قال تعالى: وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم، وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون، وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . (البقرة: 54 - 57) .

السؤال: ما معنى الفاء في قوله تعالى فتوبوا؟ وفي قوله فاقتلوا حيث وردتا في قوله: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم؟

- الجواب: الفاء الأولى في قوله تعالى: فتوبوا للسببية، لأن الظلم سبب في أمر موسى - عليه السلام - لقومه بالتوبة لاتخاذهم العجل إلهاً من دون الله تعالى .

أما الفاء الثانية في قوله تعالى: فاقتلوا أنفسكم فللتعقيب، لأن القتل من تمام التوبة، والمعنى: فأتبعوا التوبة بالقتل تتمة لتوبتكم .

ويمكن أن يقال أيضاً: إنه لما بلغت مفاسد بني إسرائيل وجناياتهم حدا من الشناعة والفظاعة تجاوز كل حد وتصور شدد الله تعالى عليهم في نوع هذه التوبة بما يتناسب مع عظم جرائمهم فاحتاجت إلى البيان (فاقتلوا أنفسكم) بعد الإجمال (فتوبوا)- وهذا من عطف المفصل على المجمل -، ولما كان المعطوف نوعاً غريباً غير معهود في التوبة فقد عطف بالفاء، للإشارة إلى تفاوته عن المعطوف عليه، وأنه درجة من التوبة لا يقدر عليها إلا من صح عزمه على تطهير نفسه وعتقها من النار، فهو تفاوت مجازي بين العزم على الإقلاع من الذنب وبين قتل النفس في الشدة والدلالة على كمال التوبة . والله أعلم

الخالق البارئ

السؤال: لماذا ذكر من أسمائه سبحانه وتعالى اسم (البارئ) في قوله سبحانه: فتوبوا إلى بارئكم؟

- الجواب: لأن البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت (الملك 3)، ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال والصور المتباينة، فكان ذلك تعريضاً بغبائهم، وسخافة أحلامهم، وقلة دينهم إذ تركوا عبادة الخالق العليم الحكيم وعبدوا البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة . والله أعلم

السؤال: ما سر تكرار اسم البارئ في قوله تعالى: ذلكم خيرلكم عند بارئكم؟

- الجواب: كرر اسم البارئ وعدل به عن الإضمار إلى الإظهار حيث كان الظاهر أن يقال: ذلكم خير لكم عنده (اعتناء بالحث على التسليم له سبحانه والتفويض له في كل حال، وتلقي أوامره ونواهيه وكل ما يرد من قِبَله سبحانه بالإذعان والقبول والرضا) .

السؤال: ما سر الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى: فتاب عليكم حيث كان مقتضى الظاهر أن يقال: فتبت عليكم؟

- الجواب: أحسب - والله أعلم - أن السر في العدول عن التكلم إلى الغيبة في الآية الكريمة هو الإعراض عن اليهود وعدم تشريفهم بالخطاب حتى وَهُم في مقام التوبة وقبولها منهم فلم يقل: فتبت عليكم، وكأن انصرافهم إلى عبادة العجل كان سبباً في انصراف الخطاب الإلهي عنهم حتى بعد قبول توبتهم بقتل أنفسهم . فهل ياترى أن وراء ذلك الالتفات والانصراف عنهم علم الله تعالى المسبق بهشاشة توبتهم، وسرعة نكوصهم عنها؟! الله أعلم بمراده .

السؤال: ما موقع جملة: ذلكم خيرلكم عند بارئكم في الآية الكريمة؟ وما غرضها؟

- الجواب: جملة اعتراضية بين قوله تعالى: فاقتلوا أنفسكم وقوله: فتاب عليكم والغرض منها تعليل التوبة أو حث المخاطبين عليها . والله أعلم .

السؤال: ما الفرق بين البارئ والخالق؟

- الجواب: البارئ هو خالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق، ولذلك أتبع به الخالق في قوله تعالى: هو الله الخالق البارئ (الحشر 24) .

والخالق: هو المُبْدِع من غير أصل ولا احتذاء كما قال سبحانه: خلق السموات والأرض (الأنعام 1) وهو المُقَدر الناقل من حال إلى حال . والله أعلم .

فاء الفصيحة

السؤال: ما نوع الفاء في قوله تعالى: فتاب عليكم؟ وما دلالتها؟

- الجواب: الفاء تسمى فاء الفصيحة وهي التي تنبئ عن كلام محذوف، وتقديره في الآية: فامتثلتم فتاب عليكم .

وهي تدل على المبادرة بقبول توبته تعالى على بني إسرائيل وعدم تأخيرها إلى ما بعد قتل جميع الذين عبدوا العجل .

السؤال: ما سر التعبير بحرف الاستعلاء (على) في قوله تعالى: فتاب عليكم؟

- الجواب: للإشارة إلى علوه سبحانه وتعالى عليهم في كفرهم وتوبتهم وأن ذلك لرحمته بهم لا لحاجته إلى طاعتهم .

السؤال: لماذا أكد التذييل في قوله تعالى: إنه هو التواب الرحيم؟

- الجواب: لأن التوبة بالقتل لما كانت شاقة على النفس (هَونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها، ويبالغ في الإنعام على مَن أتى بها) ولذا جاء التوكيد اعتناء بمضمون الكلام .

أو يمكن أن يرد التوكيد إلى تنزيل بني إسرائيل منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم، وقبولها منهم، لأن حالهم في عظم جرمهم وتطاولهم وتجرئهم على الله تعالى حال من يشك في قبول التوبة عليه . والله أعلم .

السؤال: ما علة الجمع بين وصفي التواب والرحيم في الآية؟

- الجواب: لأن توبة الله تعالى على بني إسرائيل كانت بالعفو عن جريمة عبادتهم العجل، وتلك جريمة لا يغفرها إلا التواب الذي يكثر قبول التوبة من المذنبين ويوفقهم إليها .

وختمت الآية بصفة الرحمة (الرحيم) لأنه سبحانه استجاب لدعاء موسى عليه السلام بوقف الأمر بقتل أنفسهم بعد سقوط الآلاف منهم قتلى بأيدي بعضهم بعضاً، فكان نسخ ذلك رحمة منه سبحانه ببني إسرائيل لئلا تستأصل شأفتهم . والله أعلم .

السؤال: ما سر تعدية فعل الإيمان باللام دون الباء في قوله: وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . .؟

- الجواب: للدلالة - والله أعلم - على أن المخاطبين لن ينقادوا لموسى - عليه السلام - تمام الانقياد، ولن يذعنوا له كامل الإذعان ولن يؤمنوا بتفاصيل ما جاءهم به من التوراة إلا إذا رأوا الله تعالى رؤية بصرية حسية، وما ذهبنا إليه مستقى من أشهر معانيها وهو الاختصاص، فكأنهم قالوا له: لن نخصك بتمام الإذعان والتصديق والانقياد إلا إذا رأينا الله جهرة . والله أعلى وأعلم .

نهج التعنت

السؤال: من المخاطب في قوله - سبحانه - وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك . .؟

- الجواب: اليهود في عهد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ووجه الخطاب لهم مع أن ما ذكر في هذه الآية، وفي السياق السابق لها واللاحق من صنيع أسلافهم، لأنهم يلتزمون نهجهم في التعنت والاغترار والكفر والجحود . فما أشبه تعنتهم القديم مع رسولهم بتعنتهم الجديد مع رسولنا الكريم، وطلبهم الخوارق منه للتثبت من صدقه!

السؤال: علام تدل مناداتهم نبيهم عليه السلام باسمه مجرداً وإذ قلتم ياموسى؟

- الجواب: يدل على جفائهم وقسوتهم وغلظتهم وسوء أدبهم مع نبيهم الذي شرفه الله بالنبوة وبكلامه معه، والذي أكرمهم على يديه فقادهم إلى النجاة من بطش فرعون وآله وتسخيرهم لهم بخوارق ومعجزات إكراماً لنبيهم موسى - عليه السلام - ومع ذلك فإنهم يدعونه باسمه كما يدعو بعضهم بعضاً، ولم يخصوه بما يدل على توقيره واحترامه . والله أعلم .

السؤال: ما المقصود بقوله (جهرة) في قوله تعالى: . . حتى نرى الله جهرة)؟

- الجواب: أصل الجَهْر: الظهور، ومنه الجهر بالقراءة أي إظهارها والجهر بالمعاصي: المظاهرة بها . والمراد بها في الآية الكريمة عِياناً . ففي الكلمة استعارة تصريحية حيث استعير الجَهْر بمعنى الظهور للمعاينة البصرية بجامع الوضوح والانكشاف، وفي ذكر الجهر هنا دلالة على أن طلبهم هو رؤية العيان لا رؤية المنام .

السؤال: علام يدل التعبير بالأخذ في قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة؟

- الجواب: يدل على شدة الأخذ وقوته وبطشه، فالأخذ تناول الشيء بجملته بقوة وشدة . وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم، لأنهم تجرؤوا فطلبوا ما لم يأذن الله به من رؤيته في الدنيا، فكان في طلبهم من الفظاعة وانتهاك الحرمة ما فيه، لذا عوقبوا بالصاعقة . والله أعلم .

السؤال: ما مدلول الفاء في قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة؟

- الجواب: الفاء للسببية، فأخذ الصاعقة لهم كان بسبب قولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . وفي التعبير بالفاء دلالة على شدة الغضب الإلهي عليهم، حيث بادرهم بالأخذ بالصاعقة فور طلبهم المتعنت . والله أعلم .

فساد عميق

السؤال: مَن مِن بني إسرائيل الذي طلب أن يرى الله جهرة؟ وعلام يدل هذا الطلب؟

- الجواب: الذي طلب هذا الطلب - والله أعلم - هم السبعون رجلاً المختارون منهم، الذين اختارهم - موسى - عليه السلام - لميقات ربه بدليل قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا (الأعراف 155) .

فتأمل - يرعاك الله - طلب صفوة الصفوة، وخيرة الخيرة من بني إسرائيل، تأمل صَلَفهم وسوء أدبهم وتجاسرهم وانتهاكهم الحرمة، فإذا كان هذا طبع علمائهم ومصلحيهم فما بالك بطباع عوامهم وسفهائهم؟

تلك طباع اليهود، وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم على الرغم من كثرة معاينتهم من آيات الله عز وجل ومعجزاته الحسية مما تثلج بها الصدور، وتطمئن بها القلوب، وتوقن بها النفوس، ولكن الآيات الكثيرة، والنعم الإلهية الجليلة، والعفو والمغفرة كلها لا تغير من تلك الطبيعة التي لا تؤمن إلا بالمحسوس، والتي تظل مع ذلك تجادل وتناطح وتعاند وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل، ما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية وتنكيله بهم وتسخيره لهم قد أفسدت فطرتهم إفساداً عميقاً . وليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها طباع العبيد . خضوعاً تحت سوط الجلاد واستسلاماً، وتمرداً حين يرفع عنها السوط ونكوصاً، وتبطراً وصَلَفاً حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة . . وهكذا كان بنو يهود، وهكذا هم في كل حين .

السؤال: ما سر تقديم المفعول (أنفسهم) على فعله (يظلمون) في قوله سبحانه: ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؟

- الجواب: للدلالة على قصر ظلمهم على أنفسهم فهم ظلموا أنفسهم وحدها بجحودهم نِعَم الله تعالى عليهم وبكفرهم وعنادهم .

السؤال: ما الغرض من الجمع بين الفعلين: الماضي (كانوا) والمضارع (يظلمون) في الآية الكريمة؟

الجواب: للإشارة إلى تمادي بني إسرائيل في الظلم واستمرارهم عليه . والله أعلى وأعلم بمراده .

السؤال: ما غرض الالتفات من الخطاب في (وظللنا عليكم الغمام) إلى الغائب في (وما ظلمونا) وذلك في قوله سبحانه: وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؟

الجواب: لأنهم لما لم يشكروا تلك النعم ويرعوها أعرض بالخطاب عنهم، للإيذان باستحقاقهم الغضب . والله أعلم، والحمدلله رب العالمين .

[email protected]