يذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين في ص (29) من الجزء الثاني، بأن المعاصي ثلاثة أنواع:

نوع فيه الحد ولا كفارة فيه كالسرقة وشرب الخمر والزنا والقذف.

نوع فيه الكفارة ولا حد فيه كالوطء في نهار رمضان عند بعض الفقهاء، والوطء في الإحرام.

نوع لا حد فيه ولا كفارة مثل قبلة الأجنبية والخلوة بها، وأكل لحم الخنزير، وهذا النوع فيه التعزير، ويرى الجمهور انه على الإمام أن يعزر مرتكبي هذه المعاصي.

ويرى الشافعي رحمه الله تعالى بأنه أمر راجع إلى اجتهاد الإمام (الحاكم)، كما يرجع مقداره إلى اجتهاده أيضاً.

والتعزير وإن كان يحمل معنى التأديب إلا أنه غير التأديب وغير الحد وغير الكفارة وغير القصاص، لذلك فإن الفقهاء عرفوا التعزير بأنه عقوبة غير مقدرة شرعاً، تجب حقاً لله أو لآدمي في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالباً.

ولقد سئل الإمام علي كرم الله وجهه عن قول الرجل للرجل: يا فاسق يا خبيث، فقال: هن فواحش فيهن التعزير وليس فيه حد.

ويقول الدكتور وهبة الزحيلي في الموسوعة الفقهية في باب التعزير: ومن موجبات التعزير الجناية التي لا قصاص فيها، أو وطء الزوجة في الدبر، أو في أثناء الحيض، أو النهب أو الاختلاس، ولو قال شخص لآخر يا كلب يا خنزير يا حمار، لا يعزر في أصل مذهب الحنفية، لأنه قذفه بما لا يتصور، وقال بعضهم بأنه يرجع إلى عرف ذلك العصر.

أقول: وهذا هو الرأي المناسب، وإلا فإن ثلثي أهل هذا العصر وجب تعزيرهم، وهذا غير معقول طبعاً.

والتعزير بما أنه من حق الإمام أو نائبه، فإنه قد يكون بالحبس، وقد يكون بالقتل سياسة، ويكون التعزير بالمال أيضا، وعلى سبيل المثال فإن فقهاء الحنفية أفتوا بقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة قتلاً سياسياً، والعلماء متفقون على وجوب قتل المسلم إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً (الآية رقم 57 من سورة الأحزاب).

والغرامات التي تفرضها حكومات اليوم على المخالفين في المجالات المرورية أو في الأسواق أو في غيرها من باب التعزير المالي، وقد قسم ابن تيمية العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام: الإتلاف والتغيير والتمليك.

وقسمها ابن القيم إلى قسمين: نوع مضبوط وهو ما يقابل الشيء المتلف، ونوع غير مضبوط ومتروك لاجتهاد الإمام بسبب المصالح.

والتعزير يشمل كل عاقل ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافراً، بالغاً أو صبياً عاقلاً.

والتعزير إذا قلنا بأنه من حق الإمام أي الحاكم، فإن المالكية والحنابلة يرون أنه حق واجب لله تعالى، فلا يجوز للحاكم تركه إذا رآه مطلوباً.

أما الشافعية فقالوا: من حق الإمام، لكن اقامته ليست واجبة إذا لم يتعلق به حق لآدمي، لأنه متروك لاجتهاده أصلاً، وقد ورد في الحديث ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود (رواه أحمد وأبو داود والنسائي)

وورد أيضاً ان رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: أصليت معنا؟ قال: نعم، فتلا عليه قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات (رواه البخاري ومسلم).

والحنفية قالوا أيضاً بأنه راجع إلى الإمام فيما حق هو لله، وأما حقوق الآدميين فواجب فيها التعزير.

وفي المقابل يجوز للزوج أن يؤدب زوجته الناشز، وللأب أن يؤدي ابنه من أجل تربيته.

moc.enilnoferA.www