الصوفيون الكبار.. مرايا للنفس، ودلائل إلى شمس الباطن والظاهر. سموّ إلى المعرفة، واقتراب من النور. أرواح شفافة. حنوّ داخلي. تخلّص كامل من مادة الأرض وشهوة الجسد. زهد وتأمل وفكر مولود من ذوات تعرف المعاناة، وتواصل طريقها إلى الطهر وروح الفلسفة: عبدالقادر الجيلاني، الحلاّج، السهروردي، أبو حيان التوحيدي، سعدي الشيرازي، جلال الدين الرومي، فريد الدين العطار، عمر الخيام، النفري الغزالي.. ابن عربي.
صف من المفكرين والفلاسفة.. البعض منهم بنى صومعته أو داره الأرضية السماوية بالشعر، والبعض بناها بالنثر. كأنها سلالة قديمة اكتشفها القلب وانحنت عليها الروح، هذه السلالة القديمة أنجبت الكثير من الصوفيين.
في تصديره لكتاب «الصوفيون» يقول «روبرت ديفيز».. «اكتسبت الصوفية طعماً شرقياً من طول ركونها إلى كتف الديانة الإسلامية، ولكن الشخص الصوفي قد يكون معروفاً في الغرب بنفس القدر في الشرق، وقد يظهر ك «جنرال» أو فلّاح أو تاجر أو محامٍ أو ناظر مدرسة أو ربة بيت أو ممتهناً مهنة أخرى..».
تبدو الصوفية أحياناً «حالة فطرية» بالكامل، بعيداً عن الفكر والتجربة التي يمر بها الصوفي. إن الصوفية في الحالة الفطرية تتمثل في أشخاص قريبين من الله من خلال أرواحهم الهادئة المطمئنة، وتتمثل في أشخاص يحوّلون العشق إلى عقيدة أي أن بعض الناس يولدون «صوفيين» سلوكاً أو طباعاً قبل المعرفة وقبل الثقافة.
يتوجه الإنسان إلى الصوفية نتيجة لعوامل عدة.. الكشوفات الروحية التي توصله إلى الحقيقة أحياناً واحدة من هذه العوامل، وفي المجتمعات المادية الغربية تبدو الصوفية ملاذاً أو احتياجاً.. هل لهذا السبب تكثر اليوم الدراسات التي تتصل بالتصوّف في الغرب.. قد تجيب الباحثة الأكاديمية المتخصصة في الدراسات الصوفية هالة أحمد فؤاد عن هذا السؤال، تقول في معرض قراءتها كتاب «الصوفيون»: «.. لسنا في حاجة إلى الحديث عن الانتشار الساحق لدراسات التصوف الآن في أنحاء متفرقة من العالم الغربي، وكأنه أصبح موضة، ولعله يطرح بديلاً مختلفاً للأصوليات الدينية، والفلسفات العقلية.. إلخ. بل لعله يشكّل احتياجاً شديد الخصوصية لهذه المجتمعات».
هناك من يرى اليوم التصوف أيضاً، على أنه نقيض للكراهية والتطرّف والتعصب الذي يولّد الإرهاب والعنصرية، فالصوفي وهو في قلب زهده، كما هو في قلب المحبة والعشق وحب الله كما حب الناس والإنسانية.. إنما هو نقيض كبير ومباشر للطغيان والاستبداد والعبودية.
للصوفية جذور وأصول وامتدادات بعيدة نحو الماضي، أدونيس مثلاً يعتبر أن الروح الصوفية موجودة عند الشاعر الجاهلي وبعض الشعراء العرب استعار من صوفية تميم بن مقبل البدائية في قوله:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر
تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
الطللية الشعرية العربية «نسبة إلى الطلل في الشعر الجاهلي» تنطوي على شيء من الصوفية، والبعض يحيل أجزاء كبيرة من تراث أبي العلاء المعرّي إلى التصوف، وإذا تأملت جيداً الطبقة الروحية الداخلية التي يلمسها أدونيس في قراءته لأبي تمام وأبي نواس تخاله يتحدث هو بلغته وبلغة شعرهم على نحو صوفي.. يقول أبو العلاء المعري على سبيل المثال لا الحصر:
جسدي خرقة تخاطُ إلى الأرض
فيا خائط العوالم خطني
إن من رموز اللغة عند الصوفي: العين. الخيط. النور. الدم. الثوب البالي. النشوة. الانخطاف. الظاهر. الباطن. النجوى. الجبة، النجاة. العشق. الاكتفاء. القناعة. الزهد. الفيض أو الفيوض.. وهذه الرموز تتردد كثيراً في ليس في الشعر الجاهلي فقط، بل وفي الشعر الحديث هو الذي توجه الكثير من رموزه إلى التصوف.
عبدالوهاب البياتي مثلاً استخدم قناع السهروردي والنفري. أكثر من ذلك دخلت الرموز الصوفية إلى الرواية العربية «بل ودخلت إلى الرواية الأجنبية».
الصوفية موجودة في الموسيقا «مقامات السمع والدوران» وفي فن الخط العربي «الدائرة ومركز الدائرة مثالاً..»، والصوفية موجودة في الفن التشكيلي، وتظهر بعض الرموز والإشارات ثقافة التشكيلي الصوفية، وانشداده الفكري لها من خلال اللون والضوء والظلال التي يعرفها جيداً المتخصصون في التشكيل.
إذاً الصوفية تجاوزت أقطابها الذين ذكرناهم قبل قليل إلى أفق واسع أو تجاوزت الشعر والنثر والحكم والإشارات إلى تيار ثقافي فكري فلسفي، فالصوفي ابن المحبة، أو أن المحبة هي طريقه. ولذلك يستعاد الفكر الصوفي اليوم في ضوء فوضى الفكر التي يعمل عليها عمداً وقصداً رموز التكفير التي تكفّر أول ما تكفّر الصوفي وتقطع رأسه بالسيف أو تصلبه وتحرقه فيما الصوفي لا يغرق أساساً في السياسي. إنّه رمز العزلة، أو الوحدة أو الصبابة أو الشفافية أو التوحد.. وهي مرة ثانية رموز من رموز القاموس الصوفي الكثيرة.
تُحال البطولة والاستشهادية والكرامات والاستقلالية إلى الثقافة الصوفية أو تُحال إلى الصوفي أو إلى المتصوفة هذه العائلة الأولية التي قامت عليها إشراقات روحية نورانية محورها القلب استقطبت الأدب والفكر والفن والفلسفة.
الباحث الصوفي إدريس شاه، جمع أصول العائلة الصوفية في كتابه الضخم «الصوفيون». وسوف يخصص فصلاً لمحيي الدين بن عربي.. الشخصية المحتفى بها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وهو يرى أن الصوفية عبارة عن فكر شرقي، إن الصوفيين يتبعون «العقلية، والعلمية» عالمان من التفكير، يقول.. «صمم الصوفيون أدبهم وتعليمهم التحضيري للمساعدة في عبور الفجوة بين هذين العالمين من التفكير»، ولكن الأمر الآخر الذي يشير إليه إدريس ولكي نقترب جيداً من عوالم ابن عربي هو أن الصوفية لا تتحدد في أطُر أو في أنساق، أنها أي الصوفية باعتبارها عنصراً مغذياً للمجتمع لا تستمر داخل هذا المجتمع بشكل ثابت. لا يقبل التغيير، «.. وهو الأمر الذي يعني أن الصوفيين لا يشيّدون أنساقاً كما يشيّد المرء الصروح، كي تختبرها الأجيال المتتابعة، ويتعلموا منها، فالصوفية تنتقل خلال القدوة الإنسانية، أي المعلم، وإذا كان هذا المعلم شخصية غير مألوفة للعالم الواسع، وإذا كان هناك من يقلّده، فليس معنى ذلك أنه غير موجود..».
هكذا نلج إلى شيء من ابن عربي.. «١١٦٤-١٢٢٠» الذي يلقب ب «الشيخ الأكبر» ولكن أتباعه ومريديه لم يكتفوا بهذا اللقب.. فهو: البحر الزاخر، ورئيس المكاشفين، وبحر الحقائق. أبوه كان في زمانه من رجالات الفقه والحديث والتصوف. وجدّه واحد من قضاة الأندلس. وأمّه «أمازيغية»، وعلى حال ليس هدف هذه المادة التعريف ب «المعرّف»، فالمصادر التي تشير إلى ولادته، ونشأته ورحلاته كثيرة جداً خاصة في المواقع الإلكترونية ولكننا هنا سنحاول الذهاب إلى المصادر الورقية التي اشتغل عليها باحثون متخصصون، ولكن لا بأس من التذكير بأن أهم أعمال «ابن عربي» هي الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، ومن تراثه أيضاً: التجليات الإلهية، والحب والمحبة الإلهية، وترجمان الأشواق الذي تأثر به الكثير من الشعراء العرب.
درس ابن عربي في لشبونة وهو صبي، وفي قرطبة درس على يد عالم في الفقه هو «الشرّاط»، ويرى إدريس شاه أن هناك تشابهاً في جوانب معينة بين ابن عربي، والغزالي ١٠٥٨-١١١١، ويقول.. «.. على غرار الغزالي انحدر ابن عربي من عائلة صوفية».
نشر إدريس شاه كتابه «الصوفيون» في العام ٢٠١٦ أو أننا تلقينا الطبعة العربية منه في هذا العام، والمهم الآن، وبصرف النظر عن وقت صدور الكتاب يشير الباحث إلى نقطة مهمة وهي أن جانباً كبيراً من كتابات ابن عربي طيّ صندوق مغلق حتى يومنا هذا.. «.. ولذلك تجد هذه الكتابات «أي التي لم يكشف عنها بعد».. مُصاغة في عبارات أسطورية».
لجأ ابن عربي إلى ما يمكن تسميته اسماً مستعاراً ليهرب من تبعات الصفة الصوفية، فيخبرنا إدريس شاه أنه كان معروفاً في إسبانيا باسم: «ابن سراق» والسرّاق هو المنشار الصغير، ويقال إن والده كان نجاراً.. ولكن، يوضح شاه.. «.. بالمعنى الثانوي المعروف عند الصوفيين الذين يستعيرون مصطلحات طائفة النجارين لوصف اجتماعاتهم، بهدف تسويغ التجمع في مكان واحد لعدد من الأشخاص دون أن يشكلوا جماعة تدبر لعمليات تخريبية..».
سطو دانتي
هل سطا الشاعر الإيطالي «دانتي» على شيء من تراث ابن عربي.. يقول.. «.. عكف دانتي على أعمال ابن عربي الأدبية مهملاً الفرق بين الصياغة والتجربة، وبلورها داخل نطاق إطار كان وقتها مستساغاً، وبذلك يكون قد سطا على الجانب الصوفي، وهو جانب مهم من تراث ابن عربي..».
يشير الباحث أيضاً إلى أن ابن عربي كان عرضة لحالات نفسانية خاصة «من ذلك النوع الذي يستزرعه الصوفيون وابن عربي يشير إلى هذه الحالات في أكثر من مناسبة..».
يوضح الباحث أيضاً أن تعاليمه مستقاة من التجارب الجوانية «.. ثم يجري تقديمها في شكل لا يخلو هو نفسه من وظيفة».
من الضروري أن نعرف البيئة الاجتماعية والنفسية التي كانت تحيط بابن عربي.. هذا ما يوضحه إدريس شاه بقوله: «تعاطف معه خلق كثيرون، لكن ما من أحد منهم تجاسر على الوقوف إلى جانبه لأنهم كانوا يعملون على المستوى الشكلي، بينما كان هو يعمل على مستوى تأهيلي. ولقد أعلن أحد الكهنة الواسعي الاحترام، فيما يقال:.. ليس عندي أدنى شك في أن ابن عربي ليس سوى كذاب مع سبق الإصرار، وهو زعيم بين الهراطقة فضلاً عن كونه صوفياً متشدداً في صوفيته..».
على أي حال، فإن رمي ابن عربي بالادّعاء، وإن ديوانه «ترجمان الأشواق» يتضمن معاني خلف المعاني.. أي أن لشعره ظاهراً وباطناً.. نقول مثل هذه المجابهات أو المواقف تعرّض لها أيضاً في سورية عندما سافر إلى حلب هناك وجد الكهان يرمونه بأنه دعيّ.. «.. يحاول أن يسوغ الأشعار المكشوفة عن طريق الادّعاء بوجود معانٍ أعمق وراءها..».
ومن باب تقريب الصورة لا أكثر، ومن حيث لمس لغة هذا الصوفي الجدلي نشير إلى هذا النص في إطار لغة ابن عربي الشعرية التي تخفي «الروح الصوفية»
يقول:
لبست صفية خرقة الفقراء
لما تحلت حلية الأمناء
وأتت بكل فضيلة وتنزهت
عن ضدها فعلت على النظراء
وتكالمت أخلاقها وتقدست
وتخلقت بجوامع الأسماء
جاءت لها الأرواح في محرابها
فهي البتول أخية العذراء
وهي الحصان فما تزن بريبة
وهي الرزان شقيقة الحمراء
نزلت تبشرها ملائكة السما
ليلاً بنيل وراثة النسباء
يبقى القول إن قراءة ابن عربي اليوم تعني قراءة تراث فكري أيضاً،.. وتعني قراءته لغة أننا أمام لغة صعبة مملوءة بالرموز والإشارات التي تبدو وكأنها في حاجة إلى باحث متخصص وما أكثر من قرأوا صاحب «ترجمان الأشواق».. ومع ذلك ظلوا على شواطئ بحره العميق.