التملق صعود سريع وسقوط أسرع

البعض يفضله في علاقاته الاجتماعية والمهنية
00:26 صباحا
قراءة 7 دقائق

#187;الغاية تبرر الوسيلة#171; مبدأ شهير يبيح للبعض استخدام كل الطرق والسبل للوصول إلى مبتغاه، ولا فرق في نوعية هذه الطرق سيئة كانت أم جيدة، فالمهم هو تحقيق الغاية المنشودة التي في النهاية لن تقل سوءاً عن الطريق الذي أوصل إليها، ولعل التملق هو أحد هذه الطرق وأكثرها شيوعاً، فالولد يتملق لأبويه كي يحقق مآربه، والطالب يتملق لأستاذه كي يحسن علاماته، والموظف يتملق مديره حتى يحظى بالترقيات والمكافآت، فما الذي يدفع إلى ذلك؟ وما كيفية التعامل مع المتملقين كان لنا التحقيق التالي:

يرى أيمن صالح ، مندوب علاقات عامة، أن التملق صفة الفاشلين الذين لا يستطيعون أن يحققوا بقدراتهم ما يطمحون إليه فيلجأون إلى التذلل والتمسح بالمدير، لعلهم ينالون شيئاً من الحظوة لديه، يقول: #187;أعمل في شركة للتدريب المهني، وأغلب العاملين فيها هم من حملة الشهادة الجامعية، واختارهم المدير بناء على مقابلات شخصية أظنها كانت جيدة، إلى أن أتى يوم وتم توظيف شخص لا يحمل من الشهادات شيئاً، إلا أنه يمتلك ما هو أهم من الخبرة، وهو القدرة على استلطاف المدير وإضحاكه، وتسيير الأمور من تحت الطاولة كما يقولون، فقد كان يمتلك من الدهاء القدرة على الحصول على التراخيص وتسيير المعاملات بسرعة كبيرة، ولم يكن عمله ينحصر بشؤون الشركة فحسب، بل كان يتعداه إلى شؤون منزل المدير، فقد كان يشتري له الأغراض ويوصلها للبيت، وفي حالات الصيانة كان هو من يتصل بشركة الصيانة ويحثها على الإسراع .

يضيف: يبدو أن طريقته هذه آتت أكلها، فما هي إلا فترة قصيرة حتى أعلن المدير العام بأن الموظف المتملق أصبح مديراً للتسويق، كنا في قرارة أنفسنا نعلم بأنه قرار خاطئ من قبل المدير، فالتزمنا السكوت على مضض، وما هي إلا أيام قليلة حتى انكشف المستور بعد أن تبين للمدير العام بأن هذا المتملق ما هو إلا رجل فاسد، فقد اكتشف أنه يعقد صفقات باسم الشركة لحسابه الخاص#171; .

أما سعد عبد الخالق، موظف إداري في إحدى الشركات الإعلامية، فيرى أن التملق صفة بشرية حالها حال جميع الصفات الأخرى . يقول: #187;الإنسان هو مجموعة من الصفات النفسية، كالخجل والعناد والسعادة، فهي صفات محمودة ما دامت في حدودها الطبيعية، ولكنها إن زادت عن حدها فسيكون لها نتائجها السلبية، فالتملق هو التودد إلى شخص ما بهدف إرضائه والوصول إلى مكانة لديه، لكن إن زاد هذا التودد ليكون هدفه الاستغلال المحض والوصول إلى الغايات فهذا مرفوض تماماً، وفي أيامنا هذه انتشرت هذه الظاهرة، ففي ظل الأوضاع الاقتصادية السائدة وقلة فرص العمل وكثرة الباحثين عنه، بات الناس يعمدون إلى شتى الوسائل والسبل للحفاظ على كراسيهم على أقل تقدير، ومن هنا لجأ الجميع إلى عدد من الطرق للحفاظ على أماكنهم في العمل، فمنهم من راح يزيد مهاراته وخبراته من خلال اتباع دورات تدريبية في عدد من المجالات، ومنهم من لجأ إلى طرق ملتوية، كالحفر لمنافسيه في العمل، أو التودد والتقرب من المدير لدرجة التملق، وهي النتيجة الأكثر شيوعاً في هذه الأيام، وذلك لسهولتها وقلة تكلفتها#171; . ويرى أن التملق ليس محصوراً بالموظفين فحسب، بل إن المديرين يتملقون لموظفيهم في بعض الأحيان: ويضيف: #187;الشائع أن الموظف هو من يسعى لكسب ود مديره بغية الحصول على مكاسب شخصية، لكن هذا لا يمنع العكس بأن يتملق المدير إلى موظف، وخصيصاً إن كان من الجنس الآخر، إما من خلال تقديم الهدايا أو الترقيات أو الحوافز المالية المجزية التي لا يحلم بها الموظفون الآخرون بالرغم مما يمتلكونه من مقومات الموظف الناجح#171; .

عمار رمضان محاسب في شركة عقارية، ويقول: #187;تكثر هذه الظاهرة في الوظائف الحكومية، في بعض الدول العربية، فالوساطة هي المعيار الأهم في التوظيف في تلك الدول، ومن هنا نجد أن المدير يحرص على إرضاء الموظف الجديد لديه، إذ أنه كما يقولون مسنود، ولديه من يدعمه، فهو بذلك يسعى لإرضاء تلك الشخصية من خلال كسب ود هذا الموظف#171; . ويعتقد أنه لا بأس من بعض التملق، فهو يمنع الكثير من الصدامات ما بين الموظفين أو ما بين الموظف والمدير، ويضيف بالقول: #187;من الجميل أن يكون الشخص معتزاً بنفسه، واثقاً بقدراته، لكن هذه الثقة قد تكون صادمة في بعض الأحيان، وقد لا تعجب البعض، سواء كانوا موظفين عاديين أو مديرين، فإن تتعامل معهم بطريقة رسمية بحتة خالية من أي نوع من أنواع الاستلطاف سيولد لديهم شعوراً سلبياً، قد يخلق مشكلات في العمل، فأنا أرى أنه لا ضير من محاباة المدير أو الموظفين ببعض الكلمات المنمقة أو إسداء بعض الخدمات خارج أوقات العمل بما لا يتعارض من الأخلاقيات، وبذلك تكون أسست لعلاقات طيبة مع الجميع، الأمر الذي يحسن من جو العمل ويجعلك أكثر قدرة على الإنتاج والإبداع'' .

أما عصام محمد ويعمل مندوب علاقات عامة في شركة تجارية فلا ينفي عن نفسه صفة التملق، ويقول: #187;عندما كنت في الجامعة كنت مضطراً للعمل كي أوفر نفقات دراستي، في محل للحلويات، و مهنة البيع والشراء تحتاج إلى التعامل بشكل جيد مع الزبون حتى يعود للشراء مرة أخرى، وهذا التعامل يكون من خلال الحديث اللطيف والطريف وبعض المديح، ويبدو أن هذا العمل أثر في طريقة تعاملي مع جميع من حولي، حتى مع أصدقائي أو زملائي في العمل وصولاً إلى المدير العام، فأنا لا أتوقف عن المديح وإلقاء بعض الكلمات المحببة، وهو الأمر الذي يرى فيه البعض تملقاً رغم تأكيدي لهم أن ما يصدر مني مجرد كلام عفوي ليس له أهداف شخصية، إلا أن أغلب من معي في العمل لم يغيروا نظرتهم في، فهل المطلوب مني أن أكون جافاً حتى أكون مثالاً للموظف العصامي، وديننا يحث على التعامل بلطف لكن ضمن الحدود المعقولة، ودون أن يكون الهدف من هذا اللطف هو تحقيق مكاسب شخصية#171; .

أما أحمد طاووسي وهو موظف في مصرف فيرى أن أغلب أعمالنا هذه الأيام نقوم بها في سبيل تحقيق مصلحة شخصية، لكنه يفرق بين أن يكون ما نقوم به هو عمل جيد أم سيئ يقول:#187;كل ما نقوم به نهدف من خلاله لتحقيق مكاسب شخصية، فأنت تعمل كطبيب لتعالج الناس ولتوفر لقمة عيشك ولو أن الطب لا يضمن المستوى المادي الجيد لما عملت به، حتى الصدقات وأعمال الخير نهدف من خلالها إلى مرضاة الله تعالى ونأمل بالوصول إلى الجنة، وهو هدف شخصي مشروع، والتملق هو إحدى الطرق التي نهدف من خلالها للوصول إلى ما نريد، لا أستطيع وصفها بالطريقة الصحيحة أو الخاطئة الصحيحة، فهناك من المديرين من يحب هذا النوع من طرق التواصل، يحب المديح، ويمقت من لا يبدي له الاستلطاف والتقدير، فلو أني أحب عملي كيف سأتصرف مع مدير من هذا النوع، هل أعرض نفسي لفقدان وظيفتي لمجرد قناعتي الشخصية بأني ضد أي نوع من أنواع المجاملات، أم أنطق بعدد من الكلمات المهذبة اللطيفة التي لا تسيئ لأحد، لا تخالف الواقع، كأن أمدح أناقة المدير، أو ذوقه الجيد في اختيار أثاث المكتب وغيرها من العبارات التي تكسر الحاجز ما بين الموظف ومن هم أعلى منه#171; .

محمد أحمد طبيب أسنان، يشعر بالضيق عندما يرى أن هناك من يتودد إليه بغية الوصول إلى مآرب شخصية فقط، لا لشخصه ويقول:#187;كل إنسان يحب أن يمدح لما فيه، وهذا ما لا نستطيع إنكاره، لكن هذا المدح قد يكون مزعجاً إن كان يهدف إلى بعض المكاسب، ويكون التملق أكثر إزعاجاً في حال مدحت بما ليس فيك، ليكون التملق ممزوجاً بالكذب لتعرف أن من يقف أمامك هو شخص انتهازي كذاب#171;، ولا يرى أن التملق منوط بالعلاقة ما بين الموظف والمدير بل يتعداها إلى أشكال كثيرة، ويقول الابن يتملق ويحابي والده بغية الحصول على لعبة ما أو ليصحبه إلى مكان ما، كما أن الشخص قد يتقرب منك ويتودد إليك ويصفك بما فيك وبما ليس فيك حتى توافق على تزويجه أختك أو ابنتك، ونجد هذه الظاهرة منتشرة بين طلاب الجامعات فنجد الطالب الغني وقد التف حوله عدد من الطلاب الذين يسعون لأن ينالوا لديه حظوة، ولينفق عليهم مما جاد به الله على والده#171; .

الدكتور حسام عرفة الخبير في الموارد البشرية، يرى أن التملّق والملقُ آفةٌ من آفات التواصل الاجتماعي، ومن الشائع أنها تسود مجتمعاتنا أكثر من المجتمعات الغربية، على الرغم مما جاء في الحديث الشريف:#187;ليس من خُلُق المؤمن المَلَقُ#171;، والمَلَقُ لغةً هو الوُدّ واللطف الشديد، وصولاً إلى الترفّق والمُداراة . ويقول: التملّق على المستوى الشخصي الاجتماعي غير محبذ، لكنه على المستوى العملي المهني أكثر ضرراً بكثير، ذلك أنه يشير إلى ثقافة عمل غير ناضجة كما ينبغي؛ بل تشوهها الشخصانية وغياب الموضوعية وقلة النزاهة، الأمر الذي يترتب عليه من الأضرار الكثير، ليس أقلها #187;الشِلَليّة#171; والعلاقات المختلة التي تحل محل العلاقات المهنية السويّة، وتستدعي بالضرورة غياب الموضوعية والنزاهة في تقييم الأفراد وبالتالي مناصبهم، ولا تقيم شأناً للحقوق والواجبات والمسؤوليات كما ينبغي . . فالمُتملق غالباً ما يلجأ للتملق لأغراض الارتقاء الوظيفي، أو طمعاً في بناء علاقات تؤمن له امتيازات أو تعفيه من الواجبات، وأحياناً بدافع الخوف من تسلط الإدارة والمديرين، وهو إذ يفعل ذلك إنما يقر ضمناً بعجزه عن بلوغ أهدافه بالطرق القويمة عبر الجدارة والاستحقاق#171; . أما عن طرق التخلص من هذه الآفة الاجتماعية فيقول عرفة: #187;التصدي لهذه الظاهرة السلبية يقع على عاتق المديرين بالدرجة الأولى، إذ ينبغي لهؤلاء أن يحرصوا على ثقافة عمل تنبذ مثل هذه الظواهر الشاذة وتقوم على التواصل العفوي الشفاف مع مرؤوسيهم من دون رعب أو تخويف، لأن بيئة العمل الصحية لن تتيح الفرصةً لضعاف النفوس من المتملقين والمنافقين لبلوغ مآربهم، وإفساح الطريق لمن يريد المسير عليه باستقامة#171; .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"