إن التوجه إلى القبلة شرط لصحة الصلاة، ولذا فلا تصح صلاة فرض في وسيلة انتقال، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال أربعة أولها: التحام القتال مع العدو، في كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الراحلة، حيث يصلي الفرض عليها إيماء للقبلة إن أمكن، ولا يعيد الملتحم، ثانيها: حالة الخوف من عدو إن نزل عن راحلته، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة، ثالثها: الراكب في الماء القليل الذي لا يُطيق النزول فيه أو خاف تلطخ ثيابه، وخاف خروج الوقت، ويصلي الفرض على الراحلة إيماء، فإن لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة إلى آخر وقتها، رابعها: حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه، فيؤدي الفريضة إيماء على الراحلة للقبلة بعد إيقافها، كما يؤديها على الأرض بالإيماء، ويري الشافعية أنه يجوز للمسافر سفراً مباحاً ولو قصيراً صلاةُ النافلة على الراحلة، ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره أو الماشي أو الهائم، فعليهم إتمام شروط الصلاة وأركانها كلها من استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود، ويومئ المتنفل لركوعه وسجوده، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويشترط أن يبدأ الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه، فإن كان الراكب في موضع واسع، لزمه التوجه إلى القبلة في جميع صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود، لتيسره عليه، وإن لم يسهل عليه ذلك، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه بأن كانت وسيلة النقل واقفة وأمكنه الانحراف إلى جهة القبلة، فإن لم يمكنه الانحراف أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة، للمشقة واختلال أمر السير عليه، ويحرم انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة، ودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة: ما أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً، استقبل القبلة وكبر، ثم صلى حيث توجهت به، وأما ربان السفينة فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه، ويرى الحنابلة أنه يجوز للمسافر الراكب، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة، ويومئ لركوعه وسجوده، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فقد أخرج أبو داود من حديث جابر رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع، ولا يسقط الاستقبال إذا كان المصلي يتنفل في الحضر؛ لأنه ليس مسافراً، ويجوز أن يصلي المرء في وسيلة انتقاله أو عليها، لما أخرجه أبو داود والنسائي من خبر ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر، وقبلة المصلي حيث كانت وجهته، ولا يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على صلاته، وإن كان في مركب يدور فيه كيفما شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والإتيان بالركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكن ذلك، وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة وأومأ لركوعه وسجوده برأسه، وإن عجز عن الاستقبال سقط التوجه إلى القبلة بغير خلاف، كما يسقط استقبالها لأعذار أخرى كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحو ذلك، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن استقبال القبلة، وكمُقعَد عجز عمن يديره إليها وكمربوط إلى عمود أو سارية أو متدل من سقف أو نحوهم، وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته، كراكب راحلة لا يستطيع التحكم فيها، أو كان في قطار أو طائرة، فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة، لعدم تمكنه من استقبالها، ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة، ويجوز للمسافر التنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الصلاة الراتبة وسجود التلاوة، والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه، بل يلزمه افتتاح النافلة بالتوجه إلى القبلة، كما يلزمه الإتيان بالركوع والسجود على الأرض، لتيسر ذلك كله عليه مع متابعة سيره، وعليه الإتيان بباقي أركان الصلاة، لتمكنه من الإتيان بها.

[email protected]