من الطبيعي أن يتأثر الإنسان بما حوله وبمن حوله من أشخاص وأحداث، فالإنسان المتوازن يتأثر ويؤثر، وأحياناً يترجم التأثر بالآخرين تقليداً لتصرفاتهم وثيابهم، وهذا يعد نوعاً من التكيف الاجتماعي أو القدوة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقليد إلى منهج حياة، دون وعي أو تقييم لمدى مناسبته للشخص المقلد، ففي هذه الحالة يتحول الأمر إلى تقليد أعمى وهو المعنى المرضي للتقليد، لأنه لا يقوم على منطق أو تفكير عقلاني، وإنما هو انجراف لسلوك قد يناسب صاحبه، ولكنه لا يناسب الجميع .
وفي هذه الآونة يمكن أن ننسب القدر الأكبر من هذا السلوك إلى الشباب، أو إلى الأغلبية منهم، وأن نرجع هذا إلى التأثر المباشر بالثقافات المستوردة التي تتقاذف عليهم من كل صوب، بفضل تكنولوجيا الاتصالات، ووسائل الإعلام، ولكن إذا كان الانبهار هو سبب تقليد الشباب لأزياء وصيحات الغرب، فما هو الدافع وراء التقليد حتى في السلوك؟ وهل وصل التقليد إلى حد التأثير في طموحات وأحلام هؤلاء الشباب .
فقيه شعبان طالب في كلية إدارة الأعمال قسم المالية، في الجامعة الأمريكية في الشارقة، شاب يعيش حالة الشباب، ويقر بأن الشباب بطبيعته مقلد، وأنه أحياناً عندما تعجبه شخصية معينة يجد نفسه يقلدها في بعض التفاصيل . ويقول: ممكن أن أعجب بشخصية مشهورة كإعلامي أو رياضي، وممكن أن أعجب بشخص في محيطي الاجتماعي سواء في الجامعة أم في الحياة عموماً، كأستاذ يدرسني مثلاً، أو قريب ناجح، وهذا الأمر يحدث مع كل الشباب تقريباً، وهو طبيعي في رأيي، لأننا لا نزال في بداية حياتنا، ونبحث عن هويتنا، ولهذا نتأثر بالشخصيات التي تمثل طموحاً لنا، ونتمنى أن نصبح مثلهم في نجاحهم، ولكن بعض الشباب يتجاوزون الحدود المعتادة، خاصة الشباب المهووسين بالفنانين أو المشاهير بشكل عام، لأنه في الأغلب يقلد الشاب إحدى هذه الشخصيات في الشكل، حتى من دون أن يفكر إذا ما كان هذا الاستايل سوف يناسبه أم لا، ولكنه لا يفكر نهائياً في المضمون، أو يحاول مثلاً أن يعرف كيف وصل هذا الشخص للشهرة، لأنه لا يرى إلا الجانب البراق منه .
وهذا ما تراه خديجة العايدي طالبة في كلية التقنية في جامعة الشارقة وهو أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن تأثر الشباب ببعض النماذج أغلبه تقليد أعمى، لأنه قائم على محاكاة الشكل في الأغلب دون التأثر بالجوهر، أو الاعتبار من قصص كفاحهم أو مجهودهم الذي أوصلهم إلى المكانة التي وصلوا إليها . وتقول: كل ما يأخذه الشاب المقلد هو قشور متمثلة في صيحات الشعر والملابس اللافتة للنظر لا أكثر، وأحياناً تكون هذه الصيحات لا تناسب شكله ولكنه يصر على تقليد المشاهير دون وعي .
ويرى أيمن الجلاد طالب في كلية الهندسة قسم ميكانيكا في جامعة الشارقة أن التقليد أصبح سمة غالبة على الكثيرين من الشباب قائلاً: تقليد الشباب لم يتوقف عند حدود الملابس أو قصات الشعر، ولكنه تعدى هذه التفاصيل لدى بعض الشباب إلى طريقة تفكيرهم نفسها، فأحلامهم وطموحاتهم وتخطيطهم لمستقبلهم أيضاً أصبحت أموراً تتجه في اتجاه التقليد، فأنا أعرف شاباً صار حلمه الأول هو أن يصبح مطرباً مثل المطرب الذي يعشقه، وهو يعتبره مثله الأعلى في كل شيء، وكلما غير اللوك الخاص به يغيره هو أيضاً، ليصبح شبهه، ولكن الشيء المضحك هو أنه ليست لديه موهبة أو صوت جميل نهائياً، لكنه موهوم بأنه موهوب، وكل ذلك بسبب التقليد من دون تفكير في إمكاناته الشخصية . وتوجد نماذج مختلفة أقابلها لشباب من المقلدين تقليداً أعمى، وفي رأيي أن الاقتداء بشخصية معينة يجب أن يكون بحدود، وفي الأشياء المفيدة التي تناسب قدراتنا وترفع منها، وليس تقليداً كل شيء دون تفكير .
حسين هارون طالب في كلية القانون في جامعة عجمان يعد التقليد ضعفاً في الشخصية وعدم ثقة في النفس، لهذا لا يميل إلى التقليد إلا في حدود ضيقة قائلاً: شخصياً لا أحب التقليد نهائياً، وأعتبره انعداماً في الشخصية، وأفضل أن أكون نفسي، لكن هذا لا يعني أنه ليس لدي أشخاص أعدهم قدوة، بالعكس أنا اقتديت بكثير من الشخصيات خلال سنوات حياتي أولهم والدي ومنهم أساتذة لي، ولكني لم أحاول أن أكون صورة لأحد، إلا أنني أستفيد من الجوانب الإيجابية فيهم .
وترى منية سعد طالبة في كلية الهندسة قسم ديكور في جامعة الشارقة، أن التقليد الأعمى كان سبباً رئيساً في الكثير من التغيرات السلبية التي طرأت على الشباب العربي، وذلك بسبب التأثر بالثقافة الغربية المنقولة إليه بأكثر من وسيلة .
أدهم إسماعيل طالب في كلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة عجمان يرى أن التقليد لدى الشباب حتى وإن كان تقليداً فهو لا ضرر منه، لأنه يعراه مرحلة عمرية ويقول: الشباب بطبيعته مقلد، ويحب بشكل خاص تقليد النماذج اللامعة التي تثير الإعجاب، وأعتقد أننا لسنا وحدنا كجيل من لديه هذه الميول، فهذه طبيعة الشباب يحب التجديد، والمحاكاة لكل ما يعجبه، ولهذا نجد من الشباب من يقلد المطربين أو الممثلين أو لاعبي الكرة، أو يقلدون الأزياء الغربية، والصيحات المبالغ فيها، وكل هذا في رأيي طبيعة سن، وهي مرحلة تنتهي مع الوقت، وينضج الشاب، وتصبح له شخصيته المستقلة، ويبتعد عن التقليد .
رامي خليفة طالب في كلية تكنولوجيا المعلومات جامعة عجمان، يرى أن التقليد ليس كله أعمى، وأنه أحياناً تكون له نتائج إيجابية، وخبرات يكتسبها الشباب، ويقول: ما يؤخذ على الشباب باستمرار أنهم يقلدون الغرب، وهذا الأمر يجعلني أتساءل ما هي المشكلة في هذا، أليس الغرب هو نموذج الحضارة والثقافة الذي تنقله إلينا وسائل الإعلام ليل نهار؟ فمن الطبيعي أن نتأثر به، ولكني كشاب أتحدث باسم الشباب، أؤكد أن جيلنا على عكس ما يقال عنه فهو جيل واعٍ، فنحن حتى وإن قلدنا نفعل هذا ونحن مدركون أنه مجرد رغبة في محاكاة شيء مختلف، ولكنها تجارب نحب القيام بها، وحتى إذا كان تقليدنا للغرب أحياناً فيه خروج عن عاداتنا، فهذا أيضاً يتيح لنا أن ندخل التجربة مبكراً، ونميز بأنفسنا الخطأ من الصواب .
د . خالد قاسم اختصاصي الطب النفسي والسلوكي، يفرق بين نوعين من السلوك، وهما التقليد الإيجابي، والتقليد السلبي قائلاً: التأثر بالآخرين وتقليدهم أحياناً هو أمر يمكن أن يصدر من أي إنسان، وفي حالة الشباب مسألة التقليد واردة أكثر، لأنه معرض بشكل أكبر للتأثر بالآخرين، كونه في مرحلة البحث عن الذات، وهذا يجعله ينتقي نماذج معينة، ويحاكيها، في محاولة لبناء شخصية مميزة له، وهو يقلد أكثر، لأن معلوماته وخبراته قليلة، لهذا هو معرض للتأثر بالآخرين خاصة الأكثر منه نضجاً، فيبدأ في البحث عن تقليدهم في الملبس والشكل والهيئة، وهذه نماذج نراها حولنا في الشباب أو الفتيات، فنجد فتاة تبذل مجهوداً كبيراً في تغيير شكلها وطريقة لبسها لتصبح قريبة الشبه بشخصية مشهورة، سواء مطربة أم ممثلة، وكل ما يهمها تقليد هذا المظهر، الذي يعطيها شعوراً وهمياً بالأهمية، وهذا لأن معلوماتها وخبراتها قليلة، وتعتقد أن تقليد المشاهير في المظهر يعطيها الشهرة نفسها والوضع ذاته الذي يستمتعون به، وهذا أيضاً بالنسبة إلى الشاب الذي يقلد مطرباً أو رياضياً شهيراً، فهو يفعل هذا للفت الانتباه، وإعطاء نفسه أهمية من خلال التشبه بشخص شهير، ولكن المحصلة أن التقليد في هذه الحالات هو بالفعل أعمى، لأنه ليس منه أية فائدة للشاب أو للفتاة، ومجرد تعلق بقشور لشخصيات وصلت إلى هذا النجاح من خلال موهبة ومجهود قد لا يكونان متوافرين لدى الشاب أو الفتاة المقلدين، وبالتالي هو تأثر بما لا طائل منه، ومقتصر على المظهر الخارجي ولكن في حالات أخرى يكون التقليد دافعاً للجد واكتساب المهارة، وهذا عندما يتأثر الشباب بشخصيات إيجابية مؤثرة تمثل قدوة للشباب، ودافعاً للاجتهاد، ليحققوا جزءاً مما حققوه، فهذا تقليد طبيعي، ومطلوب أيضاً، وفيه دافع إيجابي، من خلال تتبع مسيرة القدوة، دون محو الشخصية، لأنه لابد للإنسان أولاً أن يبحث في ذاته، وأن يفهمها، ويطورها، ثم لا مانع من أن يغنيها بما يناسبها من صفات وسلوكيات الآخرين .