بعيداً عن ثقافة الاستهلاك وحب التبذير، تقف دوافع طبيعية وراء تباهي الإنسان بشراء الأغلى، وهذه ليست ثقافة خاصة بالمجتمعات العربية أو الخليجية كما يعتقد البعض، فهي منتشرة في جميع المجتمعات، في هذا الإطار، لا يتردد البعض في دفع 20 ألف درهم لشراء هاتف ذهبي سيخرج ما هو أحدث منه، أو دفع 12 ألف دولار مقابل وجبة عشاء معلقاً برافعة، ما دام ذلك يترك أثراً نفسياً طيباً في داخلهم، وقد يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، فيتناول حبة شيكولاتة يفوق سعرها ثمن حجر الياقوت، ولسان حال هؤلاء يقول: ليس المهم ما ادفعه لشراء هذا الشيء، ما دمت الوحيد الذي أملكه، وهذا يحسن مزاجي ويشعرني بسعادة غامرة .
يبدو الأمر من وجهة نظر ناصر عويس، موظف في دبي، طبيعاً جداً، ويتساءل؟، ألا يرغب كل واحد منا بشراء الجديد والافتخار بما يملك وحتى الاستعراض به؟ ويجيب: بلى، لأن ذلك يشعر الإنسان بالسعادة والتميز، وهذا ما يحسن مزاجه، وبالتالي يشعر بالرضا عن نفسه . ولكن لنعترف أيضاً بخطأ ارتكبناه في مجتمعاتنا العربية، إذ ركزنا كثيراً على التباهي بالأشياء المادية والمظاهر، ونسينا العمل على الصفات العميقة في داخلنا، التي تجعلنا فخورين بأنفسنا بشكل اكبر . ويضيف: لا اعتقد أن الناس في كل مكان ستتوقف عن شراء الجديد أو التباهي بما هو أغلى، لأنه بالفعل يولد إحساساً مختلفاً، وينعش الحياة على المستوى الشخصي .
يتفاخر الإنسان بامتلاك الأغلى، لأن ذلك يجلب له الشهرة، هذا ما يقوله منصور شريف، من واقع تجربته الشخصية، ويضيف: من يشتري ساعة وملابس ونظارة من علامات غالية، والسيارة التي يركبها من أغلى ما يكون، خاصة إذا وضع عليها رقماً يبهر الناس في الشارع، يشتري في الحقيقة السمعة التي ستجلبها له المباهاة خصوصاً أنها تتطلب توفر الاكتفاء المادي، وهذا غير متوفر للجميع . وأنا دائماً أرغب بشراء الأشياء ذات القيمة المادية العالية، ومن الطبيعي أن أفتخر بها أمام الجميع لأنها تميزني، وتولد لدي شعوراً يشكل سنداً نفسياً عميقاً لي ومصدراً قوياً للسعادة والرضا . ويشير إلى ان حب التفاخر بما هو أغلى والتباهي صفة ملازمة للإنسان، وهي لا ترتبط بالمادة فقط، لذلك نجد الإنسان أحياناً يحول حتى القراء أو شراء كتاب بمبلغ زهيد أو كتابة قصيدة إلى وسيلة للتفاخر .
ويوضح أن التعليم، على سبيل المثال، قد يتحول إلى مجرد شهادة للاستعراض أو دروس خصوصية في معهد عالمي للتفاخر .
القصة التي يرويها محسن سليمان، تؤكد أن امتلاك المقتنيات المبهرة، التي يدرك الناس قيمتها المادية، تعطي للإنسان نشوة، ففي إحدى المرات زار صديقاً له في إحدى الدول الأوروبية، وأثناء تجولهما في الشارع بسيارته الفارهة التي وصلته حديثاً، كان الجميع ينظر إليهما، فشعر بالتميز . ويقول: عندما وضعنا السيارة في موقف أحد مراكز التسوق المعروفة، بدأ الناس بالتجمهر حولها، والتقاط الصور التذكارية بالقرب منها، بالرغم من أن عناصر أمن المركز وضعوا طوقاً حول السيارة لحمايتها .
ويضيف: على الرغم من أنني لست مالك السيارة، ولا يحق لي التفاخر بها، فإن السعادة ومجموعة المشاعر المميزة التي انتابتني حينها، دفعتني لأطلب من صديقي الخروج دائماً بالسيارة نفسها .
يقول معن أرشيد، مستثمر في مجال العقارات في دبي: التباهي يولد شعوراً بتميز الإنسان عن غيره، وهذه صفة ليست فردية مرتبطة بالأشخاص فقط، بل موجودة بين الشركات وأصحاب رؤوس المال، وربما بشكل أكبر وأعمق، من خلال التباهي بالحصول على أسهم في شركات محددة ذات سمعة عالمية، أو التنافس على شراء عقار معين، والتفاخر به . ويقول: ليس معيباً أن أفتخر أمام الكل بالقول أو بالفعل، فذلك بالنسبة لي نجاح لم يحققه الآخرون، وهذا الشعور الذي يوفره لي هذا التميز محكوم بقواعد أخلاقية، فلا أفعل ذلك حباً بالتقليل من شأن من يمتلك الأقل، أو على حساب الأهل والنفس، كما يفعل البعض ذلك عن طريق القروض .
أما راشد محمد أبو شهاب، موظف في مؤسسة دبي للإعلام، فيقول: حسن الصورة الاجتماعية مطلوب بالنسبة لي، ولكن من دون مبالغة تضيع الحقوق الأخرى، فمن يبالغ في اهتمامه بصورته أمام الآخرين على حساب حياته الشخصية والأسرية كمن يلبس أفخر وأغلى الملابس والمجوهرات، أو يتفاخر بسفره في عطلة نهاية الأسبوع بطائرة خاصة لتناول العشاء على شاطئ محدد، يولِد العديد من الأمراض الفردية والاجتماعية، ويضطر مع مرور الوقت إلى إرضاء الآخرين بكل الوسائل خوفاً من الانتقاد، إذا لم يستمر في شراء الأغلى دائماً . ويضيف: الإنسان الناضج يعرف أن قيمته في نفسه، ولكي يحترمها ينبغي أن يترفع عن الكذب والنفاق والدجل والتمثيل وأن يفعل ما يرضي الله عز وجل، فإذا عرف ذلك لا يمكن أن يبالغ في الاهتمام بصورته الاجتماعية لدى الآخرين، ولا يمكن أن يظل هاجسه كلام الناس عنه . قد لا يبدو مبلغ 1000 درهم ضخماً يدعو للتفاخر به، ولكنه يتحول إلى ذلك عندما يكون ثمناً لشراء حبة شوكلاته صغيرة .
هيفاء السويدي، موظفة في دبي، اعتادت، كما تقول، زيارة محل في دبي فيستفال سيتي، لشراء قطعة من الشيكولاتة الفاخرة مقابل 1000 درهم، ويشعرها التهامها بسعادة مميزة، ولا سيما عندما تتفاخر صديقاتها بين الجميع بأنهن تناولنها بصحبتها، والسبب، بحسب رأيها، أن قطعة الشيكولاتة هذه لها مزايا فريدة لا تتوفر دائماً، إذ يستورد المحل مكوناتها من نيويورك .
يتفاخر راشد عيسى المنهولي، بتناوله العشاء في أعلى مطعم بالعالم، ولا يعتبر ذلك تعالياً أو انتقاصاً من الآخرين، وإنما يفعله، حسب رأيه، لميزة المكان وغرابته وانفراده بالتجربة في محيطه، ويقول: الدخول إلى برج خليفة الأعلى في العالم يشكل بحد ذاته تجربة فريدة، يفتخر بها كل من يتوفر له ذلك، فكيف إذا تناولت العشاء على ارتفاع 442 متراً في الطابق ال122 . ويشير إلى انه في البداية أقدم على ذلك بغاية التجربة في بداية افتتاح المطعم، ولكن فيما بعد بدأ يتفاخر بذلك، لا شعورياً بين أصدقائه، ويصف لهم الأجواء التي تشعر الإنسان بأنه يتناول طعامه على متن رحلة إلى الفضاء .
منذ أن عرضت شركة في لندن هاتف آي فون 5 المطلي بالذهب، أصبح حديث الشباب والفتيات في العالم، ووضعه علي عبدالله زيد، صاحب عدة متاجر في دبي، هدفاً لشرائه في أول فرصة، حتى يتباهي بين أصدقائه وفي الأماكن التي يتواجد فيها، بالحصول عليه . ويقول: التفاخر بشراء الأغلى هوس لا أستطيع التخلي عنه، فهو يقدم لي شعوراً بالتفوق والتميز عن الآخرين، وسعادة لا توصف . ويضيف: عندما صدر جهاز الآي فون 5 العادي في الأسواق، وقف العالم في طوابير طويلة للحصول عليه، ولكني قررت التميز عنهم بشراء النسخة الذهبية الأغلى في العالم . بعد أن عرضها محل في دبي مول، بسعر 500 .18 درهم، وبالنسبة لي هذا ثمن زهيد مقابل النشوة التي اشعر بها بين الناس عندما يروني مالكاً لأغلى هاتف في العالم .
توضح د . عنود المطوع، اختصاصية الطب الوقائي والأسرة، أن داخل كل إنسان الرغبة في أن يرى نفسه أقوى وأفضل من الآخرين، ولا شيء أسهل في هذه الحالة من استخدام الفلل أو السيارات والمجوهرات كي تعكس مثل هذا التفوق، وتقول: لذا، فإن الشاب الذي يستعرض بمثل هذه الأفعال يحاول أن يرى نفسه ويجعل الآخرين يرونه بصورة الرجل الثري التي تعني القوي والمقتدر وصاحب النفوذ . مثل هذا السلوك لا يختلف عن الكثير من التصرفات التي نراها في حياتنا اليومية، فهناك دائماً شيء يبحث عنه الإنسان للاستعراض به . فإذا لم يكن لديه المال، قد يتفاخر بحجم بيته وديكوراته، أو عراقة المنطقة التي يسكن فيها، وإذا لم يمتلك لا هذه ولا تلك، سيستعرض ويتفاخر بعلاقاته وصداقاته التي يمكن أن توصله لكل شيء . المرأة الموظفة، على سبيل المثال، تستعرض على الأخريات بأهمية منصبها أمام العاطلات، أما العاطلات فيسعترضن بوظائف أزواجهن ونجاحات أبنائهن، أما الأبناء فسيستعرضون بما تملك العائلة من شركات واستثمارات، جوهر الفكرة أنه يوجد دائماً ما نريد الاستعراض به .
ويؤكد عبد الوهاب السعيد، صاحب متجر للمجوهرات في الشارقة، أن طلب بعض الزبائن يصل إلى حد الغرابة، فبعضهم يطلب ترصيع قلم من علامة معروفة بالألماس، على الرغم من أن ثمن القلم وحده يفوق 30 ألف درهم، أو تشكيل حقيبة من علامة تعتبر الأغلى في العالم، بأحجار كريمة، أو ترصيع زجاجة عطر فرنسية .
ويشير إلى أن المشترين أصبحوا لا يهتمون بجودة العمل ودقته، بل بسعره وعلامته التجارية، لذلك أصبحت الأدوات التكنولوجية من أكثر المقتنيات التي تسيطر على أدمغة المتفاخرين، وهو السبب الذي دفع بمحلات وصانعي المجوهرات إلى إجراء تعديلات على هذه الأجهزة بشكل فريد يرضي ذوق النخبة .
عشاء معلق
ليست أجواء الفخامة والتباهي فقط ما تدفع البعض إلى التفاخر بما هو أغلى، فهناك من يدفع في بريطانيا 12 ألف دولار في وجبة عشاء يتناولها، معلقاً برافعة!، وفقط لأنها تجربة لا تنسى، والوجبة تشمل: الموسيقا، التوصيل بسيارة فاخرة من وإلى المنزل، وخدمة الأمن . نفس هذه التجربة قدمتها مجموعة اسكوب السياحية في السعودية، مع تفاوت قيمة العشاء، عندما أنشئ مطعم معلق في الهواء على ارتفاع 50 متراً ويتسع ل 32 شخصاً، مقابل 350 ريالاً للشخص الواحد .
أغلى نظارة
تنافس إماراتيان مع روسي على شراء أغلى نظارة شمسية في العالم، وهي مزينة بحبات ألماس، وأحجار كريمة وضعت بشكل يشبه الطريقة الكلاسيكية في ترصيع المجوهرات . وعرض أحد الإماراتيين مليوناً و750 ألف درهم لشراء النظارة، فهي بحسب محمد عبد الرحيم الفهيم، الرئيس التنفيذي لمجموعة متاجر باريس غاليري، يعتبرها البعض قطعة فنية فريدة، ومبعثاً للفخر، لأنه لم يصنع مثلها من قبل .
قلم روائي
شهدت السوق الإماراتية طرح أغلى قلم حبر في العالم، يقدر ثمنه ب400 ألف درهم، من إصدار شركة إيطالية تتخذ من دبي مقراً إقليمياً لها، وهو مصنوع من المعادن الثمينة ومزين بالألماس والذهب، أطلق عليه قلم باولو كويلو، تكريماً للروائي البرازيلي صاحب رواية الخيميائي، التي ترجمت إلى 71 لغة وسجلت بموسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد بيع أكثر من 65 مليون نسخة، كأكثر الكتب مبيعاً على مر التاريخ .
شيكولاتة بثمن منزل
من المعتاد ان تصل تكلفة قطعة من الشيكولاتة تزن 100 جرام من النوع الفاخر إلى نحو 6 يورو، ولكن هناك من يعشق التفاخر بأكثر من ذلك، فيطلب تصنيع قطعة شيكولاتة، يعادل ثمنها تكلفة منزل جميل في أحد الأحياء الراقية في بافاريا . هذا ما كشف عنه صانع الحلوى العالمي أندرياس إيبل، عندما تلقى طلباً، لإعداد هدية الكريسماس لأحد زبائنه، وهي عبارة عن قطعة من الشيكولاتة الخاصة، مصنوعة من 65% من حبوب كاكاو تزرع في جزيرة فانواتو في المحيط الهادئ، بينما تتكون الحشوة من الكريمة بنسبة دسم تبلغ 5 .33% ، مع الأناناس المهروس من كوستاريكا خصيصاً، والزعفران من إسبانيا، ومغطى بشيكولاتة بيضاء من جمهورية الدومينيكان، إضافة إلى منكهات نادرة تعود إلى عام 1986 . والقطعة مغلفة بحلقة من الذهب عيار 18 قيراطاً وبداخلها قطعة من الألماس النادر، لتكون التكلفة النهائية 385 ألف دولار .
"كيك" بالذهب
لم يعد الذهب مرتبطاً بالزينة فقط، عند النساء، فبإمكانهن من الآن وصاعداً التهامه أيضاً، بعد ان أطلق محل بلومز بيري للحلويات في دبي مول، كب كيك الأغلى في العالم، وهو مطلي بذهب فرنسي عيار 23 قيراطاً، ومصنوع من أجود أنواع الزبدة والفانيليا البريطانية، والكاكاو الإيطالي، والثمن فقط 3700 درهم . دفع هذا المبلغ لا يخول المشتري تأمل القطعة طويلاً، فالشرط الأساسي للتمتع بمذاقها قبل أن تذوب، هو تناولها في مدة زمنية لا تزيد عن 15 دقيقة، بحسب ما ينصح به المحل زبائنه .
حقيبة ماسية
أغلى حقيبة نسائية في العالم سعرها 8 .3 مليون دولار، ما كشفت عنها سلسلة متاجر للمجوهرات، في مركز دبي مول، وهي مطعمة بأكثر من 4500 قطعة من الألماس الأبيض والأصفر والوردي، واستغرق صنعها من أمهر صناع المجوهرات في فرنسا 8800 ساعة عمل، وهذه الحقيبة ليست للعرض والتباهي فقط، فقد تلقى المتجر طلبات رسمية لاقتنائها .