يعد التكافل الاجتماعي من أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع في الإسلام والتي تضمن سعادته وبقاءه في إطار من المودة والأمن والوحدة والسلام .
والمعنى اللغوي للتكافل هو الانضمام ضم ذمة إلى ذمة لتتقوى إحداهما بهذا الضم، وبالمعنى المبسط أن كل فرد قادر من أفراد المجتمع يتعين عليه عون أخيه المحتاج حتى يضمن له على الأقل المستوى الأدنى من الحياة الكريمة، وضمان وجود الاحتياجات الأساسية وذلك لجميع أفراد المجتمع من دون تفرقة .
التكافل لا يعني فقط الشعور بالتعاطف والوقوف عند هذا الحد، بل يجب أن يصاحبه الفعل الإيجابي .
وقد أكد العلماء أن التكافل الاجتماعي ينقسم إلى قسمين: قسم مادي، وقسم معنوي، فالتكافل المادي هو المساعدة المادية بالأموال كي ينقل المحتاج من حالة الفقر إلى حد الكفاية أو حد الغنى كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا أعطيتم فأغنوا، وكما قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم .
أما التكافل المعنوي فيأتي في صور أخرى كثيرة، لأن احتياج الإنسان لا يقتصر فقط على الاحتياجات المادية، ولكنه يتضمن أشكالاً أخرى مثل النصيحة، الصداقة، الود، التعليم، المواساة في الأحزان، وغيرها من أشكال العطاء .
وأوضح العلماء أنه يوجد فرق في المعنى بين كلمتي التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي رغم تشابههما: فالضمان الاجتماعي هو التزام الحاكم نحو رعيته أو باللغة المعاصرة التزام الحكومة نحو شعبها، فالسلطة يجب أن تحرص على إبقاء الحد الأدنى من المعيشة اللائقة للشعب وتوفير المساعدة لكل من يحتاج إليها .
ولقد أوضح الإسلام أن المال الذي وهبه الله لعباده ليس ملكاً خاصاً لهم، إنما هو ملك لله تعالى، وذلك يستدعي ألا ينفق المسلم ماله كما تلهمه أهواؤه، وإنما يكون إنفاقه حسب التعاليم التي أتى بها الله تعالى، إذ الإسلام يوضح أن الكون كله بمن عليه هو ملك لله وليس للبشر، قال الله تعالى: ولله ملك السماوات والأرض، وكون المال ملكاً لله فهو أمانة في يد الإنسان إلى أن يسأل عنه يوم القيامة، ومن أهم الأساسيات التي حث عليها الله تعالى في جميع رسالاته الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وقال تعالى: ولا يحسبنّ الّذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة .
وقد وصل إلزام الإسلام للمسلم بأن يعطي أخاه المحتاج إلى حد أنه إذا لم تكف الزكاة والصدقات، فعلى المجتمع ككل أن يشارك بعضه بعضاً في الكفاف، قال الله تعالى: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وقال الرسول صلى الله عليه وسلّم: ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم، وقال عليه الصلاة والسلام: أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله، وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف .
وقد أوجد الإسلام وسائل عديدة لكي يتحقق التكافل الاجتماعي منها: الزكاة، والصدقات، والوقف الذي يعدّ صدقة جارية، والديات والكفّارات والنذور .
وتؤدي الزكاة دوراً مهماً في تحقيق التكافل، وهي كما وصفها الكثير من العلماء مؤسسة الضمان الاجتماعي، لإنها إلزامية ولها مصارفها وقيمتها المحددة .
وقد ضرب الخليفتان عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنهما، أروع الأمثلة التي أوضحت كيف أن الحاكم الصالح يستطيع أن يحقق العدل والرخاء لأمته من خلال الأمانة والعدالة الفائقة في توزيع أموال الأمة .
* رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا - لبنان