التوأمة علاقة انسانية فريدة تتجاوز قدرات فهم البعض وتترك الآخرين في حيرة تجمع بين السحر والذهول، لأن الرابط الذي يجمع بين التوائم لم يزل لغزاً يحير العلماء . في ستينات القرن العشرين فكر علماء أمريكيون بالتفرقة بين توائم حقيقية تفرقوا عند الولادة، بغية محاولة الفهم العميق للفارق الموجود بين الفطري والمكتسب، وفي هذا السياق تمت التفرقة بين الطفلتين بولا وايلس حيث تبنت احدى العائلات الباريسية بولا في حين تبنت أسرة أخرى من نيويورك ايلس .
تروي ايلس أنها حين التقت اختها بولا بعد 35 سنة كان الأمر بمثابة الصدمة الكبرى لها، وجاء ذلك في الكتاب الذي الفته بعنوان: التوأمتان المنفصلتان ونشر السنة الماضية وتقول ايلس التي أصبحت امرأة يافعة: اكتشفت نقطة مشتركة فيما بيننا أو مع ما يمكن أن اسميه بنسختي الأخرى، فالدراسة التي اختارتها كل منها متشابهة كما أن المساق المهني الذي خاضته كل واحدة منا متشابه الى حد كبير جداً ما يعني أننا عشنا حياة متشابهة من دون أن ندري .
ولذا فإن الرابط الذي يجمع بين التوائم لم يزل لغزاً يصعب على العلم سبره، فهي علاقة فريدة وشاملة تتجاوز كل العلاقات وتقاوم الزمن والتجارب غير العادية وكل الاختبارات الصعبة . ويقول العلماء إن ولادة التوائم المتشابهة ازدادت خلال الثلاثين سنة الماضية بدرجة كبيرة وذلك بفعل تأخر مرحلة الأمومة عند كثير من النساء والتطور الواضح الذي حدث في علاج حالات العقم عند الجنسين، فضلاً عن التطورات التي حدثت في مجال علم الجينات واسهم هذا الأمر في فهم آلية تشكل التوائم سواء منها المتشابهة أو غير المتشابهة وعلاقة كل منهما في ارثه الجيني لاسيما في حالة التوائم المتشابهة .
من ناحية ثانية، لوحظ أن التطور الكبير الذي حدث في عملية التحليل النفسي قلب مسألة تربية التوائم رأساً على عقب، فمنذ الأعمال التي قام بها عالم النفس رينيه زازو المعروف بأنه أبو علم التوائم، أصبح بمقدورنا أن نعلم بأن التوائم الحقيقية التي تكون متشابهة الى حد يصعب معه أحياناً التفريق بينهم، ليست متشابهة فعلياً إلا من ناحية الشكل أما من الناحية النفسية فالأمر غير ذلك وهو ما اطلق عليه زازو متناقضة التوائم .
ومن خلال التعابير التي استطاع الباحثون احصاءها من التوائم المتشابهة بعد الاستماع اليهم، يتبين أن هذه العلاقة لما يمكن أن نسميه بالاستنساخ الطبيعي عصية على الادراك والفهم حقاً .
ويقول الباحثون إن هذا النوع من التعاون في بطن الأم، سواء تعلق بالتوائم الحقيقية أو المتشابهة، تنطبع في شخصية التوأمين كل مرحلة الطفولة وما بعدها . ويشير أخصائي علم النفس الادراكي فرنسيس باك الذي يعمل على حالة التوائم في مدينة ليون الفرنسية الى أن حالة التعاون هذه تفرض على التوأمين مرحلة اضافية خلال عملية التدرب على الاستقلالية، ولذا لا بد من مراعاة هذه المرحلة من عملية اندماج التوائم وإنه لمن الخطأ الكبير الفصل بينهما قبل الأوان، بل إنه يفضل ان يتم هذا الأمر عند دخول التوأمين المرحلة الابتدائية أي في عمر الست سنوات، وأن لا تتأخر لتصل الى المراهقة لأنها فترة حساسة جداً على حالتهما النفسية فهي المرحلة التي يعيد فيها التوائم تعريف الرابط الذي يجمع بينهما كتوائم مترابطة جداً بمعنى أن الانفصال النفسي بينهما يكون نادراً لكنه رغم ذلك محتمل الحدوث لا سيما عندما يهيمن أحد التوائم على الآخر بطريقة لا تطاق .
وعلى الرغم من هذا الحب الذي يشاطره أحد التوائم للآخر، يدوم طويلاً، إلا أنه من غير المريح دائماً ان يعيد هذا الفرد تكوين نفسه أمام ناظري توأمه، ولذا ترى هيجيت بابيو رئيسة مؤسسة التوائم في اوروبا والتي تضم أكثر من 17000 اسرة من هذه الفئة، أن التوأمة هي فرصة فريدة لأحد التوأمين عندما لا تتحول هذه الحالة الى عائق يحد من حريته .
وتدعو الباحثة بابيو الوالدين ليبذلا جهداً اضافياً مع اولادهما ان كانوا توائم حتى يبينوا لهم بأنه ليس من الواجب عليهم أن يتشابهوا في كل شيء وأن كل واحد منهم له الحق في أن تكون له أفكاره الخاصة وشخصيته الخاصة المختلفة عن توأمه . وتعتقد بابيو بأن هذا الأمر هو الشرط الضروري لنعيش حالة التوأمة بنجاح .
وتشير بابيو التي تعيش حالة التوأمة مع ولديها البالغين من العمر 24 سنة الى أن الاختلاف بين التوأمين يجب أن يتجاوز مسألة الثياب المتشابه، فمثلاً لم تذهب الى طبيب الأطفال أبداً ومعها ولداها التوأم كما أنها لا تصحبهما معاً الى السوق، ولذا فإن كلاً منهما يتمتع بشخصية مختلفة علماً بأنهما من الناحية الجسدية متشابهان تماماً فالأول يعمل في النحت في حين يعمل الآخر في مجال الكمبيوتر .
ليست استنساخاً
ترى احضائية علم النفس كريستين شارملين أن التوأمة ليست مرادفاً للاستنساخ لكنها تتحكم في كل العلاقات بين التوأمين، ولذا فهي حالة معقدة لأن العلاقة بين التوأمين تنسج خيوطها منذ نعومة الأظفار مع الأم حيث يحاول كل فرد أن يعمل كل ما بوسعه ليظهر أنه الوحيد المميز عن الآخر كأن يحاول على سبيل المثال أحد التوأمين أن يصرخ بكل ما لديه من قوة كي يستجاب لطلبة أولاً، وهكذا .
وتشير شارملين الى أن هذا النوع من المواقف يولد شعوراً بالاحباط أو الفشل لدى التوأمين ويؤثر ذلك على مستقبلهما، ولذا يقال إنه يوجد بين هذين التوأمين حالة من الهيمنة من أحد الأطراف وحالة من الخضوع من الطرف الآخر وذلك منذ فترة الجنينية خلال مرحلة الحمل، لكن تعتقد الباحثة أن تبادل الأدوار يصبح ممكناً إذا ما كانت تربية التوأمين خاضعة لمعايير أخرى غير مسألة التوأمة نفسها بمعنى أنه يمكن للتوأم الخاضع أن يغير من وضعه ومنزلته بين أفراد عائلته في المجتمع .
النجاح المزدوج
تعتبر حالة التوأمين نيكولا وبرتران سيلفستر (20 سنة) مثالية في موضوع التوأمة، فهذان الشابان تميزا في الدراسة بشكل كبير وحصلا على درجات عالية منذ نعومة اظفارهما . وفي الآونة الأخيرة، تنافس الأخوان التوأم في مسابقة علمية ثقافية مباشرة وأمام حشد من الجماهير وجرت المسابقة أمام لجنة تحكيم من المتخصصين في عدة مجالات مع شرط يتمثل في عدم ارهاق المتنافسين على حساب الآخر، ولذا جرت الأمور على النحو التالي: إذا قدم أحد التوأمين حجة قوية، فإنه يحاول في الوقت نفسه تخليص توأمه من الورطة ولاحظ أعضاء لجنة التحكيم هذا الأمر لكنهم لم يستطيعوا فعل أي شيء لأن المنافسة كانت حسب الشروط صحيحة ولا تشوبها شائبة .
ويبدو أن التشابه الكبير بينهما يوفر لهما الكثير من الظروف المواتية للنجاح، ولذا فإنهما يستفيدان من ذلك بشيء من الدعابة والمرح فالأول نيكولا حصل على رخصة قيادة، لكن الثاني برتران لم يوفق لذلك، لكن من يدري فربما استفاد الثاني من هذا التشابه الكبير كي يقود سيارته برخصة قيادة أخيه .
ويقول الباحثون إن حالة التوائم المتشابهة التي يحقق افرادها نجاحاً مزدوجاً ازدادت خلال السنوات الثلاثين الماضية بشكل كبير ففي 1995 حقق التوأمان توفيق وخالد لكشب نجاحاً منقطع النظير كرياضيين من مستوى عال في مجال القفز بالزانة كما أنهما دخلا مدرسة البوليتكنيك المعروفة بأنها للنخبة من الطلاب .
ويعتقد الباحثون أن الحياة المهنية هي التي تثبت بالفعل الشخصية المميزة لكلا التوأمين علماً بأن مسار كل منهما نادراً ما يكون متشابهاً مع الآخر وهو ما ينطبق على سبيل المثال على الأخوين التوأم جاك وبرنارد أتالي اللذين تخرجا معاً في المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة، لكن الأول اتجه كلياً نحو العمل الثقافي والكتابي في حين أن الثاني اتجه نحو الادارة بالفعل ليرأس شركة الطيران الفرنسية ايرفرانس قبل أن يتجه نحو العمل في القطاع المصرفي ليصبح مستشاراً كبيراً لإحدى المؤسسات الاستثمارية الأمريكية الكبرى .