قد يتخيل بعض الناس أن أخلاق الإسلام المعروفة مثل الرحمة والرفق والتسامح... هي خاصة للمسلمين فيما بينهم، وأما غير المسلمين فلا تشملهم هذه الأخلاق، وإنما يجب أن نعاملهم بطريقة أخرى!! وهذا بلا شك انحراف كبير وبُعدٌ خطير عن المفهوم الصحيح للإسلام، بل هذا تشويه للإسلام وجهل به وتنفير لغير المسلمين، وفي الأحاديث النبوية الشريفة ما يبين ذلك.
لنأخذ مثلاً الحديث التالي: يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما زالَ جبريلُ يوصيني بالجَار،حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيورِّثُهُ)، متفق عليه،هل يقتصر هذا الحديث على الجيران المسلمين؟ قد يتوهَّم البعض ذلك جهلاً منهم، فلننظر في الرواية التالية: عن مجاهد أن عبدَالله بنَ عمرو - وهو أحد رواة الحديث - ذُبِحت له شاةٌ في أهله، فلمَّا جاء قال:(أهدَيْتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مازال جبريلُ يُوصيني بالجار حتَّى ظننتُ أنَّه سيُورِّثُه). أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب «ما جاء في حق الجوار» فهذه الرواية تبيّنُ بوضوح كيف فهمَ الصحابيُّ (عبدالله بن عمرو) هذا الحديث، وهو أحد رواته،ومن هنا يظهر أن الوصية بإكرام الجيران ليست خاصة بالمسلمين منهم، وإنما هي عامة تشمل كل الجيران،مسلمين وغير مسلمين.
لا لعن ولا غش
لنأخذ حديثاً آخر،قال النبي صلى الله عليه وسلم (إني لم أُبعَثْ لعَّانًا وإنما بُعثتُ رحمةً)، (أخرجه مسلم)، ما رأيكم، هل هذا خاص بالمسلمين؟ فلننظر في الرواية كاملة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسولَ الله، ادْعُ على المشركين. قال «إني لم أُبعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً». هل بقي عندكم تردُّدٌ في فهم الحديث؟
حديث آخر، كلنا يعرفُه بالرواية التالية (من غشَّنا فليس منَّا) هل يفهم منه أن الغش ممنوع بين المسلمين فقط؟ وهل يجوز غشُّ غيرهم؟؟! قد يتخيل ذلك بعض الجهلة، فنجيبُهم بأن الحديث جاء برواية أخرى فيها (من غشَّ فليس منا) وللمزيد من التوضيح، نأتي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا مَن ظلم معاهَدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حَجيجُه يوم القيامة)، (أخرجه أبوداود)، والمراد بالمعاهَد: هو من له عهدٌ مع المسلمين، سواءٌ كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم.
ومن الأدلة على التسامح في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم موقفه يوم فتح مكة وعفوه عن أعدائه بعد الانتصار والتمكُّن، فقال لهم: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وكان لهذا الموقف أثر عظيم في دخول أهل مكة في الإسلام.
وفد نصارى نجران
شاهد آخر في قصة وفد أساقفة نجران، الذين جاؤوا للحوار مع النبي صلى الله عليه وسلم. تقول الرواية: قال ابن إسحاق: وفِد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدُ نصارى نجران بالمدينة، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قدم وفد نجرانَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخلُوا عليه مسجدَه بعد صلاة العصر، فحانت صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجده، فأراد الناسُ منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دَعُوهُم) فاسْتَقْبَلُوا المَشْرقَ، فصلوا صَلاَتَهُمْ. قال ابن القيم تعليقاً على هذه الرواية: وفي هذا جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين. وفيها: (تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفى مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكَّنون من اعتياد ذلك). وعلَّقَ عليها ابن القيّم وعلى مجموع الروايات الخاصة بالقصة بقوله: (فيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكَّنون من اعتياد ذلك...) انتهى كلامه من (زاد المعاد).
فرغم تمسكهم بموقفهم واعتقادهم في عيسى عليه السلام بما يخالف عقيدة المسلمين، إلا أن هذا لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكرامهم وضيافتهم في مسجده وهو ثاني أقدس المساجد بعد المسجد الحرام بل ذهب أبعد من ذلك فسمح لهم بأداء صلاتهم في مسجده حين جاء وقتها، فإذا كان الرسول قد علم ما يعتقدون في عيسى عليه السلام، من كونه ابن الله، وقد سمع منهم ذلك، وأظهروا إصراراً على التمسك بهذا المعتقد، ومع ذلك أكرمهم واستقبلهم في مسجده بل وسمح لهم بأداء صلاتهم فيه!!
الرحمة للجميع
حديث آخر: قال عليه الصلاة والسلام (مَنْ لَمْ يَرْحَم النَّاسَ لا يَرْحَمُهُ اللَّهُ) وَفي روَايَة الْبُخَاريّ (مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ) قال ابن بَطَّال «وهو من كبار علماء المالكية وأحد شراح صحيح البخاري»: (فيه الْحَضُّ عَلَى اسْتعْمَال الرَّحْمَة لجَميع الْخَلْق، فَيَدْخُلُ الْمُؤْمنُ وَالْكَافرُ وَالْبَهَائمُ وَالْمَمْلُوكُ منْهَا وَغَيْرُ الْمَمْلُوك، وَيَدْخُلُ في الرَّحْمَة التَّعَاهُدُ بالإطْعَام وَالسَّقْي وَالتَّخْفيف في الْحَمْل وَتَرْك التَّعَدّي بالضَّرْب).
رغم أن الحديث واضح وينص بصراحة على الرحمة للناس عامة، فإن البعض يحتاج إلى تأكيد هذا المعنى، فلنذهب معهم إلى القصة التالية:
مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: اسأل الجزية، والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ له أي أعطاه بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم (إنَّمَا الصَّدَقاتُ للْفُقَراء وَالْمَساكين) (التوبة: 60)، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب. ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. (الخراج لأبي يوسف) أليس في هذا التصرف من عمر بن الخطاب تفسيراً عملياً للحديث الشريف (من لم يرحم الناس لا يرحمه الله)؟
الجزية.. لماذا؟
ولعل البعض يعترض هنا على فرض الجزية أساساً على أهل الذمة، فيرى فيها ما يناقض مبدأ الرحمة والسماحة، فنجيبه باختصار: لا بد لكل دولة من فرض ضرائب على شعبها، والمسلمون مفروض عليهم بالمقابل دفع الزكاة. فإن قال المعترض: إن الزكاة لا تجب إلا على الغني، يأتيه الجواب بأن أهل الذمة كذلك: جاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وجعلت لهم أي لأهل الذمة أيّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفةٌ من الآفات أو كان غنياً فافتقر، وصار أهلُ دينه يتصدقون عليه، طُرِحَتْ جزيتُه، وعيلَ من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام) فما رأيكم؟ أولاً: إسقاط الجزية عنهم، ثانياً (عيلَ من بيت مال المسلمين) ثالثاً: (وعيالُه).
فإن قال المعترض: إن هذا الكتاب هو من خالد الصحابي وليس حديثاً نبوياً، قلنا له إن خالداً وعمرَ وسائرَ الصحابة هم تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يعملون بما تربَّوا عليه في مدرسة النبوة، وإليك كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أساس هذا التسامح ونبعُه الأصلي: في صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّكم ستفتَحونَ أرضاً يُذكَرُ فيها القَراريطُ فاستَوْصوا بأهلها خيراً فإنَّ لهم ذمَّةً ورحماً.
ونختم بهذا الحديث: عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قَدمَتْ عليَّ أمي وهي مشركةٌ، في عهد رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاستفتيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قلتُ: إنَّ أمي قَدمَتْ وهي راغبةٌ، أَفَأَصلُ أمي؟ قال: (نعم، صلي أمَّك) متفق عليه، وأم أسماء هي قتيلة بنت عبدالعزى، كانت مشركة، فلم يمنع ذلك من استحقاقها للبر والإحسان، كأيّ أُمٍّ من الأمهات.
* المفتي في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي