الناجحون في حياتهم لا يترددون، ونشيطون في مواجهة المواقف التي تعيقهم، في حين أن المترددين دائماً يشعرون بالفشل ويعضون أناملهم، لأنهم ضيعوا على أنفسهم فرصاً كان من الممكن أن تغير حياتهم للأفضل .
كثيرون اتفقوا على أن التردد دمرهم، وأن ذلك يرجع بالأساس إلى أسرهم التي انتزعت منهم كل شيء، حتى مجرد التفكير كانت تقوم به نيابة عنهم .
يقول حمد عبدالله 27سنة موظف بإحدى الجهات العلمية، إن التردد مرتبط لديه بالخوف من الفشل، لأن العديد ممن عاش معهم لم يحققوا أي نجاح . ويشير إلى وجود أصدقاء له تزوجوا، وفشلوا، وبعضهم مازال يجأر بالشكوى من زوجته، ما يدفعه إلى التردد في قرار الزواج الذي ما أن يقترب منه حتى يقرر الهروب من جديد .
وأضاف أنه في حيرة شديدة من أمره، وأحياناً يقول لمن حوله إنه سوف يتزوج قريباً، ويبحث عن العروس، وبعد فترة ينسى الأمر، وعندما يُسأل عن الزواج، يجيب أنه أرجأه من دون إبداء أي أسباب .
ويختلف عنه عبدالله حسن الذي يعمل في ا لإنتاج الفني، لأنه لا يقوى على الاختيار، ودائماً متردد في أدق أموره الحياتية، ويرجع كل شيء إلى والدته التي قامت بدور الأب أيضاً بعد وفاته، وكانت دائماً تقسو عليه وإخوته خوفاً من أن يفشلوا، بعد أن كانت ترى كل الشباب في العائلة فاشلين، ويلفت إلى أنه درس في الجامعة علم الاجتماع، لكنه يزداد ضعفاِ في كل شيء، ويعتمد بصورة كلية على والدته التي مازالت تختار له ملابسه وتتذوق له طعامه قبل أن يتناوله . ويسأل حسن نفسه دوماً إن كان بعد زواجه سيبقى على هذه الحال، وهل تنتقل كل صلاحيات والدته إلى زوجته، كي تفكر له وتأخذ القرارات نيابة عنه؟ وهل هو الذي سوف يختار شريكة حياته، أم أن والدته هي التي سوف تختارها له؟ ويشير إلى أنه تحول إلى شخص اتكالي في كل شيء فلا يمكنه أن يأكل أو يشرب من دون والدته، حتى وهو في العمل أحياناً لا يقرب الطعام طيلة اليوم ولا يشعر بنفسه وبكيانه إلا فور عودته لوالدته التي يشعر معها بالحياة وجمالها .
ويعتبر عمرو علاء التردد نقصاً في شخصية الإنسان لأنه يجعل صاحبه في حيرة شديدة، وهو ما حدث معه من قبل، خصوصاً وقت أن كان طالباً في المرحلة الثانوية، لذلك قرر الاعتماد على نفسه وعدم الوقوع مرة أخرى في حيرة، ويؤكد أن والده الآن أصبح معجباً به وبطريقة تفكيره واعتماده في قراراته على نفسه من دون اللجوء إليه، لكنه لا يعرف إن كان قادراً على اختيار شريكة حياته من دون تردد .
ويتدخل في الحوار شقيقه خالد، مؤكداً أن اختيار شريكة الحياة قرار صعب محاط بالحيرة والتردد، لذلك يعتمد في اختيارها على أسرته، ويوافق على ما سوف تختارها أمه التي يؤمن بأن قراراتها صحيحة، موضحاً أنه بذلك ليس مصاباً بمرض التردد، وإنما هو مؤمن فقط باختيار الأسرة التي لا تريد سوى الخير لأولادها .
قرار مصيري
حينما يكون القرار مصيرياً يصاب البعض بالتردد، ويصبح عاجزاً عن فعل أي شيء، ويشعر بأنه في مفترق طرق .
وهو ما حدث مع هاني حسين المتزوج حديثاً، ويؤكد أنه تردد كثيراً في قرار الزواج لإيمانه بأن الإنسانة التي سوف يتزوجها هي الحياة، وسوف تبقى معه حتى الموت، ما دفعه إلى البحث عن فتاة تشاركه طموحاته، لكنه سرعان ما تراجع وطلب من أسرته البحث عن أخرى هي زوجته .
الخوف الدائم من الفشل هو سبب تردد إيمان حسن، المعلمة في منطقة أم القيوين التعليمية . وتشير، إلى أن كلمات والديها لها وهي صغيرة، مازالت تتردد على مسامعها حتى الآن، ما دفعها إلى التردد كثيراً لأنها تسمع في كل وقت فاشلة . . فاشلة، ورفضت الزواج حتى دخلت مرحلة العنوسة .
وتقول صديقتها علياء عبدالله معلمة، إنها مصابة هي الأخرى بالتردد وتعتبره مرضاً خطراً، لأنها كلما فكرت في الطلاق وأقدمت عليه تراجعت فوراً، لأنها خائفة من أن ظلم المجتمع للمطلقة، فبسببه قد تهرب منها صديقاتها، وتلفت إلى أن زوجها يضربها منذ أول ساعة زواج بصورة فجة وشبه يومية، وتشعر بأنها بلا كرامة أمام أولادها الذين يتألمون من أجلها، ما دفع ابنتها الكبرى إلى التصريح بقرار عدم الزواج، خوفاً من أن تتزوج رجلاً يشبه والدها الذي تكرهه .
ويشير طارق محمد عبدالعال، مترجم بشركة للعلاقات العامة، إلى أن التردد أدى إلى عدم التحاقه بكلية الإعلام فاختار دراسة التربية، تحت وهم الوظيفة السريعة، لكنه اكتشف في النهاية أنه ضيع نفسه، بضياع فرصة كان من الممكن أن تحقق له النجاح الذي مازال يبحث عنه .
ويوضح أنه يتألم، لأن أسرته اختارت له حياته كما اختارت له زوجته وهو يعيش مثل أي شخص، لكنه يرى نفسه مجرد شبح رجل مملوء بالطموحات، لكنه محلك سر .
ويعترض شاكر عبد الوهاب 30 سنة موظف في منطقة عجمان التعليمية على هذا الكلام، مؤكداً أنه تزوج عن طريق أسرته بعد أن تردد في اختيار شريكة حياته لدرجة أنهم أرسلوها له مرتدية فستان الفرح، وانتظرها مع أصحابه في المطار، ولم يكن يعتقد أنه سوف يحبها ويرتبط بها، كما هو حادث الآن، لدرجة أنه لا يستطيع فعل أي شيء من دون مشورتها .
وتشير شيماء أحمد إلى أنها لا تعرف التردد مطلقاً في حياتها، لأنها دائماً تفكر وتدرس أمورها، قبل أن تقدم على تنفيذها ودائماً توفق فيها . وتلفت إلى أن بعض الأمور تحتاج فيها مساعدة زوجها، وهي أمور خاصة بالأسرة وأحياناً بالعمل .
وهناك من يترك لزوجته مسؤولية اتخاذ كل القرارات المصيرية لأنه دائماً متردد . هذا ما يفعله فؤاد خالد، الإداري بوزارة التربية والتعليم بدبي، موضحاً أنه بعد وفاة والده تاركاً إياه وإخوته صغاراً قامت والدته بتربيتهم، ودائماً كانت كل قراراتها نافذة ولم تسمح لهم بالتفكير في أي شيء لذلك عندما تزوج جعل زوجته بديلاً عن أمه .
العلاج
عن أسباب التردد الذي يصيب البعض ويعيقهم عن اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهم، يشير د . محمد عدنان، أستاذ علم النفس في جامعة الإمارات، إلى أن، التردد يعني العجز الكامل أمام موقف يتطلب الخروج منه، مشيراً إلى أن هذا العجز من صفات أشخاص لم تتح الفرصة لهم منذ الصغر لاتخاذ القرارات السليمة والاعتماد على أنفسهم، لأن هناك من يتخذ القرار نيابة عنهم .
وعن العلاج يقول: لابد للشخص أن يبدأ بالأشياء الروتينية اليومية مثل أن يكون منظماً في وقته وملتزماً بواجباته، وأفضل السبل التي تقلل من التردد الالتزام بالعبادات، وبالواجبات الاجتماعية، وأن يكون للشخص نوع من الجدولة اليومية، وأن يبدأ دوماً بالشيء المهم والملزم، وهي برمجة ذاتية تؤدي إلى زيادة الرغبة في فعل الأشياء .
وأضاف: بعد ذلك تأتي الأمور التي تكون هدفاً لابد من الوصول إليه، لأن من أكبر الأشياء التي تؤدي إلى التردد هو عدم وضع الشخص هدفاً لحياته، أو أن يكون خيالياً في تفكيره، أو ألا يملك القدرات الحقيقية التي تدفعه لتحقيق أهدافه .