كثيراً ما تتردد عبارة (التمكين في الأرض) على ألسنة كثير من الناس من المؤمنين الصادقين، أو من هؤلاء الذين يتاجرون بالدين ويتمسحون به ويتخذونه وسيلة لتحقيق مكاسب دنيوية .
فماذا تعني كلمة (تمكين)؟ ومن هم الذين يمكنهم الله في أرضه ويسخرهم لعمارة الأرض وتحقيق مصالح الناس؟ وهل يمكن الله هؤلاء الذين يتاجرون بدينه ويرفعون شعارات دينية كاذبة؟
والتمكين يعني: القدرة، وبهذا المعنى ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، ففي سورة (الحج) يقول الله تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" . ووردت في الحديث عن ذي القرنين في سورة (الكهف) في قول الحق سبحانه: "إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً" .
قوله تعالى في سورة (الكهف) أيضاً: "قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً" .
ووردت كلمة (تمكين) بالمعنى ذاته في سورة (يوسف) في قوله تعالى: "كذلك مكنا ليوسف في الأرض" .
وفي مجال العقيدة وعلم الكلام نجد لفظ القدرة "التمكين" لا يبتعد عن هذا المعنى وإن كان يستعاض عنه بلفظ القدرة عند المعتزلة ويقترب من مفهوم الكسب عند الأشاعرة، كما نجد معنى لفظ (التمكين) متضمناً في لفظ (الممكن) عند الفلاسفة مقابلاً للواجب منسوباً إلى لفظ الوجود، فممكن الوجود هو الموجود بالقوة، أما واجب الوجود فهو الموجود بالفعل .
ثم ينقسم واجب الوجود إلى قسمين: أحدهما واجب الوجود بذاته وهو الله عز وجل، أما واجب الوجود بغيره فهو ماعدا ذلك من الموجودات .
والسؤال المهم هنا: متى يتحقق الوعد الإلهي للمسلمين بالتمكين في الأرض؟ وما ضوابط وشروط هذا التمكين؟
يقول العالم الأزهري د . أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر: رسالة الإنسان على ظهر هذا الكوكب ليست شيئاً هيناً ولا يسيراً، ولكنها استخلاف في الحياة، وقيام بمهام لها أصول ثابتة، ومحكمة بحكم إلهي عادل، ولا يمكن الله في الأرض إلا من كان صادق الإيمان مخلصا في عقيدته، جادا في عمل الصالحات، على هدى ونور كما قال الله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" .
ويوضح د . هاشم أن القرآن الكريم حدد ركائز التمكين في الأرض في قوله سبحانه وتعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" .
وقد نقل عن عثمان بن عفان قوله: فينا نزلت "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"، فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا "ربنا الله" ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي .

ركائز التمكين

وركائز هذا التمكين تتمثل كما يقول د . هاشم في توثيق الصلة بين الخلق وخالقهم، وإقامة الصلة الدائمة بينهم وبين الله تبارك وتعالى بالصلاة، التي هي عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، وبالصلاة تنتفي الفحشاء ويختفي المنكر عن الإنسان، ويصبح نقي السلوك والسيرة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا ما اختفت المعصية من المجتمع، وتعالت نداءات الحق، ودوت كلمة التوحيد بين أرجاء البلاد، وأصبحت أصوات المآذن متلاقية على كلمة الحق "الله أكبر"، وتجمع الناس حول هذا الشعار، فلا شك في أنهم بهذا يتوحدون ويتجمعون على الخير، ويصبحون يدا واحدة لا ترهب عدوا ولا تخشى بأسا، ولا تخاف في الحق لومة لائم .
ومن ركائز التمكين إيتاء الزكاة وفي إيتائها تطهير للمال، وتطهير لنفس الغني من آفة الشح ورذيلة البخل وتطهير لنفس الفقير من الحقد والكراهية، "خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها" .
وحقيقة كل من الصلاة والزكاة كما يقول د . هاشم أنها عنوان لصلة العبد بربه، في القيام بما وجب على المسلم من الفرائض، وعنوان على صلته بالمجتمع الإسلامي، تكافلا وتضامنا، وفي هاتين الفريضتين عنوان للطاعة لله سبحانه وتعالى، والإصلاح في المجتمع، والبعد عن الرذائل، ومحاولة إزاحة كل فساد فيه، وربط الإنسان بربه في صلة دائمة مستمرة، لا تنقطع في كل يوم وليلة، وصلة دائمة مستمرة لا تنقطع كلما أفاء الله على عباده من خير ورزق .
ومن ركائز التمكين في الأرض أيضا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم . يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون" .

منهج خير أمة

ويشير عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر إلى أن القرآن الكريم يرشدنا إلى مكانة أمتنا كخير أمة أخرجت للناس، فهي لم تؤت هذه الخيرية إلا لتمسكها بدينها، ولحملها راية التوحيد في الأرض وبقية الإيمان فيها دعوة بالخير والحق، وتثبيتا لأصول الإيمان الصحيح بالله الواحد الأحد أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وإقامة للدين، وحراسة لحدوده، وذوداً عن حماه .
وقد توعد الله تعالى الذين يتخلون عن إقامة دينه، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر بحياة بائسة في الدنيا ومصير مظلم في الآخرة فقال سبحانه: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى" .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده . فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض . ثم قال: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون . ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون"، ثم قال: "كلا، والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرأ أي لتعطفنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم" .

استشراء الفساد

ويؤكد د . هاشم أن الخالق سبحانه لا يمكن فاسدين ولا منحرفين، لذلك فإن ظهور الفساد واستشراءه وانقطاع الخير عن العباد بسبب ما اكتسبته أيديهم، قال سبحانه: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس"، فما يحدث من القحط وقلة الزرع والضرع والنبات والخيرات، وشدة الحاجة بين الناس فإنما هو بسبب ما اقترفوه من المعاصي . وفي ترك الشر والمعصية، ومقاومة الأشرار والأخذ على أيدي العصاة إصلاح للمجتمع . ومع الطاعة والإقبال على الله، زيادة في الخير والرزق .
ما كان سبباً في ترك المعاصي، وكف الناس عن المعاصي وكف الناس عن الجرائم والشرور كإقامة الحدود وتطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذ أحكام الدين هو في الحقيقة خير يعود على البلاد والعباد . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً" .
وهنا يؤكد د . هاشم أن ما نعانيه في بلادنا العربية والإسلامية من مشكلات وأزمات وكوارث هو نتيجة طبيعية لانصرافنا عن هداية السماء، فالله سبحانه وتعالى يختبر عباده "ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"، وعقابه لهم جزاء على ما صنعوا وما ارتكبوا، وقد يكون ابتلاء لهم، ابتلاء في الأموال أو الأنفس أو الثمرات لعلهم يهتدون ويرجعون عن المعاصي . وقد وجه القرآن الكريم أنظار الناس إلى السير في الأرض والنظر فيها بعين الاعتبار ليعرفوا ما حدث للذين من قبلهم "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين"، وهذا الذي حل بهم من هلاك وابتلاء، حتى كانت بيوتهم خاوية، كان ذلك بسبب تكذيبهم وكفرهم بالنعم التي أنعم الله بها عليهم .

طريق الحياة الطيبة

وإذا كان ربط الصلة بالله على أساس متين، وربط الصلة بالمجتمع، والدعوة إلى الخير من ركائز التمكين في الأرض؛ فإن هناك أسساً أخرى لا تقوم سعادة الفرد أو الجماعة، ولا الذكر ولا الأنثى، ولا الأسرة أو الهيئة أو المجتمع أو الأمة إلا على أساسها، وقد حددها القرآن الكريم وجعل منها نظاماً إلهياً يربط به سعادة الفرد والجماعة قال سبحانه: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" .
ومن هنا نرى أن الله عز وجل يوفر لعباده أسباب الحياة الطيبة، وهي السعادة والاستقرار والأمن والتمكين في الدنيا . أما في الآخرة فإن لهم جزاءً وافراً على ما كانوا عليه من إيمان واستقامة، وهذا الجزاء ليس بمقدار ما كانوا يعملون ولا أوسط ما كانوا يعملون، ولا أدنى ما كانوا يعملون، وإنما هو جزاء "بأحسن ما كانوا يعملون" .
ومن أهم أسباب السعادة والتمكين، ما تحدث عنه القرآن في قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى . وما يغني عنه ماله إذا تردى"، وهكذا نرى كيف سعى الناس في الحياة، فمنهم من يتجه إلى ما فيه الخير، فيزداد بالخير والحسنى، ومنهم من يتجه بغير الخير، فيتردى في العسرى، ويؤكد القرآن الكريم الوعد الحق بالحياة الطيبة وبالسعادة والتمكين، وبالرغد في العيش لمن استقاموا على الجادة وساروا على هدى الله ونوره، بأن الله سبحانه وتعالى يزيل عنهم كل أزمة أو ضائقة ويدفع عنهم كل بلاء وكارثة، ويأتيهم بالرزق من كل مكان وينزل عليهم بركات من السماء والأرض . قال سبحانه: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" . وقال تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً . ويرزقه من حيث لا يحتسب" .
وتكشف السنة الشريفة مع كتاب الله تعالى عن أسباب الكوارث والضائقة المالية أو الضائقة النفسية، وما يصيب الإنسان، وأن لذلك سبباً مباشراً، وهو عصيان الله وعدم الاستقامة على منهج الحق، وذلك بارتكاب الذنوب . يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "والذي نفس محمد بيده، ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" .