تنتشر ظاهرة احتراف التسول في بلادنا العربية والإسلامية، ويتعاطف كثير من الناس مع المتسولين ويقدمون إليهم زكواتهم وصدقاتهم من دون التأكد من مدى حاجتهم .
وكانت أجهزة الأمن بالقاهرة قد شنت حملة على المتسولين الذين انتشروا في الشوارع وعلى أبواب الجامعات والمساجد وضبطت عدداً كبيراً من الذين يحترفون التسول من دون حاجة لذلك، وقد تبين امتلاك عدد من المتسولين عقارات وأموالاً تضعهم في فئة القادرين الذين تجب عليهم الزكاة والصدقة، حيث بلغت ثروة أحد عشر متسولاً أكثر من أربعة ملايين جنيه أموالاً سائلة فضلا عن المنازل التي يعيشون فيها .
الخليج طرحت قضية التسول على عدد من علماء الإسلام لتوضيح الموقف الشرعي منها في التحقيق التالي:
في البداية يؤكد د .مبروك عطية الأستاذ في جامعة الأزهر والداعية الإسلامي المعروف أن الإسلام يرفض ظاهرة التسول ويدين سلوك المتسولين ويلزم الفقير والمحتاج بأن يكون عفيفا عزيز النفس لا يهين نفسه ولا يهدر كرامته، وكثير من المحتاجين الحقيقيين في بلادنا العربية والإسلامية يتصفون بعزة النفس ولا يهينون أنفسهم من أجل المال رغم حاجتهم الشديدة إليه . وهؤلاء الفقراء المحتاجون هم الأولى بالزكاة والصدقة .
وأوضح د .مبروك عطية أن المتسول آثم ويجلب لنفسه غضب الله وعقابه فضلا عن المهانة بين الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم، ولذلك قال العلماء إن الأصل في سؤال الناس أي طلب مساعدتهم هو الحرمة لما في ذلك من تعريض النفس للهوان والمذلة، فلا يحل للمسلم أن يلجأ للسؤال إلا لحاجة شديدة تقهره على السؤال، فإن سأل وعنده ما يغنيه كانت مسألته خموشا في وجهه يوم القيامة . فقد قال صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح: من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خمش أو خدوش أو خدوش في وجهه، فقيل: يا رسول الله وما الغنى؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها ذهبا . ومن هذا الحديث يتضح أن من سأل الناس وعنده ما يكفي يومه فهو آثم ويستحق غضب الله وعقابه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار . فقال يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه .
ويرى د .مبروك عطية أن التعاطف مع المتسولين خاصة المحترفين منهم هو الذي يؤدي إلى انتشار ظاهرة التسول في بلادنا العربية، فكثير من المتسولين يفضلون سؤال الناس وامتهان كرامتهم على العمل لأن التسول يدر عليهم دخلاً مجزياً، وهؤلاء الذين تخلوا عن عزة النفس ورضوا بحياة الهوان لا ينبغي أن نتعاطف معهم أو نشجعهم على ذلك .
لا إساءة ولا أذى
الداعية والفقيه د .نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية ومفتي مصر الأسبق يدين سلوك المتسولين غير المحتاجين ويحذر من تنامي ظاهرة احتراف التسول في بلادنا العربية والإسلامية، ولكنه يؤكد وجود متسولين في حاجة حقيقية دفعتهم الحاجة إلى سؤال الناس، ولذلك قبل أن ندين ظاهرة التسول كلها وقبل أن نحث الناس على عدم التعاطف مع المتسولين لمحاربة ومواجهة هذه الظاهرة المرفوضة دينياً واجتماعياً علينا أن نوفر مقومات الحياة الكريمة للفقراء وأصحاب الحاجات حتى نغنيهم عن سؤال الناس .
ويضيف: من المؤلم والمحزن أن نقرأ كل يوم عن ارتفاع معدلات الفقر في كثير من بلادنا العربية وانضمام أعداد كبيرة شهريا إلى قوائم الفقراء، وهناك الكثيرون من المطحونين الذين يعيشون تحت خط الفقر، والحاجة الشديدة تدفع صاحبها إلى الاختيار بين أحد أمرين: إما إذلال النفس وسؤال الناس، وإما اللجوء إلى العنف وسرقة الناس دون علمهم أو بالإكراه، وهذا ما نراه للأسف في بعض بلداننا العربية والإسلامية التي تعاني من مشكلات اقتصادية وتنتشر فيها البطالة وتزداد فيها مشكلات الفقر حدة يوما بعد يوم .
ويرى د .واصل أن لجوء أصحاب الحاجات إلى التسول أفضل وأرحم بالمجتمع من اللجوء إلى السرقة والقتل والانتقام من الجميع، وينتهي إلى أن المواجهة الحقيقية لظاهرة التسول في بلادنا العربية تفرض على المسؤولين توفير فرص عمل للعاطلين وتقديم مساعدات للفقراء تغنيهم عن سؤال الناس .
ويرفض د .واصل التعامل بعنف وقسوة مع المتسولين ويقول: لا ينبغي الإساءة للمتسولين حتى ولو كنا نعلم أنهم يحترفون سؤال الناس ويمتهنون هذه المهنة الحقيرة، بل علينا أن ننصرف عنهم دون إساءة، أو نعطيهم دون أذى، ويوضح أن للإنسان أجرا لو قدم زكاته أو صدقته لغير محتاج دون أن يعلم .
سألت د .واصل: كيف تتصرف مع المتسولين الذين يحيطون بك في كل مكان تذهب إليه؟
قال: إذا رأيت أن حاله ينبئ بحاجته أعطيته وكنت كريماً معه، وإن تشككت في أمره أرضيته بالقليل عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا السائل ولو بظلف محرق .
وعدت لأسأله: هل معنى ذلك أنه لا ينبغي رد متسول؟
قال: لا . . يجوز رده خاصة لو أنك تعودت رؤيته واعتقدت أنه يحترف المسألة، ولكن يجب أن يكون رده دون إساءة أو إيذاء، بمعنى ألا تهينه أمام الناس ولا تقل له بينك وبينه شيئا يغضبه .
كفالة الفقراء
الشيخ محمود عاشور عضو مجمع البحوث الإسلامية ووكيل الأزهر الأسبق يؤكد ضرورة كفالة الفقراء وتوفير مصدر دخل مستمر لهم إما بتوفير فرص عمل لهم يعيشون من دخلها، أو بتقديم معونات ومساعدات بشكل كريم لهم كما تفعل الدول الأوروبية، ويقول: كفالة الفقراء والمحتاجين ليست مسؤولية الدولة وحدها بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة التي ينبغي أن تقدم لهم من المال العام ما يغنيهم عن سؤال الناس، وبين القادرين من الأثرياء ورجال الأعمال الذين أنعم الله عليهم بالمال الوفير وأصبحوا مطالبين شرعا بإخراج زكاة أموالهم والتسابق في الصدقات التطوعية وتوجيه كل ذلك لأصحاب الحاجات وهم كثيرون في بلادنا العربية والإسلامية .
ويؤكد الشيخ عاشور أن موارد الزكاة تكفي لحل كل مشكلات الفقراء والعاطلين في بلادنا العربية ولو أخرج الناس زكواتهم ما بقي متسول واحد ولا فقير ولا محتاج، بل لتوافرت أموال طائلة تزيد على حاجة الفقراء .
ويطالب الشيخ عاشور بإنشاء صناديق زكوية في كل البلاد العربية والإسلامية لا تتبع حكومات ولا مؤسسات رسمية، حتى تحظى بثقة الناس، على أن تقوم هذه الصناديق بجمع الزكوات والصدقات التطوعية وتوظيفها أو استثمارها لصالح الفقراء . فمن يستطيع العمل نوفر له فرصة عمل يعيش على دخلها، ومن لا يستطيع العمل نقدم له ما يوفر له متطلبات حياته الضرورية ثم نحاسبه إذا خرج يتسول .
دور الإعلام
د .محيي الدين عبدالحليم أستاذ الإعلام الإسلامي في جامعة الأزهر يؤكد أن ظاهرة التسول أصبحت مشكلة اجتماعية ودينية في بلادنا العربية أكثر منها مشكلة اقتصادية . فكثير من المتسولين ليسوا في حاجة إلى المال ولديهم ما يكفيهم وبعضهم قادر على العمل والإنتاج والحياة الكريمة، لكن هؤلاء للأسف رضوا أن يكونوا اليد السفلى وقبلوا بحياة الذل والهوان واختفت من حياتهم كل معاني العفة وعزة النفس، ولذلك لابد من علاج نفسي ديني لهؤلاء حتى نعالج هذه المشكلة من جذورها .
ويضيف: لابد أن يقوم دعاة الإسلام بواجبهم الدعوي لمواجهة هذه الظاهرة التي يرفضها الإسلام ويدين كل من يسأل الناس دون حاجة، أيضاً لابد أن تقوم أجهزة الأمن المسؤولة عن مكافحة ظاهرة التسول بواجباتها، لأن التسول في الغالب تحركه عصابات إجرامية تستغل الأطفال المشردين من أطفال الشوارع وتلحق بهم الأذى النفسي والبدني إذا لم يستجيبوا لهم، وهذه ظواهر إجرامية لابد أن تواجه أمنياً بكل حسم .
ويعبر د .محيي الدين عبدالحليم عن أسفه لعدم قيام وسائل الإعلام بواجبها في مكافحة هذه الظاهرة والتنفير منها والتحذير من مخاطرها ويقول: وسائل الإعلام المتنوعة تستطيع أن تلعب دورا متميزا في مواجهة ظاهرة التسول ومطاردة قوافل المتسولين الذين يجوبون شوارعنا ويطاردون ضيوفنا من السياح والزائرين لبلادنا ويشوهون صورتنا ويسيئون إلى حضارتنا .