من الحقائق المعروفة عن الإسلام ظاهرة التعددية الفكرية والمذهبية، التي تنتج أفهاماً ورؤى متنوعة، تمثل في مجملها الإسلام مهما اختلفت في ظاهرها، فدائرة الاجتهاد تستوعب الجميع .
ومفهوم التعددية المذهبية يتضمن الإقرار بأن أحداً لا يحق له إلغاء رأي أحد، وضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي في فهم النصوص للجميع والمساواة في ظل سيادة القانون .
ولا تعني الاختلافات بين المذاهب والفرق الإسلامية اختلافاً في جوهر النصوص التشريعية الثابتة في كتاب الله والصحيح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي مجرد اجتهادات ظنية في الفروع لا في الأصول، وهي خلاصة آراء علمية توصل إليها الفقهاء والأئمة والمجتهدون من بعدهم، إذ إنه ليس من حق أحد أن يحتكر فهم الإسلام أو تفسير نصوصه حسب طريقته وأسلوبه وفكره هو دون الآخرين، فهذا هو الاستنساخ الفكري والفقهي المقيت . وليس من حق أحد أيضاً اتهام مخالفيه في الرأي بالخروج عن تعاليم السنّة النبوية، أو الخروج من دائرة الدين والوقوع في حبائل الشرك والمشركين، فهذا هو التعصب الأعمى الذي يعمي عن الحق، ويزيد ظلمة القلب والعقل .
نشأت عند أهل السنة أشهر المذاهب الفقهية الإسلامية وأوسعها انتشاراً في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري وهي : الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والظاهري . وقد ظهرت هذه المذاهب كمدارس فقهية لتلبية حاجة المسلمين الماسة لمعرفة أحكام دينهم في شؤون حياتهم، وظهرت مذاهب غيرها لكن لم يكتب لها الانتشار فلم يعد لها وجود رغم أن أصحابها أئمة أعلام في علمهم وفقههم كابن جرير الطبري وغيره، وأما غير أهل السنة من الشيعة والخوارج فنشأت عندهم مذاهب أخرى، كالجعفرية والإمامية والزيدية والإباضية وغيرها .
هذا في الجانب الفقهي، أما الجانب العقدي فقد ظهرت فيه فرق ومذاهب كالأشعرية والمعتزلة والجهمية، لكن التعامل مع هذه المدارس وآراء أصحابها اتصف بدرجة عالية من الحساسية لأنها تتناول مسائل تتعلق مباشرة بأركان العقيدة والإيمان، وموضوعها يتعلق بالغيبيات غالباً، وقليلاً ما يترتب على الخلافات فيها أثر في سلوك المؤمن وعمله في حياته الدنيا .
ورغم أن الإسلام دين التوحيد، ورغم أن هذه الحقيقة تميزه عن غيره، إلا أن التعددية المذهبية لا تؤثر فيها، ولا تدل على انقسام المسلمين وتفرقهم، بل هي أكبر دليل على وحدتهم وعقليتهم الفذة المتميزة وسعة مداركهم، وقدرتهم على ممارسة الحوار الفكري الديني المنظم فقدموا أروع مثال في تاريخ الفكر الإسلامي والإنساني على تقبل جميع الآراء واحترامها، وفي سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية لا يمكن إلغاء تلك المذاهب، فدمجها أو احتواؤها أو تذويبها أمر غير وارد ولا مستساغ، لصعوبة التفكير فيه واستحالة وقوعه، ويرفضه العقل ولا يقبله منطق الحكمة . وورد أن الخليفة أبا جعفر المنصور أراد أن يلزم الناس بكتاب الإمام مالك "الموطأ" الذي يتضمن الأحاديث النبوية ويفرضه عليهم ويمنع مخالفته، لكن الإمام مالك رفض ذلك وقال له (يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمة، وإن اختلاف العلماء رحمة من الله، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى وكل يريد الله) .
ولم يرد في تاريخ الإسلام أن العلماء تجاهلوا رأياً أو حاربوا مذهباً، باستثناء مرة واحدة فريدة، فقد تجاهل العلماء والفقهاء مذهب العالم الفقيه والمجتهد المفكر المبدع ابن حزم، فمن يرجع إلى أمهات المصنفات الفقهية والفقه المقارن يجد أنهم لم يعتبروا رأيه وقوله في خلاف أو وفاق، لم يكن هذا التجاهل منهم بسبب اختلافهم معه أو عدم احترام رأيه وفقهه، بل لأنه كان قاسياً شديد اللهجة في نقاشاته معهم، وهذا غير جائز ومخالف لمنهج العلم والعلماء الذي عهدوه والتزموه في خلافهم حتى لقد قيل فيه (سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان) .
ولكن الممكن والمطلوب هو الاتفاق على القواسم المشتركة التي تجمع بين المذاهب، والتسامح في شتى الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية . بل من الممكن لأتباع أي مذهب الأخذ برأي أي مذهب آخر في المسائل والفروع أو في بعضها، فقد ورد أن أبا يوسف (تلميذ الإمام أبي حنيفة) توضأ يوماً للصلاة، فأخبره أحدهم أن ماء الوضوء لم يكن طاهراً وفق مذهب أبي حنيفة، أما وفق مذهب الشافعي فهو طاهر، فصلى ولم يعد الوضوء .

د . تيسير التميمي
* قاضي قضاة فلسطين، رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً