالى - لا يحل لنا إلا الطيبات، ولا يحرم علينا إلا الخبائث، فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكثر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال.. وهذا ما صرح به القرآن الكريم في تحريم الخمر عندما قال: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما».
اسألوا أهل الذكر
ويعود د. إمام ليحث جموع المسلمين على الالتزام بالأحكام الشرعية التي تصدر عن علماء ثقات من دون مناقشة للأسباب والدوافع التي تقف وراء هذه الأحكام، فليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالأضرار التي حرم الله من أجلها الأشياء، أو أن هذه الأضرار والمفاسد لم يكشف عنها العلم الحديث، فالإنسان لا يعرف بعلمه المحدود من أسرار الأشياء والأمور المحرمة شيئاً، وهناك أمور حرمتها شريعة الإسلام منذ نزول القرآن ولم تكتشف أسرارها إلا مؤخراً.. فمثلاً حرم الله - سبحانه - لحم الخنزير، ولم يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنه مستقذر.. ثم تقدم الزمن فكشف العلم عما في لحوم الخنزير من ديدان وجراثيم قاتلة.. وأخيراً وباء إنفلونزا الخنازير التي تجتاح العالم حالياً.
وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من فضلات الإنسان التي يلقي بها في الطريق أو في الماء عندما قال: «اتقوا الملاعن الثلاث» ويقصد بها «البراز» في الموارد المائية، وعلى قارعة الطريق، والظل، ولم يعرف أحد في القرون الأولى مدى الخطورة التي يمثلها هذا الأمر على الصحة العامة، واكتفوا بتجنب هذه الأمور لمجرد أنها مستقذرة.. ثم كشف العلم الحديث عن مخاطر تسرب هذه الفضلات إلى جسد الإنسان عن طريق طعام أو شراب أو هواء أو غير ذلك.
تشريعات معجزة
إن العلم الحديث يكشف لنا كل يوم جوانب من مزايا وعظمة تشريعات الإسلام وحكمة هذه التشريعات وسموها وإعجازها، ويؤكد أنها تشريعات مثالية تستهدف أولاً وأخيراً مصلحة الإنسان، فالحلال يستهدف مصلحة الإنسان، والحرام أيضاً يستهدف ذلك.. وليس في قائمة المحرمات التي جاءت بها شريعة الإسلام أي تضييق على الإنسان كما يزعم الجهلاء من أعداء الشريعة في الشرق والغرب، بل في هذه المحرمات إنقاذ للإنسان من مخاطرها وأضرارها.
فقد حرم الإسلام التعامل بالربا لما يقوم عليه من الظلم للإنسان واستغلال لحاجة الفقير، ولما يترتب عليه من ثراء للمرابين من دون جهد.. وقد شرع سبحانه بديلاً لهذا التعامل المحرم العديد من المعاملات الحلال التي تغني الإنسان عن الربا المحرم.
كما حرم الإسلام الزنى، لما فيه من عدوان صارخ على الأعراض، واختلاط للأنساب، وانتهاك للحرمات، وإثارة لغرائز الإنسان.. ووفر للإنسان بديل ذلك زوجة واثنتين وثلاثا وأربعا يعاشرهن بالحلال ما دام قادراً على الوفاء بحقوقهن.
وحرمت الشريعة الإسلامية شرب المسكرات لما فيها من أضرار بالغة بعقل الإنسان وصحته وماله، كما حمت المجتمع كله من مخاطر المسكرات، وفواحش السكارى، وأباحت للمسلم كل المشروبات اللذيذة والمفيدة التي تحقق لجسده القوة والحماية من الأمراض.. وحرم الإسلام كذلك المخدرات بكل أشكالها وألوانها لأنها تحمل تدميراً لصحة الإنسان، وإهداراً لماله فيما لا يفيد وتعرض أمن المجتمع كله للخطر. وبذلك أغلقت الشريعة الإسلامية بتشريعاتها المثالية كل الطرق المؤدية إلى فعل المحرمات، حماية للمسلم ولكل المحيطين به في المجتمع.. فكل ما يؤدي إلى الحرام هو محرم في نظر الإسلام.
وإذا كان واجب المسلم الحرص على الحلال وتجنب كل ما هو حرام فهناك منطقة بين الحلال والحرام هي منطقة «الشبهات» التي يلتبس فيها أمر الحل بالحرمة على بعض الناس، وهنا يجب على المسلم الحريص على دينه أن يبتعد عن الشبهات حتى لا يقع في الحرام، وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يدركها كثير من الناس فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يواقع الحرام».