القاهرة، بيروت، نواكشوط «الخليج الثقافي»:
في ظل الأحداث الراهنة والمتلاحقة تتعدد أسئلة الثقافة أو أسئلة الوعي الثقافي على وجه الدقة، تلك التي يمكن أن تمنحنا الأمل، وترشدنا إلى مفاتيح تساعدنا على التفكير للخروج من المآزق التي تواجهنا يومياً، وحيث هناك من يضع علامات استفهام عدة حول علاقة الثقافة بالتسامح، تلك العلاقة المعبرة في الأساس عن قيمة مركزية في الثقافة، يتحدث بعضنا عن غيابها أو على الأقل ضعفها، بينما يذهب آخرون بنظرة استشراقية إلى أن ثقافتنا لا تحث على التسامح، وبغض النظر عن آراء الجميع فإن السؤال الآني الملح هو كيف يمكن للثقافة أن ترسخ قيمة التسامح في مجتمعاتنا في ظل الأوضاع الراهنة؟ هو سؤال يتجاوز التنظير حول وجود أو غياب التسامح في ثقافتنا، أو أي ثقافة، إلى الفعل، إلى الواقع المجتمعي وما يمكن أن تقوم به الثقافة بتجلياتها المختلفة من أدوار في هذه القضية الحيوية.

يقول القاص الدكتور أحمد الخميسي: إن الثقافة بطبيعتها، وفي جوهرها، هي رسالة تعارف؛ فحين نقرأ رواية إيطالية مثلًا فإن الشعب الإيطالي يصبح أقرب إلينا وأقرب إلى تصورنا، وحين نقرأ قصيدة إنجليزية ندرك أن القلب البشري يخفق بالحب بالطريقة ذاتها وإن بلغات مختلفة، فالثقافة هي رسالة تعارف وتسامح بطبيعتها، ومن ثم فإن نشر الثقافة يعني مباشرة نشر التسامح، يعنى تقريب كل شعب إلى الآخر نحو إدراك عام مشترك أن البشر هم البشر حيثما كانوا، بأهوائهم، ونبلهم، وجسارتهم، وأطماعهم الصغيرة، وأحلامهم الكبيرة بالأمن والسعادة، يكفي أن ننشر الثقافة بأسعار في متناول الجميع، وسوف تفعل الثقافة فعلها من تلقاء ذاتها ومن دون أن نسأل: كيف يمكن لها أن ترسخ قيم التسامح؟ لأن الثقافة بحد ذاتها هي التسامح، لكن تأثير الثقافة يظل محدودًا ومعنوياً قياساً بما تخربه السياسة والحروب، ستصلح الثقافة ما أفسدته السياسة لكن على المدى البعيد، ليس بسرعة وحسم القنابل والطائرات، وقد احتاجت أوروبا إلى زمن طويل من الثقافة لتغفر للألمان حربهم النازية على أوروبا، وفي النهاية انتصرت الثقافة وتصالحت كل الأطراف.

ويؤكد «الخميسي» أن الثقافة العربية طوال تاريخها هي ثقافة التسامح، كانت وما زالت تتقبل وتتفهم وتتفاعل مع الآخر، مستشهداً بتاريخ نشأة الآداب والفنون في مصر، وكما يقول: إنه تاريخ من التفاعل والتسامح والتقبل، حيث دخلت السينما مصر عن طريق الأجانب، ودخل المسرح مع الحملة الفرنسية، الرواية والقصة أشكال ظهرت كثمرة للتفاعل مع الأدب الغربي، بل وحتى تقبل الاختراعات العلمية التي لدى الآخر، البرلمان، والديمقراطية، والدستور، وغير ذلك ترسخت لدينا لأننا قادرون على تقبل الآخر، المهم هنا: أي آخر هذا الذي نتقبله؟ نحن تقبلنا المسرح من الحملة الفرنسية، هذا الآخر أقبله، لكننا رفضنا الغزو الفرنسي، إذاً هذا الآخر أرفضه.
ويضيف أن العرب فتحوا بلادهم لليهود والإيطاليين واليونانيين ولكل شعوب الأرض، وكانت مرجعيتهم الإسلامية في ذلك هي: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» أما المرجعيات الإسلامية المتطرفة التي ظهرت مؤخرًا، فيصفها بسحابة صيف عابرة في تاريخ العرب وتاريخ الثقافة.

ويختلف مع «الخميسي» الكاتب والروائي الدكتور أشرف الصباغ، إذ يقول: إن مصطلح «التسامح» في الثقافة العربية، هو فكرة مجردة لازمت المجتمع «العربي - الإسلامي» في معظم الأوقات، إن لم يكن في كل مراحل تطوره وانحطاطه، فنحن نتحدث كثيراً عن «التسامح»، ونكتب كلمة «تسامح» في كل كتبنا تقريباً، ونكتشف في نهاية الأمر، أنها مجرد كلمة في كتاب، ليس لها أي علاقة بمنظومة العلاقات الاجتماعية، ونحن نلاحظ أن الثقافة العربية، أو العربية الإسلامية، لديها غواية التغني بالأمجاد التي قد لا تكون حقيقية، وقلب الهزائم إلى انتصارات، وتبرير الأخطاء، ووضع الاستثناءات، إنها ثقافة مريضة بمرض «الإنكار».
إن الثقافة العربية لا تجيد التعامل مع الآخر (سواء كان هذا الآخر محلياً أو إقليمياً أو عالمياً) لأن الآخر بالنسبة إليها، إما عدو (يهدد بقاءها)، أو مخالف لها في العقيدة، أو مخالف لها في الوطن (خائن)، أو مخالف لها في الرأي (عميل)، وبالتالي لم تتطور مفاهيم التسامح بكل درجاتها، لأسباب تتعلق بطبيعة الأفكار والعقائد، وتفضيل الحياة في الماضي، والتبرير المستمر، وتتعلق أيضاً بطبيعة التركيبة الاجتماعية ومنظومة التعليم والثقافة، كما تتعلق أيضاً بالنظام الاقتصادي الذي يصنع هوة واسعة بين الأفكار النظرية اللطيفة والرقيقة التي نطمح لتطبيقها ونقرأها في الكتب، وبين السلوكات والتصرفات الواقعية في الحياة والتي نمارسها وفقاً لحاجاتنا واحتياجاتنا وفي تجاهل تام لكل تلك الأفكار النظرية.
ويعتقد «الصباغ» أن الثقافة وحدها لا يمكنها أن ترسخ أي شيء، بل أحيانا يتم استخدامها للتبرير، أو قلب الأفكار إلى نقيضها، أو تكريس الواقع لمصلحة السائد والمبتذل والمنحط، ويوضح: الثقافة عند عزلها عن بقية المقومات (التعليم، والتنمية، وتحسين الأحوال المعيشية، وتطبيق القانون، وتجريم التمييز بكل أنواعه في الدين والعرق والثقافة والنوع... إلخ) تصبح سلاحاً فتاكاً بالمجتمع نفسه، وبالتالي فالتسامح كقيمة إنسانية ينتقل من الفكرة المجردة إلى الممارسة والسلوك والتصرفات عبر عملية اجتماعية - اقتصادية - ثقافية معقدة، ومشتركة بين الدولة والمجتمع، والاثنان يتحملان المسؤولية كاملة عن انهيار هذه القيمة، والقدر الأكبر من المسؤولية تتحمله تلك الدولة التي تمسك بعصا السلطة في يد، وبجزرة الإغواء والانحراف القانوني والتشريعي في اليد الثانية.
وعلى مقربة من «الصباغ» يرى الناقد الدكتور أيمن بكر أن السؤال عن «كيف يمكن للثقافة أن ترسخ قيم التسامح في المجتمع؟» يبدو سؤالًا متناقضاً من داخله، ويقول موضحًا: إذا نظرنا للثقافة من المنظور الأنثروبولوجي بوصفها الكل المركب من العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والفنون التي تحرص جماعة بعينها على إعادة إنتاجها، سنجد أن العنف المقيم في مجتمعاتنا منذ قرون هو نتاج هذه الثقافة، ومن النخب من ساعد على إشعال العنصرية والطائفية، ومن ثم فالنخب المثقفة العربية الآن لا يعول عليها في تغيير حال الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي نحو وعي متسامح يدرك نسبية وجوده وحق الآخر المختلف في الوجود أياً كانت درجة اختلافه.

فيما يرى الناقد الأكاديمي الدكتور سيد ضيف الله، أن مفهوم التسامح، مفهوم متعال على الآخر، لأن من يملك قرار التسامح يملك قرار اللاتسامح، بينما العلاقة السليمة هي المواطنة واحترام القوانين الإنسانية التي تكفل للجميع حرية العقيدة على أساس المساواة بين المواطنين داخل الوطن الواحد.
ويضيف «ضيف الله» أن ترسيخ قيم التسامح في المجتمع مرتبط بشكل أساسي بمدى تقبل الآخر بكل مكوناته، ويوضح قائلًا: حين نتكلم عن مدى تقبل ثقافة ما للآخر فإننا يجب ألا نتكلم عن ثقافة معلقة في الهواء لأنها يجب أن تكون ممارسات حياتية لبشر يعيشون الحياة بكل متناقضاتها، وبالتالي فأي ثقافة لديها استعداد للكراهية للآخر بقدر ما لديها استعداد لتقبل الآخر، وأن الذي يحسم انحيازات مجموعة من البشر هو مدى ما تمتعوا به من خبرات تعلم وخبرات حياة وظروف اقتصادية واجتماعية تؤثر، سلباً أو إيجاباً، في توجهاتهم نحو الآخرين، فالقانون الفاعل وتطبيقاته الحاسمة لا تردع المتطرفين عن أفعالهم تجاه الآخرين فقط، بل تربي الأجيال على أن يصبح احترام اختلاف الآخرين وخصوصياتهم جزءاً من ثقافتهم بمرور الوقت، فالثقافة مكتسبة وليست فطرية نولد بها وكل ما هو مكتسب يجب أن يكون مخططاً لينتج سمات ثقافية أكثر إنسانية، وإذا تحدثنا عن علاقة الثقافة بالدين فإننا نجد أن الكثير من الأديان تزعم أنها عالمية لكل بني الإنسان، وكثير من الأديان الأخرى، باستثناء اليهودية، التي تعتبر الانتماء العرقي جزءاً أصيلاً من التدين اليهودي، فإذا كانت عالمية الدين تعني أنه بمثابة دعوة مفتوحة ومستمرة لكل الذين لا يؤمنون به لأن يكونوا مؤمنين به فإن هذا معناه أن الآخر يجب أن يكون موضع احترام باعتباره مؤمناً جديداً محتملاً يجب على أصحاب هذا الدين إقناعه وجذبه ليكون عضواً معهم في رابطة الدين الذين يؤمنون به، لكن الواقع أن هذا المبدأ العام لا يتم تطبيقه نتيجة أن الوعي الثقافي والواقع السياسي يؤثر في توجهات كل مجموعة متدينة تجاه المجموعات الأخرى، لتكون علاقة تربص أكثر منها علاقة واجب إقناع بالحسنى ودعوة للتقارب والتعارف والتفاهم.

الدكتور والشاعر الكاتب منيف موسى يرى أن الثقافة هي في أساس توجهها تمثل قيمة كبيرة في التسامح والمحبة، ويقول: الثقافة هي فعل تسامح، وهي محبة وقوة فاعلة في أرض المحبة، الثقافة هي عمل مفتوح على مساحة الخير والتسامح. الثقافة هي الخير والجمال، وكل ما يسعد الإنسان والبشرية، كيفما قاربنا مفهوم الثقافة، نجد أننا نتحرك في فضاء المحبة والتسامح، الثقافة هي الاعتراف بالآخر، بالشريك اليومي والعابر والغائب، لذلك هي فعل تسامح وقدرة تخزن كل ما من شأنه، وكل ما يساعد ويعمل وينجح في بناء الثقافة التي تساعد على إشاعة التطور، والإمعان في صون الحضارة وتطويرها وتطورها. ولكن لا يمكن لهذا الخير أن يتدفق، خير الثقافة، في غير مناخ وفي غير مجتمع وفي غير ظروف. أي أن الثقافة لا تنمو ولا تعيش في واقع لا يساعدها على مدّ حريتها وكيفما يجب، وإذا ما نظرنا إلى واقعنا الراهن نجد أن الثقافة اليوم تواجه صعوبات كثيرة تصيبها بالصميم. فإذا كانت قيمة التسامح مهددة في ظرفنا الراهن، فإن الثقافة برمتها مهددة بالرعب. فلو أخذنا على سبيل المثال كيف تنحرف المجتمعات تحت سيطرة التطرف والعنف، سنجد أن العصب الأساس مهدد وينذر بالخطر على المجتمع. وهنا يولد السؤال الكبير، كيف يمكن أن نحافظ على قيمة التسامح في ظل هكذا تسيّب وانفلات، على كل الصعد؟ كي نحافظ على قيمة التسامح، علينا أن ندرك أننا على حافة الخروج من الحضارة، وإذا أدركنا باكراً، حتماً سنتفادى الكارثة.
الطبيب الدكتور الروائي غسان العميري يقول: قيمة التسامح تحتاج إلى نضال واسع وإلى مشقة كبيرة، وهذا أمر مفروغ منه، كلمة تسامح كلمة كبيرة تعادل الحياة بما تمثل من حرية ومساحة انطلاق وسعادة وأمل، التسامح في الأرض، بين أبناء البشر أمر صعب لكنه حصل وتطور وأسهم تطوره في بناء الحياة الجديدة القائمة على الخير والمحبة، ولكن، وللأسف الشديد، انتكست هذه القيمة التسامحية في ظروف كثيرة عبرت، ولكنها اليوم، وفي واقعنا الراهن، تعود مهزوزة مكسورة، وتكاد تختفي من الوجود. فواقعنا اليوم، يتجه باتجاهات مؤلمة جداً، وباتت الثقافة هي الوعي الناقص الذي «يخربط» وعينا ويحوله إلى مساحات غائمة وسوداء، العنف والإرهاب والفوضى وإلغاء الآخر واحتلال الأرض والروح.. كلها باتت عناوين ثابتة وقابلة للتفاعل السلبي أكثر. وكل هذا التشابك الغلط على أرض الواقع، واقعنا يساهم في تكريس تخلف مجتمعاتنا. وإذا كان كل هذا التراجع ليس لمصلحة الثقافة، فإن في الأمر ما هو مثير للجدل والقهر في آن معاً: كيف ننجو من هذه المؤامرة التي تردم كل ما هو منير ومضيء بتراب الجهل، وتالياً كيف يمكن للثقافة أن تتبلور وتأخذ طريقها الصحيح؟ والسؤال الأصح، كيف يمكن لقيمة التسامح أن تسلك دربها الأصيل وتنمو على وعيها الجميل الناصع ونحن في خضم هذا الجهل العارم؟ أن نحافظ على قيمنا يعني أن نصون ثقافتنا ونحميها من كل دخيل مخرّب وإرهابي وقاتل، فثقافة الموت تلغي القيمة التسامحية تماماً وتحولها إلى تعس كبيرة. أن نحافظ على قيمة التسامح في ظرفنا الراهن، يفرض علينا وعياً مضاعفاً علّه يشدنا على فسحة تأمل، وإذا عرفنا كيف نتأمل بحاضرنا الصعب، فمن المؤكد أننا سنعود إلى قيمنا أقوياء بما يساهم في تأصيل قيمة التسامح.
الفنانة الأوركسترالية والكاتبة هبة القواس: الثقافة هي فن الحياة، والتسامح هو عصب هذا الفن. فإذا مات العصب، عصب الفن والثقافة، فلا حياة ولا قيم ولا من يحزنون. لا يمكن للثقافة أن تسلك مدارها الصحيح والطبيعي في ظل ظروف غريبة وغرائبية وبشعة وصعبة، مستحيل للثقافة أن تستمر في بناء هرمها إذا ساد المجتمع والواقع كل هذه الظروف العصيبة، فعندما تسيطر الرغبة السوداء على المجتمع، وعندما يحكم الملاعين أرض البشر، وعندما تسود شريعة الغاب ويستولي الجاهل على مقدرات الحياة والأمة، فكل هذا من شأنه أن يدل على اقتراب الهاوية من واقعنا. يعني أن نعيش في ظروف قاسية، لا حضور للوعي الثقافي فيه، فهذا يعني إننا تحت احتلال الجهل والتخلف. وإزاء هذا الواقع التعس لا يمكن لأي قيمة أن تكون حاضرة وفاعلة، فكيف يمكن لقيمة التسامح أن تكون قائمة وفاعلة وناجحة، وكما يشتهيها كل إنسان حرّ؟ إن قيمة التسامح لا تستمر في واقع مرّ عنوانه الإرهاب والجهل، لذلك وجب علينا اليوم، في هذه الظروف أن نسعى ونجهد لتفعل الوعي الثقافي في مجتمعنا، كل فنان وكاتب وأديب وموسيقي، كل واحد من

هؤلاء مطلوب منه ضخّ الوعي الثقافي الإبداعي كي تتحقق أمنياتنا بالخير والعدل والمساواة والحرية، وإذا نجحنا بهذا السعي، فلا بد أن نجد قيمة التسامح، قيمة التسامح هي الخير الوارف على حياتنا، وتالياً سنجد مجتمعنا في منأى عن الجهل والتخلف.
الشاعر الخليل النحوي يقول «علينا أولاً أن نضبط ونحرر مفهوم الثقافة، بالنسبة إلي أن تكون مثقفاً معناه أن تكون فطناً حاذقاً.. كما يحدد المعجميون هذا المدلول أيضاً، معناه أن تكون قادراً على الوصول بالرفق إلى ما يحاول غيرك الوصول إليه بالعنف، أن تكون مثقفا معناهُ أن تحقق بالكلمة الطيبة فتوحات لا تستطيع أن تحققها بالرمح والسيف، وأن تكون قادراً على أن تهزم السيف بالقلم، وأن ترتقي من غريزيتك إلى سماوات الكرامة الآدمية، وحينئذ ستكتشف أن التسامح سقف واطئ.
ثقافتنا الأصيلة حين نسمُها بأنها «ثقافة تسامح» فإننا نحد من شأنها لأنها أعلى من ذلك، فهي ثقافة إخاء ومحبة وتعاون، وثقافة تنزيل الغير منزلة النفس، أي ثقافة تتماهى فيها الحدود بين الأنا والآخر، وحين ننجح في غرس هذه الثقافة كما هي نقية ناصعة وبالأدوات المناسبة، وفي مقدمتها التربية والإعلام والإرشاد، حين ننجح في غرس هذه الثقافة في أذهاننا وفي أذهان ناشئتنا، وحين ننجح في بسط الحرية - بطبيعة الحال الحرية المسؤولة، وبالذات حرية التعبير - حين ننجح في الجمع بين هذين العنصرين: عنصر غرس الثقافة الأصيلة في نفوس الناشئة وفي عقول الأجيال الحاضرة عامة، وعنصر بسط الحريات في نطاق المسؤولية، حين ننجح في تحقيق هذا الهدف، فإننا سنكتشف أن التسامح سقف واطئ للقيم الإنسانية التي نريد أن نستحضر الثقافة في التأسيس لها والتمكين لها، وسنكتشف أن هممنا وإراداتنا، بل وقدراتنا وطاقاتنا، قادرة على أن تتعلق بما هو أسمى من قيمة التسامح إلى قيم الإخاء والمحبة وتنزيل الغير منزلة النفس».
الكاتب عبد الله ولد أحميد يقول «إذا رأيت خللاً في حياة أي أمة، فأعلم أنه نتيجة خلل ثقافي، وأتصور أن البحث عن هذا الخلل ومعالجته حظي بكثير من النقاشات والكتابات، والمهم الآن هو أن على المثقفين السعي بجهد مضاعف لترسيخ التسامح في ظل الوضع المأساوي الذي تعيشه البلدان العربية، ويكون ذلك بسعي المثقفين أنفسهم إلى استغلال قواهم للتأثير في المجتمعات سواء عبر صانعي القرار، أو طبقات المجتمع.
ويضيف ولد حميد أنه يجب أن تتم المصالحة بين المثقفين والقائمين على الشأن العام، حيث أدى حشر الثقافة في خانة الثنائي وغير الاستعجالي إلى ما نشهده اليوم من لا وعي، وفقدان للبوصلة الصحيحة، ومن ثم على الثقافة أن ترقى إلى مستوى المرحلة التي تتميز بكثير من الضبابية والدموية، والتي لا يجب مهما بلغت أن تحجب الرؤية الصائبة نحو خلق فضاءات فكرية آمنة لملايين الشباب الذين يفترسهم غياب الأفق الثقافي، قبل أن تحولهم البطالة إلى أدوات تدمير. وفي هذا الإطار يجب على الدول العربية إدراك أن أي مجهود تصالحي، أو تنموي، أو حتى حربي لا ينطلق من أبعاد ثقافية محصنة هو مجهود في مهب الريح. هل سألنا أنفسنا ماذا سنفعل بعد هزيمة «داعش» وأشباهها من الظلاميين الحاليين؟ هل أعددنا العدة ثقافياً وفكرياً لمنع ظهور «سلالات» أشد فتكاً وظلامية من هؤلاء؟
إن الرهان على الدور الثقافي هو السبيل الوحيد المتاح أمامنا في ترسيخ قيمة التسامح، وذلك عبر: إعادة الاعتبار للمثقفين العرب، وللهيئات الثقافية العربية الرسمية والخاصة التي لا يزال دورها مقتصراً على دور «متعهدي حفلات ثقافية».
وكذلك إشراك المثقفين في وضع تصور خطط التنمية الثقافية، وإفساح المجال أمام العلماء المتنورين لمراجعة جريئة وواعية لتنقية المنظومة الدينية مما لحق بها من كوارث تأويلية، أدت لتخرج أجيال الموت الظلامي التي تعبث اليوم بأوطاننا وشعوبنا.

سيدي ولد عبيد يقول «ما من سبيل إلى ترسيخ قيم التسامح والانفتاح الإنساني من دون أداة الحياة الرئيسية وهي الثقافة، وهذا ما نراه في أنماط العيش اليومي لدى الشعوب المتقدمة علميا وماديا، فهذه الشعوب أدركت قيمة الثقافة في تجذير التسامح والتآخي، ولو كان ذلك فيما بين هذه الشعوب، التي تصمت غالباً عن ما يحدث في العالم غير النامي من فظاعات.

ولأن جانب المؤامرة لم يعد مسألة إلقاء لوم على الآخر في ظل تدفق سيل المعلومات وما تكشفه من نوايا وإجراءات ومواقف، فإنني أرى أن الشعوب غير المحصنة ثقافياً لا يمكنها تحمل فاتورة مشروع التحرير الحضاري، أما كيف تلعب الثقافة دوراً في هذا، فيجب أولاً أن تبدأ عبر ترسيخ قيمة التسامح داخل المجتمع العربي، لأن معركة الأساسات والسقوف العاصفة في هذا المجتمع ناتجة أساساً عن فقدان تربية ثقافية، وعن فقدان بيئة ثقافية صالحة تستنطق سبلُ التعايش والتسامح، والمؤسف هنا أن عدم التسامح أصبح سمة بين المثقفين العرب أنفسهم، فكل منهم يحاول تدمير المشروع الثقافي للآخر، وإن كان هذا قضية أخرى، فإن الوارد هنا على الأقل هو قيام مشروع ثقافي عربي لتنمية ثقافة التسامح ومواجهة التطرف الفكري، شرط أن يوازي هذا المشروع مشروع آخر لإحياء فعل النهوض بناء على تصحيح الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في المشروع الثقافي العربي منذ بواكيره قبل قرنين وإلى اليوم».
المفكر والباحث محمد ولد أحظانا يقول «ابتداء، في الحقيقة لا يمكن ترسيخ التسامح من دون الثقافة، فالثقافة هي الوسيلة الوحيدة لتبادل المواقف والاطلاع على القيم المشتركة، فهي الحل على كل حال.. لكن يبقى السؤال هو: كيف نستطيع أن نجعل من الثقافة جسراً لنشر التسامح؟
هنا لا بد من النظر في أمرين: الأول: في طبيعة الثقافة التي نريد نشر التسامح عبرها، وفي هذه الحال لا بد أن تكون هذه الثقافة ذات مضمون يعترف بالآخر، ويعترف بالقيمة الثابتة للإنسان. ويعترف بالتكافؤ الرمزي بين البشر. لأن التكافؤ المادي غير متاح ولا يمكن أن يصبح قاعدة متينة للتسامح، يمكن أن يكون فيه تبادل ولكنه لا يمكن أن يصبح قاعدة للتكافؤ، فهناك تفاوت كبير بين الحضارات وبين الأمم والأفراد.
الأمر الثاني: يتعلق بمنهج الإيصال.. أي توصيل الثقافة لتكون مثلاً بعيدة عن التعنيف والإرغام والقسر، لأن الثقافة المفروضة بالعنف لا تتلقى تلقياً حسناً.. وأن تكون الوسيلة التي تبث عن طريقها الثقافة وسيلة مأمونة خالية من الشوائب الأخرى كالأطماع والمؤامرات ومحاولة الاستحواذ. بهذا يمكن أن نشيع التسامح عبر الثقافة.

الكاتبة والروائية هيام التوم الريس تقول: لا يحيا المجتمع، أي مجتمع إذا فقد بوصلته الثقافية المتمثلة في التسامح، أو ما اصطلح عليه، قيمة التسامح، هو عصب الوعي الذي يربط الحضارة بخيط من ذهب ويشدها إلى جبل العزة والكرامة. كيف يمكن أن نحمي قيمة التسامح في ظرفنا العربي الصعب؟ سؤال كبير وفي محله، ويأتي في لحظة حساسة جداً نعيشها في واقعنا العربي. وإذا حاولنا مناقشة السؤال من أساسه، نجد أننا نسأل السؤال نفسه، ونوجهه للذين يقبعون في عتمة الحياة ويظنون أنهم يعيشون في نور الحياة، وقد لا يحتاج الجواب عن هذا السؤال سوى سؤال آخر، لا بد أنه سيعطي الجواب الشافي: كيف تستمر الحياة في ظل ظروف مرعبة، حيث يهيمن الجاهل، ويحاول أن يحكم المجرم. بلاد تسود فيها مشاريع العنف والإرهاب، كيف يمكن أن تستقيم فيها الحياة ؟ بلاد تستحضر العنف والموت، وكل من يجاهر بالتخلف والجهل والموت والقتل.. كل هذا التخلف يحاصر واقعنا، ظروفنا الراهنة في عتمة هذا الجهل، فكيف للتسامح أن يسود أو يطل برأسه داخل هذه العتمة الداكنة الحالكة الدامسة؟ ولكن بارقة الأمل كبيرة ويمكن أن نراها ونلحق نورها ووهجها إذا عرفنا كيف نخرج من هذا الجحيم، ولا بد أننا على مقدرة، وثقافتنا وحضارتنا وتاريخنا الثقافي يشهد على هذا الأمل الممكن. فالمجتمع الذي يمتلك ذاكرة ثقافية خصبة، وعبرت فوق روابيه النخب والأجيال والشعراء والأدباء.. فلا بد أنها مجتمعات قادرة على العودة إلى صلبها، العودة إلى خيوط حضارتها الأولى، أن نخسر قيمة التسامح من مجتمعنا أو مجتمعاتنا فهذا أمر جنوني انتحاري، لذلك وجب علينا حماية ثقافتنا بكل ما أوتينا من وعي وإبداع وابتكار. فلا يمكن لقيمة التسامح أن تصعد وتحلق إذا انتظرنا الكارثة تتقدم إلينا. قيمة التسامح كانت أملاً عارماً خفّ وهجها بسبب ظروفنا اليوم، ظروف الحروب المفروضة على أرضنا وبين شعوبنا.