قد يجد الإنسان أحياناً في يده مالاً ليس بحلال أو فيه شبهة، بأن يكون قد مارس الربا، أو غصب مالاً، أو أخذ رشوة من الناس، إلى غير ذلك من طرق المال الحرام، ويريد هذا الإنسان أن يتوب إلى الله ويرجع عما كان يفعل، فماذا يفعل؟
إنها قضية خطيرة، وأمر يقع فيه الكثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فقد يقضي الموظف عمراً طويلاً يقبض الرشا، ويكوّن من ذلك المال الكثير . وربما يمتلك منه الأرصدة المليونية، ويبني منه العمارات الشاهقة . وقد يكون لشخص ما مال حلال فيستخدمه بطريق الربا، أو يتاجر به، ويطفف الكيل ويخسر الميزان، ويغش في بضاعته، وربما يوجد شخص ذو سلطان، يختلس المال العام، أو يسطو على أملاك الدولة ويدخلها في ملكه، أو تعطى له مجاناً من ذي سلطان لا يملك، فيكون من لا يملك قد أعطى من لا يستحق، إلى غير ذلك من الأساليب التي كثرت وشاعت في أيامنا هذه، وتتحدث عنها الصحف فيما يعرف باسم الفساد . هذه الأموال طالما أن المستولي عليها سادر في غيه، فليس فيها كلام لنا، فهو شخص يمتلك الحرام وينفق من حرام، وربما تتمدد ثروته وتتضاعف حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه إذا غضب الله على عبد رزقه من حرام، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه . ويقول صلوات الله وسلامه عليه: (من اكتسب مالاً من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه، وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار) . إذاً لا مشكلة لدى السادر في غيه، المستحل لما حرم الله تعالى . بيد أن المشكلة تتعلق بالشخص الذي وقع في ذلك ويريد أن يطهر نفسه، وينقذها من النار، فماذا عليه أن يفعل؟
من تاب وفي يده ما هو حرام معلوم العين من غصب أو غيره فأمره سهل، فعليه أن يعيد هذا المال إلى صاحبه إن كان معروفاً، فإن كان صاحب المال المغصوب مثلاً قد مات، فعليه أن يعيده إلى ورثته إن كانوا معروفين حاضرين . فإن كانوا غائبين انْتظرهم وأرسل إليهم وأعاد إليهم حقوق مورثهم . أما إن كان المال الحرام غير متميز بل مخالط لبقية ماله، كمن له تجارة ويغش فيها مثلاً فعليه أن يجتهد لمعرفة قدر الحرام فيها، فإذا استطاع تحديد الحرام بنصف أو ربع مثلاً فعليه فصل هذا القدر وعزله تمهيداً للتخلص منه . وإن لم يستطع تحديد هذه النسبة فعليه أن يأخذ بغلبة الظن، وقد ضرب الفقهاء مثالاً يوضح كيفية الأخذ بغلبة الظن هنا، فقالوا إذا تيقن أن النصف حلال والثلث حرام والسدس مشكوك فيه، فيحكم بغلبة الظن، فالحلال حلال، والحرام حرام، والسدس المشكوك فيه يتحرى فيه، إن غلب على ظنه أنه حرام أخرجه، وإن غلب على ظنه أنه حلال أمسكه، والورع إخراجه عن ملكه لأنه مشكوك فيه، ولكن يجوز إمساكه لأنه غير متيقن الحرمة .
* فإذا عزل القدر الحرام من المال الذي في يده، فماذا يفعل به، أو كيف يتصرف فيه؟
إن في التصرف في هذا المال تفصيلاً، إذا كان له مالك معين كما قلنا فيجب الصرف إليه أو إلى ورثته إن كان قد مات، وإن كان غائباً ينتظر حضوره، ويضيف إلى المال ما يتولد منه، حتى وقت حضور مالكه .
وإن كان المالك غير معين ويئس من معرفة من هو، ولم يدر إن كان له ورثة أم لا، فهنا لا نستطيع الرد إلى المالك لأنه غير معروف أو لأنه غير معين، كمن استولى على أموال الخزانة العامة مثلاً فهي حق لجميع المواطنين، من مات منهم ومن لم يمت، وحتى لو كانوا هنا معروفين فكيف يفرق ألف جنيه مثلاً على مائة مليون مواطن؟ والحل في هذه الحالة أن يتصدق بهذا المال أو ينفقه في مصالح المسلمين، مثل بناء الجسور والكباري ورصف الشوارع وبناء المدارس، وكل ما ينتفع به عامة الناس، باستثناء بناء المساجد وطباعة المصحف الشريف .
ثواب الصدقة
* والسؤال الذي يثار هنا هو: هل لهذه الصدقة بهذا المال ثواب؟
ليس له ثواب الصدقة، وإنما له ثواب التخلص من المال الحرام، والثواب سيكون لصاحب المال، لأننا وإن كنا لا نعرفه فإن الله سبحانه وتعالى يعرفه، وسيكتب له ثواب الصدقة، حتى وإن كان لا يعلم بأن غيره قد تصدق بماله، فوصول الثواب إلى الشخص بغير علمه غير منكور في الشرع فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له صدقة . فثواب التصدق بهذا المال سيصل مالكه، ودعاء المستفيدين بهذا المال سيصل إليه أيضاً .
احذر الرشوة
* هناك مسألة في هذا الخصوص كثيراً ما يُسأل عنها، وهي ما حكم من ورث مالاً لا يدري أمن حلال هو أم من حرام؟
إذا كان الوارث لا يدري من أين اكتسب مورثه المال، أمن حلال أم من حرام، ولم يكن هناك علامة على ذلك، فالمال حلال باتفاق العلماء، وإن علم أن فيه حراماً، وشك في قدره أخرج مقدار ذلك بالتحري كما قلنا وقال بعض العلماء لا يلزمه إخراج شيء والإثم على المورث، والصواب الأول . فإذا تيقن أن بمال المورث ظلماً يجب التحرز منه، لكنه إن لم يتيقن ذلك فربما طاب له لأنه لا يدري أن فيه حراماً يقيناً .
وفي هذا المقام ينبغي أن نقول للناس، حذار من المال الحرام، حذار من الرشوة، حذار من أكل أموال الناس بالباطل، فكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به، كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَل يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والغلول هو الأخذ من المال العام، بغير حق، إذ للمال العام حرمة أشد من حرمة المال الخاص، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: (من لم يبال من أين اكتسب المال، لم يبال الله من أين أدخله النار) . إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .
نسأل الله تعالى أن يباعد بيننا وبين الكسب الحرام وأن يجعل رزقنا حلالاً طيباً .
* مدير مركز الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر