تميز الإسلام الحنيف بإقرار حق التكافل الاجتماعي والإنساني لأفراد المجتمع الإسلامي بغض النظر عن العقيدة أو اللون أو الجنس باعتبار أن الناس جميعا هم خلق الله وانطلاقا من عمومية الرسالة الخاتمة. هذا التكافل نوع من تحقيق الاستقرار النفسي والسلام الاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع. وقد تعددت صور وأشكال ومصادر تمويل هذا التكافل قبل 14 قرنا مضت وحقق مجتمعا مثاليا لم تشهد الإنسانية مثيلا له.
في البداية يوضح د. محمد شوقي الفنجري أستاذ الاقتصاد الإسلامي ووكيل مجلس الدولة المصري سابقا أن التكافل الاجتماعي هو التزام الأفراد بعضهم نحو بعض وهو لا يقتصر في الإسلام على مجرد التعاطف المعنوي من شعور الحب والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل يشمل أيضا التعاطف المادي بالتزام كل فرد قادر بعون أخيه المحتاج.
الحقوق الأربعة
ويضيف الدكتور الفنجري: يتمثل الالتزام المادي للمسلم في ما يسميه الفقه الإسلامي بالحقوق الأربعة، وهي كما يلي:
أولاً: حق القرابة: وهو التزام المسلم الغني بالإنفاق على قرابته الوثيقة من الفقراء كأصوله وفروعه، حيث يعتبرون جزءاً منه ويلتزم شرعاً بهم، ومن ثم فإن إنفاق المرء على أولاده أو أحفاده أو والديه أو إخوته الفقراء لا يعفيه من أداء الزكاة، ذلك ان دفع زكاته إلى قرابته الوثيقة ممن يعتبرون جزءاً منه، يعتبر كأنه دفعها إلى نفسه فلا تجزيه وهو إن أسقط عنه حق القرابة فإنه لا يسقط عنه حق الزكاة، بخلاف القرابة البعيدة فيفضل أداء الزكاة إليها متى كانوا محتاجين لقوله صلى الله عليه وسلم: الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة.. وعليه أيضا فإنه بحسب الراجح لدينا لا يجوز للزوجة الغنية أن تحسب من زكاتها إعانتها المالية لزوجها الفقير ذلك أنها وإن لم تكن ملتزمة شرعا بالإنفاق عليه إلا أنه بحكم الزواج يعتبر جزءا منها وكأنها بذلك تعطي الزكاة لنفسها.
ثانيا: حق الماعون وهو إعارة الأشياء الصغيرة التي يحتاجها الجيران بعضهم من بعض فمانعها مستحق للويل كالساهي عن الصلاة المرائي.. لقوله تعالى: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون، ولا جدال أن المكلف لا يستحق الويل إلا على ترك واجب ومن ثم تكون إعارة هذه الأشياء واجبة.
ثالثا: حق الضيافة: وغايتها ثلاثة أيام لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة، فإكرام الضيف في حدود ثلاثة أيام واجب بدليل تعليق الإيمان عليه وبدليل جعل ما بعد الثلاثة أيام صدقة تطوع.
رابعا: حق الصدقة ويراد بها الصدقة الاختيارية فيما زاد على الزكاة المفروضة وهي تصير فرض عين في بعض الحالات كالنذور والكفارات.
حد الكفاية
والأخذ بالتكافل الاجتماعي هو من قبيل تطبيق النص وهذا ما عبرت عنه الآيات القرآنية الكريمة بقوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة وقوله سبحانه: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وقوله كذلك: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وتلخيصه عليه الصلاة والسلام علامة الإيمان بقوله: والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ويتمثل التكافل أو الضمان الاجتماعي في الإسلام في ضمان حد الكفاية لا حد الكفاف لكل فرد وجد في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته أو جنسيته، حيث تكفله له الدولة متى عجز عن أن يوفره لنفسه لسبب خارج عن إرادته كتعطل عن العمل أو مرض أو عجز أو شيخوخة ويختلف حد الكفاية هذا باختلاف البلاد بحسب ظروف كل مجتمع وزمانه فهو في ارتفاع مستمر بحسب تطور الزمن وتحول الكثير من الحاجيات بل والكماليات إلى ضروريات لا غنى عنها ومن ثم فإن حد الكفاية أي المستوى اللائق للمعيشة اليوم في أي بلد خلافه بالأمس.
وفي اعتقادي والكلام لا يزال على لسان د. شوقي الفنجري أن معيار الحكم في الاقتصاد الإسلامي على أية دولة في العالم ليس بمقدار ما بلغته من مستوى حضاري أو تكنولوجي أو ما تملكه من ثروة مادية أو بشرية ولا هو بمقدار ما يخص كل فرد من الدخل القومي، وإنما هو بالحد المعيشي اللائق الذي يتوافر أو تضمنه الدولة لأقل أو أضعف مواطن فيها لتحرره بذلك من عبودية الحاجة ومشاعر الحرمان والحقد مستشعرا نعمة الله راضيا متعاونا مع مجتمعه، وكما عبر عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه خلق الخلق لعبادته.
مؤسسة الزكاة
التكافل الاجتماعي يعتبر من أوليات الاقتصاد الإسلامي بل هو يعتبر في نظر الإسلام صميم الدين وأن مجرد إنكاره أو إهداره هو تكذيب لرسالة الإسلام لقول تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، وقوله سبحانه: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم. وقوله: أيما أهل عَرصَة أي حي أو جماعة أصبح فيها امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله.
ولم يكتف الإسلام بمجرد الدعوة إلى التكافل الاجتماعي وإنما أنشأ لذلك منذ 14 قرنا مؤسسة مستقلة هي الزكاة التي هي بالتعبير الحديث مؤسسة الضمان الاجتماعي، ولم يقف دور مؤسسة الزكاة على مجرد سد حاجة الفقير العاجز بل إعطاء فرصة العمل للقادر عليه فكثيرا ما أعطى الفقير ما يمكن أن نسميه برأسمال ليبدأ تجارة ينميها أو يشتري آلات لصناعة يعرفها.
كذلك لعبت مؤسسة الزكاة في العهد الإسلامي الأول دورها في تخفيف الأعباء العائلية ومن ذلك ما قرره سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه بإعطاء كل مولود مائة درهم ويزيد العطاء كلما نما الولد.
ومن المعروف أن نظام الضمان الاجتماعي حديث في عالمنا الحاضر فهو نتاج صراع الطبقات وثمرة المشكلات الاجتماعية المتولدة عن الثورة الصناعية والتطور الاقتصادي. بخلاف الأمر في الإسلام الذي قرره منذ 14 قرنا كضرورة حتمية للقضاء على البؤس والفقر وتحرير الإنسان باسم الدين من عبودية الحاجة.
ولقد أوضح الفقهاء القدامى كما يضيف د. شوقي الفنجري وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية سبب اهتمام الإسلام بالضمان والتكافل الاجتماعي ممثلا في مؤسسة الزكاة بأنه لا يمكن أن تستقيم العقيدة وتنمو الأخلاق إذا لم يطمئن الفرد في حياته ويشعر بأن المجتمع الإسلامي يقف معه ويؤمنه عند العجز أو الحاجة.
وسائل التطبيق
ولا شك أن تحقيق التكافل الاجتماعي هو من أهم تطبيقات العدل بمعناه الاجتماعي والاقتصادي ولذلك يقوم المجتمع الإسلامي على التضامن الاجتماعي ويحارب الأنانية ويقتل الحقد الطبقي مصداقا لقوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، كما يؤكد د. صوفي أبو طالب (رئيس مجلس الشعب المصري سابقا) مشيرا إلى أن التآخي في الإسلام وما يتولد عنه من تكافل اجتماعي ليس مجرد عاطفة وجدانية بل هو نظام قانوني يحكم العلاقات بين الناس دون تمييز بينهم بسبب المولد أو اللون أو الثروة أو الجاه.
وقد حدد الإسلام عدة وسائل قانونية لتحقيق التكافل الاجتماعي، وناط بالدولة مسؤولية تحقيقه امتثالا لقوله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.
ومن وسائل تحقيق التكافل الاجتماعي التزام الدولة بتوفير الحاجات الأساسية للمجتمع وهو نظام شبيه بنظام التأمينات الاجتماعية المأخوذ به الآن، وكذلك ما يعرف حاليا بدعم الدولة للسلع والخدمات الضرورية للمجتمع.
وقد اعتبر الفقهاء هذا الالتزام من فروض الكفاية ويسمى هذا الفرض باسم دفع ضرر المسلمين فالدولة تلتزم بتوفير الحاجات الأساسية للمجتمع من مأكل وملبس ومسكن وإجراء الرزق على المحتاجين وتوفير العمل المناسب لهم، فالأصل أن نفقة العاجز عن الكسب تقع على أقاربه المقتدرين وعند عدم وجودهم تجب على بيت المال إعمالا للحديث الشريف: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا وعلينا فإن عجز بيت المال عن ذلك وجب هذا على الأغنياء إعمالا للحديث الشريف: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم ما يسع فقراءهم. وهو واجب إضافي بجانب الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم: إن في المال حقا سوى الزكاة بل إن الفقهاء المتأخرين أباحوا لولي الأمر أن يوظف أي يفرض ضرائب على الأغنياء بما يراه مناسبا لمواجهة نفقات الدولة إذا خلا بيت المال من الأموال.
التكافل الإنساني
ولم يكن التكافل الاجتماعي خلقا خاصا بالمسلمين وحدهم فإنه يعم كل أفراد المجتمع الإسلامي على اختلاف دياناتهم ويتمتع به كل من يعيش على أرض الدولة الإسلامية بمقتضى رعويته للدولة الإسلامية وكونه مواطنا يتمتع بالجنسية الإسلامية وانطلاقا من أن الرسالة المحمدية جاءت للناس أجمعين: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وقوله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا.
وهذا كما يؤكد د. سيد عبد الرحيم مهران أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي نوع من البر الذي أمر الله به المسلمين في معاملة غير المسلمين: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، ومن البر بهم القيام بحاجاتهم وتوفير سبل المعيشة لهم فإنهم مواطنون أحرار يتمتعون بالكرامة الإنسانية والنص يتعلق بغير المسلمين الذي هم خارج الوطن الإسلامي فكيف بمن هم رعايا هذا الوطن ومن النسيج الاجتماعي فيه وممن يتحملون هموم الوطن ويساهمون في تنميته؟
وعلى نهج من تلك النظرة المنصفة سن رسول الله صلى الله عليه وسلم إقالة عثرة المحتاجين منهم، واتبع الصحابة هديه، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر وهو في طريقه إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فأمر بأن ينفق عليهم من بيت المال وبأن يجعل لكل واحد منهم من يقوم على خدمته ويدبر شؤونه وهو وفاء بحق مقرر لهم وتوقير لإنسانيتهم وإكرام لمواطنتهم، ودعما لذلك المسلك وتأكيدا له نقل عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه مر بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إنه نصراني فقال: استعملتموه حتى كبر، وعجز منعتموه أنفقوا عليه من بيت المال.