ثقافة التعويضات ظاهرة جديدة على المجتمع الإماراتي، أسهم في انتشارها ازدياد الوعي القانوني الذي دفع الكثيرين ممن تعرضوا لأضرار صحية، ونفسية، وحتى معنوية الى اللجوء لساحات القضاء طلباً لتعويض يوازي ما أصابهم من ضرر. وتنوعت القضايا بين دعاوى السب والقذف، والإساءة للسمعة، وتعويضات الأخطاء الطبية والحوادث المرورية وغيرها.

وللوقوف على مثل هذه الظاهرة رصدنا عدداً من القضايا وطرحناها للمناقشة مع الخبراء فكان هذا التحقيق.

من بين القضايا التي شهدتها الإمارات في مجال التعويضات قضية أقامتها مواطنة من عجمان ضد مركز تحاليل تقدمت إليه لإجراء تحاليل طبية، إلا أنه أكد أنها مصابة بالإيدز وهو ما يثبت عكسه بعد ذلك، فرفعت دعواها للمطالبة بالتعويض هي وأسرتها عما أصابهم من أضرار مادية ومعنوية ونفسية كادت تودي بها الى الموت.

الحالة نفسها تكررت مع أحد الوافدين في أبوظبي حينما أجرى تحليلاً طبياً وظهر به إصابته بالإيدز بخلاف الواقع، فقام بمقاضاة المعمل وحصل على التعويض المناسب، وأغلق المعمل نتيجة هذه القضية.

قضية أخرى، رفع أحد أولياء الأمور دعوى تعويض ضد المدرسة الخاصة التي ألحق ابنه بها، لافتاً الى أنه سمع بناء على ما قيل إنها من أفضل المدارس، إلا أنه اكتشف عكس ذلك، فطالب المدرسة بتسليمه الملف الشخصي لابنه وتعويضه بمبلغ مليون درهم، وقال إنه أدخل ابنه المدرسة وتبين أنها بعد بدء الدراسة على غير المستوى المعلن عنه مما يعد خداعاً وغشاً له.

وفي المقابل، أقامت المدرسة دعوى طالبته فيها بسداد 11400 درهم رسوم دراسة مستحقة على نجله و500 ألف درهم كتعويض عن إساءته للمدرسة والإضرار بسمعتها، ولا تزال القضية منظورة أمام المحاكم.

وتعد الحوادث المرورية من أبرز مصادر قضايا التعويضات، ونتيجة الحادث المروري الضخم الذي وقع على طريق دبي - أبوظبي العام الماضي، دفعت شركات التأمين تعويضات وصلت الى مائة مليون درهم.

وفي حالة أخرى برأس الخيمة وبسبب الحيوانات السائبة التي تسببت في حدوث حوادث مرورية كثيرة أودت بحياة الكثيرين، طالب عدد من سكان رأس الخيمة بتعويضات عما أصاب سياراتهم نتيجة اعتراض هذه الحيوانات والمواشي طريقهم، وتوقيع أقصى عقوبة على أصحابها بسبب الإهمال.

حالة أخرى لطالبة مواطنة رفعت دعوى تعويض ضد مدرستها بسبب وجود تلاعب في نتائجها وعدم إلحاقها ضمن الطلاب المتفوقين والسفر ضمن بعثات خارجية مما سبب لها أضراراً نفسية ومادية نتيجة لعدم إلحاقها بالبعثة وتأخرها دراسياً، وطالب والدها بتعويض مليون درهم، وإلى الآن تنظر القضية في المحكمة.

ليس عيباً

الدكتور جاسم علي الشامسي عميد كلية القانون بجامعة الامارات، أوضح أن ثقافة التعويضات بدأت تنتشر داخل المجتمع الإماراتي خلال السنوات الماضية، بسبب انتشار وسائل الإعلام، وتوضيح أهمية هذه التعويضات، في حصول المجني عليه على حقه، على الرغم من رفض البعض في الماضي المطالبة بالتعويض، حيث كان يعتبر من العيب أن يطلب الشخص تعويضاً نتيجة أي ضرر لحق به.

ويؤكد د. الشامسي أن التعويض مطلب شرعي حثت عليه الشريعة الإسلامية وقانون المعاملات المدنية في الإمارات، في حالة التعرض للأذى بمختلف أنواعه، موضحاً أن من يتسبب في أي خطأ لأي شخص سواء كان الخطأ طبياً أو مادياً أو معنوياً، فعليه تعويض المتضرر بالمبلغ الذي يطلبه شرط أن يكون في حدود المعقول وحسب الضرر، وحسب حكم المحكمة، لافتاً إلى أن القانون يكفل لأي شخص طلب التعويض الذي يراه مناسباً.

ويقول د. الشامسي: هناك تفرقة في التعويضات حسب نصوص العقد المبرم في حالة وجود عقد بين الطرفين، مثل حالة دخول مريض المستشفى وإلحاق ضرر طبي به، وبالتالي فإنه في حالة إصابته بأي ضرر، فعليه اللجوء إلى القضاء وطلب التعويض، وهو ما يسمى التعويض عن الضرر العقدي، وأوصى قانون المعاملات المدنية الإماراتي بطلب التعويض لأعلى مبلغ ممكن، وفي حالة طلب التعويض ضد القتل يدفع القاتل الدية والتي تقدر ب 200 ألف درهم.

ويضيف: في حالة الفصل التعسفي من العمل يحق للعامل طلب تعويض حسب قانون المعاملات التجارية، ويطلب التعويض متمثلاً في عدم سداد الراتب، أو فصله تعسفياً دون أسباب حيث يحق له التعويض بناء على عقد العمل.

الدكتور أحمد علي السيد أستاذ قانون المرافعات في جامعة الإمارات أوضح أن قضايا التعويضات أصبحت موجودة في المجتمع الإماراتي بسبب زيادة الوعي القانوني لدى الأفراد، وانتشار كثير من القضايا والخلافات على الساحة الإعلامية، وفي نطاق المجتمع بشكل كبير، إضافة إلى أن القانون كفل للفرد الحق في رفع دعوى قضائية للتعويض ضد من أضر به وألحق به أذى، وليس معنى ذلك أنه من الممكن لأي فرد أن يقوم برفع دعوى تعويض ضد أي شخص إلا إذا كانت هناك أسباب مقنعة للمحكمة.

ويشير إلى أن أكثر القضايا التي يحكم فيها بتعويضات كبيرة هي قضايا التعويضات عن الأخطاء الطبية والإساءة للسمعة والسب والقذف، لافتاً إلى أن مثل هذه النوعية من الأضرار لابد أن تكون بالغة الضرر ولها آثار مترتبة عليها، وتكون أحدثت أذى واضحاً كعاهة مستديمة.

ويلفت د. السيد إلى أن هناك شروطاً قانونية يجب تحديدها عند طلب التعويض، وهي أن يكون الضرر وقع بالفعل، حيث لا يحق للمتضرر اللجوء الى القضاء إلا إذا كان هناك ضرر فعلي وقع عليه ويتوقف ذلك على قناعة المحكمة بالقضية.

من جانبه يقول ناصر هاشم المحامي إن قضايا التعويضات أصبحت متأصلة داخل المجتمع بصفة عامة، وأن حالات التعويض التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام تدل على وعي الناس بحقوقهم القانونية، وما يجب عليهم أن يقوموا به لاسترداد حقوقهم.

ويلفت إلى أن كثيراً من قضايا التعويضات أثبتت أنها ناتجة بسبب الأخطاء الطبية وقرارات الفصل التعسفي في العمل، وفي احدى القضايا التي قمت برفعها ضد احدى الشركات لفصل أحد المحاسبين حصلنا على تعويض وصل إلى 300 الف درهم، لأن الشركة فصلته من دون أسباب.

ويوضح هاشم أنه لا يوجد سقف معين للمطالبة بالتعويضات فهو يطلب بالتعويض حسب الضرر.