باب التوبة مفتوح دائماً، يدخل منه كل من استيقظ ضميره وأراد العودة والمآب لا يصد عنه قاصد، ولا يغلق في وجه لاجئ جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال له: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال: أأسلمت؟ قال نعم، قال، صلى الله عليه وسلم، فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها، قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم فما زال الرجل يكبر حتى توارى .
يقول طه عبدالله العفيفي في كتابه من وصايا الرسول، صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا . (رواه بن ماجة) .
فكن أخا الإسلام من المستجيبين لنداء الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذه الخطبة الجامعة لأسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة . وحسبك ترغيباً في تنفيذ ما أمرك الرسول، صلى الله عليه وسلم، به في هذه الوصية أنك ستفوز في النهاية بهذه النتائج العظيمة التي أشار الرسول، صلى الله عليه وسلم، إليها في نهايتها .
وإذا كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يوصينا في أول هذه الخطبة بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى قبل فوات هذه الفرصة الغالية التي مازلنا نتمتع بها، وهي وجودنا في هذه الحياة، فهذا دليل كاف على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يريد بنا خيراً، ويؤكد هذا قوله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون .
حقيقة التوبة
وقال ذو النون المصري: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار، وأن تضيق عليك نفسك قال الله تعالى في الثلاثة الذين خُلفوا: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، حين تخلفوا عن غزوة تبوك، فهجرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون خمسين صباحاً . ثم جاءت توبتهم: وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم . . . سورة التوبة الآية 118، فالتائب دائم التأسف، كثير التلهف، يعرف من بين أمثاله بذبوله، ويستدل على حاله بنحوله . وقال الجنيد: التوبة على ثلاثة أركان: الندم على ما فات، والعزم على ترك المعاودة، والسعي في تلافي ما يمكن تلافيه من حقوق الله تعالى المفروضة وحقوق الناس . . فإن لم يكن فالعزم على الوفاء، والدعاء للخصوم . وقال سهيل بن عبدالله: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، ولا يتم ذلك إلا في الخلوة، والصمت، وأكل الحلال .
ويقال: أول التوبة يقظة من الله تعالى تقع في القلب، فيتذكر العبد تفريطه، وإساءته، وكثرة جناياته، مع دوام نعم الله تعالى عليه، فيعلم أن الذنوب سموم قاتلة يخاف منها حصول المكروه، وفوات المحبوب في الدنيا والآخرة، فإذا حصل له هذا العلم أثمر حالاً، وهو الندم على تضييع حق الله تعالى، ثم يثمر الندم عملاً، وهو المبادرة إلى الخيرات، وقضاء الواجبات، ورد الظلامات، والعزم على إصلاح ما هو آت . . فهذه الأمور الثلاثة إذا انتظمت فهي التوبة .
ويقال: التوبة هي الحياء العاصم، والبكاء الدائم . ويقال: التوبة هي الندم على ما فات، وإصلاح ما هو آت . ويقال: التوبة هي قود النفس إلى الطاعة بخطام الرغبة، وردها عن المعصية بزمام الرهبة . ويقال: التوبة هي أن يعلم العبد جراءته على الله تعالى، ويرى حلم الله تعالى عليه، حيث لم يأذن للأرض أن تخسف به، أو النار أن تحرقه بما عمل من المعاصي، ثم يتوب من الذنب، ويعزم ألا يرجع إليه كما لا يرجع اللبن إلى الضرع . ويقال: التوبة هي خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء . وأصل التوبة في اللغة: الرجوع، يقال تاب وأناب، بمعنى رجع .
وأشار سعيد العيلي في كتابه من لآلى السنة إلى أن الهادي البشير، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها .
التوبة معناها الرجوع والعودة، فيقال تاب إلى الله، أي رجع إلى طريق الله القويم، وسار على الصراط المستقيم بعد أن كان قد سار في طريق الشيطان الذي زين له الخطيئة، وأوقعه في الذنوب .
باب لا يغلق
وفي خطبته الشريفة يعرفنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يفتح باب التوبة ليلا ونهارا، ويطلب من عباده أن يتوبوا كلما هووا إلى درك المعصية ومقارفة الذنوب . وكم حث في محكم التنزيل الجميع على التوبة، لينضووا تحت هذا اللواء الواقي من العذاب والعقاب، قال تعالى وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وكل توبة صحيحة إنما هي مقبولة بإذن الله، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله عليكم وقال، صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وسئل ما علامة التوبة قال الندامة، أي الندم على ما ارتكبه الإنسان يليه الإصرار على الرجوع إلى الله تعالى بالعمل الصالح .
وأوضح محمد ماهر البحيري في كتابه سماحة الإسلام وعدل محمد عليه الصلاة والسلام أن على المسلم أن يحذر الوقوع في شباك الشيطان حتى لا يكون من حطب جهنم . وإذا أردت أن تكون حذراً منه، ومنتصراً عليه، فكن حريصاً على المبادرة إلى التوبة، وعاملاً في قطع الأسباب الباعثة على الذنب، مع هجرة من كنت تصحبه على تلك الحالة، وتدارك ما أفسدته لتمحوه بصالح أعمالك .