يرسم القرآن الكريم لكل المذنبين والعصاة كيفية التخلص من ذنوبهم وآثامهم ليبدأوا صفحة جديدة من الاستقامة والبعد عن كل ما يغضب الله عز وجل. ويوضح لنا كتاب الله الخالد الذي جاء هادياً لكل البشر أن التوبة قبل أن تكون أمنية لكل صاحب قلب سليم وضمير حي من العصاة والمذنبين، هي مطلب إلهي، حيث يأمر الخالق سبحانه كل مسلم بالمسارعة إلى التوبة والتخلص من ذنوبه، فيقول عز وجل: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض»، ويقول عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم».. ويقول سبحانه: «وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون».
يقول د. عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر: القرآن الكريم جاء بحديث مستفيض عن التوبة، وحض الإنسان عليها كما لو أن هناك مصلحة للخالق في توبة عباده، وقد ورد الحض على التوبة في عدد من الآيات القرآنية، ويفسر هذا الاهتمام الكبير بالتوبة، والحض عليها في القرآن بصيغة الأمر، قول الحق سبحانه: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين».. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم».

انصحوا ولا تفضحوا

ويضيف: يجب على دعاة الإسلام في كل مكان وفي كل عصر أن يأخذوا بيد الناس جميعاً إلى طريق التوبة وعدم اقتراف الذنوب؛ قياماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عملا بقول الحق تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة».
ويرفض عميد كلية أصول الدين بالأزهر كل طرق العنف والقسوة التي يتبعها البعض لمنع الناس من المعاصي، أو التوبة منها، ويؤكد أن واجب دعاة الإسلام أن «ينصحوا ولا يفضحوا»، عملا بوصايا رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم، فواجب الدعوة إلى الله يفرض عليهم ذلك، وحق الأخوة الإسلامية يحتم أيضاً على كل مسلم أن يقوم مع أخيه المسلم بدور الناصح الأمين، وليس المراقب العنيف، فالمسلم ينصح ويعظ ويوجه كل من يراه على معصية، فإذا لم يعد إلى صوابه، فحسابه على الله، وليس على المسلم الناصح هنا ذنب ولا وزر.
ويوضح د. العواري معالم التوبة الصادقة التي ينبغي أن يبادر بها المسلم، ويقول: التوبة إلى الله مطلوبة بعد كل ذنب، والمسلم العاصي يجب أن يشعر دائماً بتأنيب الضمير حتى يتخلص من ذنبه، والتوبة الصادقة أو الخالصة لوجه الله حدد لها العلماء ثلاثة أركان هي: الإقلاع عن الذنب - الندم على ما ارتكب من ذنوب ومعاصٍ - العزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب مرة أخرى. هذا إذا كان الذنب يتعلق بحق من حقوق الله، أما إذا تعلق الذنب بحق من حقوق العباد كاغتصاب مال أو سرقة أو نهب مال عام فإن التوبة تتوقف على رد المسروق إلى صاحبه أو طلب السماح منه.

من أعماق القلب

وقد أكد العلماء أن التوبة لا تُقبل من الإنسان العاصي إلا إذا كانت خالصة لوجه الله، صادرة من أعماق القلب، حيث لا يكفي التلفظ بكلمات التوبة.
ومن أهم علامات التوبة الصادقة - كما يوضح عميد كلية أصول الدين بالأزهر- أن يستقيم سلوك الإنسان بعدها، فالذي يسرق ويتوب فسيكون إن كانت توبته صادقة أبعد الناس عن المال الحرام، والذي يزني ويتوب يكون أكثر حرصاً على أعراض الناس وتجنباً للوقوع في براثن الرذيلة، وهكذا.
لكن.. قد يتوب الإنسان عن ذنب ويكون صادقاً في توبته ثم يغويه الشيطان فيرتكب ذنباً آخر، فهل يعد من مدمني المعاصي والذنوب ولا يقبل الله توبته؟
يقول العلماء: باب التوبة مفتوح إلى آخر رمق في عمر الإنسان، ولا ينبغي اليأس والقنوط من رحمة الله وعفوه، وكثيراً ما يتوب الإنسان عن معصية، ويقبل الله توبته، ثم يلعب بعقله الشيطان بعد ذلك فيرتكب معصية أخرى، وهنا لا يكون هذا الإنسان خارجاً عن عفو الله ورحمته، بل عليه أن يبادر بالتوبة من الذنب أو المعصية التي ارتكبها من دون إبطاء، وأن يكون صادقاً في توبته لكي يخلصه الله منها.
وبعض العلماء يذكرون أن من شروط التوبة الصادقة عدم العودة إلى المعصية مرة أخرى، ولذلك فإن واجب المسلم الذي يتطلع إلى عفو الله ورحمته، أن يتجنب كل ما يؤدي إلى المعاصي، وهنا يكون الإنسان قد أدى ما هو مطلوب منه شرعاً، وهو إغلاق المنافذ التي تؤدي إلى المعاصي والذنوب، فإذا ما أغواه الشيطان بعد ذلك وزين له معصية من المعاصي فهذا خارج عن إرادته، فالإنسان معرض للخطأ وغير معصوم، والمطلوب من المسلم أن يكون صادقاً في توبته، ولو غلبه الشيطان وأخطأ فعليه أن يبادر بالتوبة الخالصة حتى يعفو الله عنه، فباب التوبة مفتوح إلى أن تقوم الساعة أو يرحل الإنسان.

التوبة النصوح

لكن.. ما معنى التوبة النصوح، الواردة في قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار».
ذكر المفسرون في معنى التوبة النصوح أكثر من عشرين وجهاً حيث قال القرطبي في تفسيره ما ملخصه: «اختلفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب، في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا. فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الفرع». وقال قتادة: «النصوح الصادقة الناصحة الخالصة». وقال القرطبي: «التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء:
الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العودة بالجنان، مهاجرة سيئ الإخوان».
وقال الفقهاء: «التوبة التي لا تعلق لها بحق آدمي لها ثلاثة شروط.. أولها: أن يقلع عن المعصية، وثانيها: أن يندم على ما فعله.. وثالثا: أن يعزم على ألا يعود إليها»، فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا، وإن كانت تتعلق بحق آدمي، فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع: «أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالاً أو نحوه رده إليه».

حقيقتان مهمتان

والقرآن الكريم يوضح لنا كما يقول د. محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر حقيقتين مهمتين، أولاهما: أن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ، فهو ليس من الملائكة الذين «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون».. كما أنه ليس حيواناً لا يعقل ولا يسأل عما يفعل، إنه كائن عاقل متوسط بين هذه الصنفين ومسؤول عن كل ما يصدر عنه، وليس عيباً أن يخطئ الإنسان ولكن العيب كل العيب أن يصر على الخطأ.
الحقيقة الثانية أن الله عز وجل قد فتح أمام الإنسان باب التوبة إذا أخطأ ليعود إلى رشده ويتوب إلى ربه، والإنسان بوصفه كائنا عاقلا يفترض فيه أن يتعلم من أخطائه، وهذا يعني أنه ينبغي ألا يكررها، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، كما جاء في الحديث الشريف. ولكن الإنسان كثيرا ما ينسى أو يتناسى ويتكرر منه الخطأ مرة ومرات، وقد يصل به الأمر إلى حد الميل إلى اليأس من قبول توبته فيظل سادراً في غيه ولكن الله رحيم بعباده، لا يرد أحداً يلجأ إليه مهما اقترف من ذنوب وأسرف على نفسه بالأخطاء ما دامت توبته صادقة، فباب الأمل في عفو الله مفتوح: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم».
ويحث د. زقزوق كل مسلم على تأمل قول الله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين».. ويقول: هذا التعبير القرآني يدعونا إلى تأمله والتفكير فيه، فالتائب هو إنسان قد أذنب وخالف أمر ربه، ولكنه عاد إلى صوابه واعترف بذنبه، وعزم على العودة إلى ربه تائباً، والله يجب التائبين ويفرح بتوبتهم، لأنهم لم يستمروا في غيهم، ولم يستمرئوا الابتعاد عن ربهم، بل راجعوا أنفسهم وعادوا إلى ربهم يرجون رحمته.