تتميز المرأة في الشرق عموماً، وفي الدول العربية خاصة، بإتقان أعمال التطريز التي لطالما عملن بها على مر قرون، ويعود العمل بالتطريز إلى زمن مصر القديمة والبابليين والفينيقيين والعبرانيين، من دون تحديد الموطن الأصلي له .
تعد هذه الحرفة من الحرف المنزلية البحتة التي تناقلتها النساء وطوّرنها، لا بل إن انتهاء الشابات من تطريز أغطية أسرّتهن كان دليلاً على جهوزيتهن للزواج، وبالتالي كانت النساء يتنافسن لإنتاج أفضل الإبداعات، والتشكيلات والتقنيات في التطريز .
وشملت أعمال التطريز العديد من الأدوات المنزلية كالوسائد واللوحات الجدارية، وقطع الملابس، والحلى، والحقائب اليدوية، وغيرها من أغراض الزينة، فيما تميزت هذه الأعمال في سوريا من خلال دخولها في مفارش المائدة والأسرّة المطرّزة بإتقان .
ولم تعد هذه الحرفة حكراً على النساء، خاصة في دمشق التي تشتهر بالأعمال الحرفية اليدوية المتقنة، لذلك دخل الرجال على خط العمل في هذه الحرفة التي امتهنها بعض الدمشقيين لأجل التجارة، فكانت ولا تزال رابحة، وعملوا على تطويرها، فمن استخدام أنسجة القطن والكتان والحرير والصوف كخيوط إلى استعمال الورق المقوّى والجلد وأقمشة أخرى كمادة للتطريز عليها، لكن تطور الأمر من استعمال الخيوط العادية إلى خيوط الذهب والفضة، التي تلاقي منذ أول استخدام لها رواجاً كبيراً .
وبالرغم من الربح المادي لهذه الحرفة، وخاصة التطريز بخيوط الذهب والفضة فإنها تراجعت كثيراً بسبب عدول الحرفيين عن ممارستها لمصلحة أعمال تجارية أكثر دخلاً وأقل جهداً، ولم يبق الآن في سوريا ودمشق تحديداً، إلا شخص واحد يمارس هذه الحرفة وهو وليد الأميني الوحيد في سوريا كلها الذي يعمل بمجال التطريز بخيطان الذهب الأصفر والأبيض (عيار 12 و18 و21) والفضة .
ويقول الأميني إنه يعمل في هذه المهنة منذ عام ،1971 ويصفها بأنها مهنة جميلة جداً وفنية وحرفية وإبداعية ودمشقية الأصل . وعن مراحل العمل فيها يقول نرسم التصميم أولاً على ورق خاص ثم نضعه على القماش المخصص، وبعدها نقوم بعملية التطريز بخيوط قصب الذهب حسب التصميم المحدد، وطبعاً جميع الرسوم مستوحاة من خيالي ولا أكرر التصميم مرتين . وعن الأدوات والآلات المستخدمة، يقول: نصنع جميع القطع يدوياً، فالآلة الموجودة لدي هي آلة يدوية وليست إلكترونية، وعمرها الآن نحو 130 عاماً وليس لدي سوى آلة واحدة ويتوزع العمل ما بين تطريز الآلة اليدوية والعمل اليدوي) .
وعن مصدر خيطان الذهب التي يعمل بها، باعتباره من المعادن وليس من الأنسجة، يوضح الأميني أن خيطان الذهب تصنع في فرنسا وهي الأجود باعتبار أنه لا توجد خيوط ذهب صناعة وطنية .
ويقول عن المجالات التي يدخل التطريز بخيوط الذهب فيها أقوم بصناعة اللوحات الجدارية، والكوشن، والبرادي، ومفارش غرف النوم، وصواني التمر والفواكة، وبدلات العرائس، وفساتين السهرة، وسجاجيد الصلاة، والعباءات الرجالية والنسائية، ومفارش الطاولات، وغرف الجلوس ويشير إلى أن القطع المصنوعة أصبحت تملك هوية ملكية وليست عادية ومن يملك هذه القطع أو يطلبها يكون لديه قصر، فعملنا اليوم هو على مستوى القصور والقطع التراثية الملكية لجمال القطعة وتفردها وتكلفتها من الذهب، فلدي قطع تحتوي على كيلوين من الذهب وأحياناً أكثر) .
وبخصوص القطع التي كان يصنعها وكيف تطور عمله، يقول الأميني في البداية كنت أصمم تطريزات بدل الأعراس وفساتين السهرة، وكنت أطرز البدلة كاملة بخيطان الذهب مع الرسوم عليها ومع تطور الوقت ودخول الآلات الإلكترونية إلى السوق وسرعة عملها تطورت في عملي ليشمل قطعاً أخرى مع المحافظة على مبدأ العمل اليدوي وتميز القطعة مع رفض تام للعمل التجاري، فأنا أرى في عملي وحرفتي التميز، ولكي أحافظ عليه اخترت أن أبقى على أصول العمل الحرفي . وعن سبب عدم تكراره للرسوم، وأبرز التصاميم الأكثر رواجاً يقول من التصاميم والرسوم والألوان الأكثر تألقاً ورواجاً هي رسوم الكشمير والشرقي التي تلاقي طلباً كبيراً، ولا أكرر في الرسوم لأنني بالأساس رسام وأستطيع أن أرسم في كل دقيقة لوحة جديدة، فلماذا أكرر رسوماتي وأضعف من قيمة عملي؟ . وعن تأثر عمله بالأزمة الراهنة في سورية يؤكد أن العمل تأثر بسبب الظروف السياسية بالدرجة الأولى حيث أصبحت عملية التصدير إلى الخارج صعبة ومكلفة جداً بسبب الضرائب والرسوم المفروضة وخصوصاً كون جميع القطع تحتوي على الذهب .
وبخصوص أنه آخر حرفي يعمل في هذه المهنة، يقول وليد الأميني: أريد أن أقول إن هذه المهنة هي مهنة إبداع، وهي آثار ستبقى للجيل المقبل، وأحزن عندما أعلم بأنه لن يوجد من بعدي من سيستمر في هذا العمل ويكمل الطريق، فهذه الحرفة ستنتهي معي للأسف الشديد، وأتمنى أن أجد أحداً لأورثه فنها وأسرارها، وصحيح أن التكنولوجيا دخلت عالم التطريز إلا أنه يبقى لليد الماهرة والإبرة والغرزة رونق خاص لا تستطيع أن تنقله الآلات، فالتطريز فن وإن استطاعت الآلة أن تسد فراغاً معيناً لمقتضيات تجارية، فإن لا شيء يحل مكان الإنسان وقدرته على الابتكار .