من عظمة القرآن الكريم أنه بعد أن يستعرض الظواهر الكونية وما تفيض به من حقائق علمية تراه غالبا يختتم النص الكريم بأن ذلك كله من تقدير(العزيز العليم) ولنتأمل الآيات التالية:
فَقَضَاهُن سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُل سَمَاء أَمْرَهَا وَزَينا السمَاء الدنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (فصلت 12)
وكما في النص التالي إِن اللّهَ فَالِقُ الْحَب وَالنوَى يُخْرِجُ الْحَي مِنَ الْمَيتِ وَمُخْرِجُ الْمَيتِ مِنَ الْحَي ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الليْلَ سَكَنًا وَالشمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنعام 95 - 96) وقوله سبحانه: وَآيَةٌ لهُمْ الليْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النهَارَ فَإِذَا هُم مظْلِمُونَ * وَالشمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَر لهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (يس37-38) فماذا يعني التقدير في اللغة العربية؟
يقول ابن منظور في كتابه لسان العرب: التقدير على وجوه من المعاني: أَحدها التروية والتفكير في تسوية أَمر وتهيئته، والثاني تقديره بعلامات يقطعه عليها، والثالث أَن تَنْوِيَ أَمراً بِعَقْدِك تقول: قَدرْتُ أَمر كذا وكذا أَي نويتُه وعَقَدْتُ عليه، ويقال: قَدَرْتُ أَي هيأْت وقَدَرْتُ أَي أَطَقْتُ وقَدَرْتُ أَي مَلَكْتُ وقَدَرْتُ أَي وَقت .
وهنا لا بد من وقفة تأمل أمام ختام الآيات الكريمة بتأكيد الجمع بين التقدير وبين العلم، فهو إشارة واضحة إلى أن المخلوقات جميعا إنما أوجدها سبحانه وتعالى وهيأها لتؤدي أدوارا مرسومة لها وفقاً لتقدير علمي متقن . فها هي تؤدي أدوارها بكل دقة وانضباط وإلا لما استمرت تلك الظواهر لملايين السنين . . مصداقا لقوله تعالى وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ فَقَدرَهُ تَقْدِيرًا (الفرقان2)
وبنظرة متفحصة لمصطلح (التقدير) سنجد أنه لا يخلو من معاني الاقتدار غير المحدود على خلق المخلوقات وفق أسس علمية متقنة، بدليل أن الله تبارك وتعالى قد قرنه بصفات العزة والعلم (ذلك تقدير العزيز العليم)، وبذلك فالكون كله بسماواته الواسعة وما تضم من كواكب لا حصر لها وأرضه الرحبة وجبالها وسهولها ومياهها وما يعيش فيها من كائنات حية كثيرة مقدر تقديرا علميا في غاية الإتقان لتستمر المخلوقات بهذه المواصفات التي هي عليها اليوم .
ولو حاولنا تعريف (التقدير) بالنسبة إلى الكائنات الحية بشكل مبسط وفقا للتعابير والمصطلحات العلمية فسيقع ضمن معاني إخراج الكائن الحي مؤهلا لتأدية مهام معينة في الحياة، وبذلك فهو قادر بما آتاه الله من صفات خلقية على تأدية تلك المهام وما دور الجينات الوراثية عن هذا التعريف ببعيد .
وسأسوق لقارئي الكريم مثالا من الحياة النباتية، فعملية الإنبات تتم بصورة دقيقة جدا في جميع البذور الذي تلقى في الأرض على اختلاف أنواعها بغض النظر عن وضع البذرة التي تستقر عليه في الأرض، فالساق لا تغير اتجاهها ولا الجذر مهما تقلب وضع البذرة ولو حاولت قلب البذرة لأي عدد من المرات ووضعت الساق متجهة نحو الأسفل والجذر نحو الأعلى وكأنهما يتلوان عليك قوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ليذكراك بأن لكل منهما وظيفة قدرها سبحانه أن يؤديها ولذلك فهو يسعى دوما للقيام بها .
عملية الإنبات هذه ترتبط بتكوين هرمونات في النبات وبالجاذبية الأرضية، والهرمونات النباتية معروف أنها تعمل بتراكيز متناهية في الصغر (تقاس بجزء من مليون) فتأمل عظمة الخالق ودقة صنعه وإتقان تقديره الذي بناه على أسس علمية ووفقا لهذا فالأرض مقدر حجمها ووزنها وقوة جاذبيتها للأجسام والنبات مقدر له أن يبني هرموناً معيناً لكي يستطيع الساق النمو والاتجاه إلى الأعلى والقيام بعملية البناء الضوئي التي تتطلب وجود ضوء الشمس والجذر هو الآخر مقدر له أن يؤدي دوره في امتصاص الماء والعناصر الغذائية من الأرض فهو يتجه إلى الأسفل لتأدية دوره، ومن البداهة فإننا لولا ذلك التقدير لما استطعنا (على الأقل) إنتاج المحاصيل الزراعية ومنها المحاصيل التي تمدنا بالمواد الأساسية كالمواد الغذائية والأنسجة بهذه الكثرة وبهذه السهولة .
لقد وجد الإنسان أن كل الكائنات الحية قادرة على توريث جميع صفاتها ونقلها بشكل متناهٍ في الدقة إلى الأجيال المتعاقبة دونما تغيير فيها وهذا لا يمكن أن يتم إلا وفق أسس وقواعد علمية غاية في الدقة، هذا التوريث لا يعدو كونه وجها من وجوه التقدير الإلهي المتقن وهو يدرس اليوم في الجامعات تحت عناوين من علوم الوراثة .
اللهم إنا نشهدك ونشهد حملة عرشك أنك أنت الله الذي قدرت كل شيء تقديراً علمياً ليحمل كل ما في هذا الكون أسباب البقاء والديمومة ولولا هذا التقدير لما استمرت الحياة .
باحث علمي