حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .
من شأن المسلم الحق أن يفكر تفكيراً عاقلاً هادئاً متزناً بعيداً عن التعصب وأن يقوده هذا التفكير الهادئ المنطقي إلى العمل والإنتاج دون عجلة تؤثر في جودة هذا العمل أو تكاسل يؤدي إلى تأخير الأعمال .
طاقة الإبداع
يقول الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية: العمل في منظور الإسلام قيمة إنسانية خلاقة يتوقف عليها إعمار الكون واستمرار الحياة، واستخلاف الإنسان، ومن دون العمل لا يكون للإنسان قيمة ولا للحياة معنى، لأن قيمة الإنسان بعقله وجهده وكفاحه، إذ العقل هو الدرة التي منّ الله بها عليه، وجعله مفضلا على جميع المخلوقات، وبالعقل استحق الكرامة الإنسانية، وأن تكون حياته معصومة، وحرماته مصونة، وهو لم يعط كل ذلك لمجرد وجود العقل، وإنما لأن العقل يمثل طاقة الإبداع فيه، وبه يستطيع أن يعمل عملاً نافعاً في حياته، وأن يتعاون مع الآخرين من أجل صناعة الحضارة وتحقيق الرخاء .
ويبدو من القراءة المتأنية للآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة التي تحدثت عن العمل، أنه مطلوب لذاته، وبصرف النظر عما يدره من عائد مادي للعامل، فالقادرون على العمل يجب عليهم أن يعملوا حتى لو كان العمل لا يحقق لهم المستوى المادي الذي يرجونه، كما يجب عليهم أن يعملوا حتى لو كان لديهم فائض مادي يكفي معيشتهم ويقضي حوائجهم، وقد ترجمت الموروثات الثقافية المقبولة عند هذا المعنى، بما اشتهر عن اليد العاطلة من العمل قصدا مع قدرتها عليه: إنها نجسة .
والإسلام يهتم بالعمل ويقدره ويثني على العاملين المخلصين، وكلمة الإحسان ومشتقاتها قد وردت في القرآن الكريم أكثر من مئة وثمانين مرة، وبالنظر في حديث القرآن الكريم عن العمل وإحسانه، نجد أن العمل المطلوب في الإسلام يجب أن يكون عملا صالحا، وأن هذا العمل الصالح يجب أن يكون نابعا من معين الإحسان الذي يراقب العامل فيه ربه، ويؤدي العمل وهو في رقابة ذاتية من نفسه وضميره، مؤمنا في قرارة نفسه أن الله يراه، فإذا لم يكن يراه، فإنه يراه، كما جاء في الحديث الشريف .
وإتقان العمل كما يقول الدكتور رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر مطلوب شرعا فكل تعاليم الإسلام المتعلقة بالعمل والإنتاج تحث على الإتقان والإجادة، وهذا الإتقان يحقق للإنسان منفعتين إحداهما في الدنيا، حيث يحصد الإنسان ثمرة جهده وكفاحه وعمله المتقن . وإحداهما في الآخرة حيث يكافئه الخالق عز وجل على إجادة العمل وإتقانه فالله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه العزيز: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد .
ويشير الدكتور العوضي إلى أن ثقافة إتقان العمل وإنجازه على أفضل وجه من ناحية مستوى الأداء ووقت الإنجاز هي في حقيقة الأمر قيمة إسلامية رفيعة . . لكن للأسف الواقع المعاش في العديد من الدول العربية والإسلامية يشير إلى غير ذلك، خاصة إذا ما قارنا مستوى الأداء في مختلف قطاعات العمل بين ما يحدث في عالمنا الإسلامي وما يحدث في مجتمعات أوروبية وآسيوية احترمت العمل وأعطته ما يستحق من وقت وجهد وإخلاص وحققت بذلك نهضة علمية وصناعية وطفرة كبيرة في الإنتاج وجعلتها الآن في أمان في ظل الكوارث والأزمات الاقتصادية المتلاحقة .
التسرع آفة
ويوضح الدكتور العوضي أن التؤدة، التي هي قيمة إسلامية مطلوبة، لا تعني أبداً تأخير إنجاز الأعمال والتكاسل عن أداء الواجبات وإهدار قيمة الوقت، فالمسلم مطالب بإنجاز العمل المطلوب في الوقت المطلوب وبالمستوى المطلوب، لكنها تعني أن يأخذ العمل حقه من الجهد والوقت، فالتسرع في الأعمال كما هو آفة كثير من الناس الآن يفقدها قيمتها ويفرغها من مضمونها، والعامل الذي ينجز عمله على عجل مثل الطالب الذي يستذكر دروسه على عجل، ومثل هذا الطالب لا يمكن أن يتفوق لأنه لم يفهم جيداً، ولم يعد نفسه للامتحان كما ينبغي، والنتيجة هنا معروفة: الرسوب في الامتحان أو النجاح بأدنى التقديرات . وفي كل الأحوال لا فائدة من العلم . كما أنه لا فائدة من عمل يؤديه صاحبه على عجل كأنه كابوس يريد أن يتخلص منه أو واجب ثقيل على النفس يريد أن يؤديه بأي شكل من الأشكال .
ويشير أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر إلى أن العديد من الدراسات التي رصدت مستوى أداء الأعمال في بلادنا العربية والإسلامية مقارنة بها في مجتمعات أخرى قد كشفت عن حقائق مؤلمة، فالمسلمون يهدرون وقت العمل في ما لا يفيد، حيث وصل وقت العمل الفعلي للموظف في إحدى الدول العربية إلى 36 دقيقة في اليوم من بين ثماني ساعات مخصصة للعمل . . كما أوضحت إحدى الدراسات أن 36% من الموظفين يتهربون من أعمال بأعذار مرضية أو ظروف اجتماعية، وأن 48% من الموظفين يتغيبون عن العمل دون إذن أو ترتيب مسبق، وأن 16% من الموظفين والعاملين يعودون إلى بيوتهم يوميا دون القيام بعمل يذكر!
خلق أصيل
يحدثنا الدكتور نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة، عن قيمة التؤدة أو التأني التي غابت عن حياة كثير من المسلمين الآن . . ويقول: من الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في كل أموره إعطاء كل ذي حق حقه . . فهو في عبادته يؤديها بتمهل وتأنٍ وإتقان، فإن كان مصليا صلى في خشوع وخضوع لله رب العالمين، فقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته، ولم يمجد الله عز وجل ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: عجلت أيها الرجل، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلاً يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ادع تجب وسل تعط ولذلك كان على المسلم ألا يتعجل إجابة الدعاء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول: دعوت الله فلم يستجب لي .
والتأني الذي يحث عليه الإسلام كما يوضح الدكتور غنايم ليس سلبية ولا تكاسلا ولا تأخيرا للواجبات ولا تأجيلا لعمل اليوم إلى الغد، كما قد يفهم بعض الناس، لكن الوعي بخصوصيات العمل، والحرص على إنجازه بأفضل الطرق وأعلى مستويات الأداء . . فهذا هو المقصود الحقيقي من التؤدة أو الأناة التي يحث عليها الإسلام ويرغب فيها، والتي اعتبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل الصفات والخصائص التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، بل اعتبرها جزءا من خصائص النبوة . . قال عليه الصلاة والسلام السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، وقال عليه الصلاة والسلام لأحد الصحابة إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة . . وقال عليه الصلاة والسلام الأناة من الله والعجلة (التسرع في غير موضعه) من الشيطان .
لكن هناك عجلة مطلوبة، وهي الإسراع في أعمال الخير، فإذا أراد المسلم أن يفعل خيرا كان عليه أن يسرع به ولا يتأخر، لأن عمل الخير لا يحتاج إلى أناة أو تؤدة.