تحتفل منظمة الصحة العالمية خلال شهر مايو/أيار باليوم العالمي لمرض الثلاسيميا الذي يعتبر من أمراض الدم الوراثية والتي تشكل خطرً على حياة المصاب، وفيه يحدث اضطراب في مكونات الدم حيث يصبح الجسم أقل إنتاجاً لمادة الهيموجلوبين، ويصاب الشخص بمشكلة فقر الدم.
ومسؤولية الهيموجلوبين في الدم هي نقل الأكسجين والعناصر الغذائية إلى جميع خلايا الجسم، ثم حمل ثاني أكسيد الكربون والفضلات إلى خارج الجسم للتخلص منهما.
وعند حدوث نقص في الهيموجلوبين يصاب الشخص بالتعب والوهن الشديد، ويفقد الجسم القدرة على تأدية وظائفه ومهامه بصورة طبيعية، وتتضرر جميع أعضاء الجسم ويمكن أن يصل الأمر في بعض الحالات إلى الوفاة.
وينتقل هذا المرض من الآباء إلى الأبناء بواسطة أنواع من الجينات في عمر مبكر ويصاب الشخص بفقر الدم المزمن، ويحتاج إلى طرق للتعايش مع هذه المشكلة وتخفيف الأعراض قدر الإمكان.
ويحتاج المصاب إلى نقل دم بصورة مستمرة ودورية، وذلك للحفاظ على معدل الهيموجلوبين الطبيعي داخل الدم، وهو مرض غير معدٍ ويحتاج إلى الاهتمام والعلاج للسيطرة على أعراضة الشديدة.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الثلاسيميا بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه المشكلة، وكذلك نقدم سبل الوقاية والتعايش مع هذا المرض وأساليب العلاج الحديثة.

الرعاية المستمرة

يعد الثلاسيميا من الأمراض القديمة التي لها تأثير سلبي خطر على أجسام الأطفال، ويحتاج إلى الرعاية المستمرة والعلاج مدى الحياة، وتناول مستمر لأدوية التخلص من الحديد الزائد داخل الجسم، لأنه في حالة ترسب عنصر الحديد داخل الأعضاء فسوف يؤدي إلى الإصابة بمرض الاصطباغ الدموي، الذي يتلف الأعضاء الحيوية في الجسم مثل الكبد والكلى والبنكرياس والقلب.
ويجب العلاج عن طريق نقل الدم بصورة شهرية إلى الشخص المصاب، وإذا لم تتم عمليات نقل الدم وتعاطي العقاقير بشكل منتظم، فسوف يصاب هذا المريض بمشكلة فقر الدم المزمن، ويتحول وجهه إلى اللون الشاحب ويحدث له تأخر في النمو وتشوهات في العظام.
ويترك هذا المرض تأثيرات نفسية وبدنية مزعجة على المريض والأسرة أيضا، بالإضافة إلى أنه يحتاج الكثير من الأموال لتغطية مصاريف علاجه المرهقة ماديا، وينتشر هذا المرض في أنحاء العالم ولكنه أكثر انتشارا بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط.
يتأخر ظهور أعراض مرض الثلاسيميا لدى الأطفال حديثي الولادة، فلا تظهر عقب الولادة مباشرة، ويكون شكل الطفل ومظهره طبيعيا ولا يختلف عن الآخرين، ويشعر الطفل بالمرض بعد مرور 6 أشهر من الولادة، ويبدأ لونه بالشحوب ويصاب بفقر الدم، ويعاني من بعض الالتهابات في الجسم، وهنا يجب أن تتم عملية نقل الدم.

الأنواع والمسببات

يوجد أنواع من مرض الثلاسيميا حسب الاضطراب الذي يصيب الشخص، ومنها الألفا ثلاسيميا وهو خطر لدى بعض الحالات، حيث يتسبب في وفاة الأجنة قبل الميلاد أو بعد الولادة بمدة وجيزة، ويحدث هذا النوع بسبب الخلل الجيني في سلاسل ألفا الموجودة بالهيموجلوبين.
أما النوع الثاني فيسمى ألبيتا ثلاسيميا وهو أقل في الضرر من السابق، ومن اسمه يتضح أنه ناتج عن الخلل الوراثي في سلاسل بيتا الموجودة في الهيموجلوبين، والنوع الثالث يطلق عليه دلتا ثلاسيميا.
ويقوم العلماء بتقسيم النوعين ألفا وبيتا إلى أنواع أخرى، مثل الثلاسيميا الكبرى التي تنجم عن انتقال الجين الوراثي من أم وأب مصابين بهذا المرض، أما الثلاسيميا الصغرى فينتج عن انتقال الجين من أحد الوالدين فقط.
ويرجع المتخصصون أسباب هذا المرض إلى العامل الوراثي، فهو من الأمراض الوراثية الناجمة عن حدوث خلل في جين معين يسبب اضطرابا في عملية إنتاج البروتينات التي يتكون منها الهيموجلوبين، وهي بروتينات ألفا وبيتا، مما يؤدي إلى حدوث مشاكل كبيرة في وظائف الهيموجلوبين.
وحدوث خلل في جين واحد أو أكثر يؤدي إلى هذا المرض، ويمكن أن يكون أحد الوالدين لديه خلل في هذا الجين أو كليهما، وعندما يكون الأشقاء مصابين بالثلاسيميا أو حاملين لهذا الجين، فيجب على الأخ أن يقوم بعمل فحوص لهذا المرض، لتحديد فرص إصابة الطفل بهذه المشكلة.

الوفاة والوقاية

يمكن أن يظهر عدد من المضاعفات بسبب الإصابة بمرض الثلاسيميا، ومنها حدوث خلل واضح في وظائف الغدد الصماء، كما يتضرر الكبد وتظهر عليه اضطرابات ملحوظة، والمشكلة الأخطر هي حدوث ضعف وقصور في عضلة القلب، والتي غالبا ما تسبب حدوث حالة الوفاة.
ويتوفر عدة طرق للوقاية من الإصابة بمرض الثلاسيميا، ومنها تجنب زواج الأشخاص الذين لديهم تاريخ وراثي من هذا المرض، ومنع زواج الشخصين الحاملين لجينات هذا المرض، ويجب القيام بعمل فحص ما قبل الزواج لمرض الثلاسيميا، من أجل التأكد من مستقبل الأطفال وخلق نمط حياة آمن للأبناء، وفي حالة إذا كانت النتائج تشير إلى أن الزوجين حاملان لهذا المرض، فيوجد احتمالات إصابة الطفل بنسبة 28٪ بمرض الثلاسيميا مع كل حمل جديد.
وينصح الخبراء الأشخاص الحاملين للجينات المعتلة بمرض الثلاسيميا بالزواج من شخص لا يحمل هذا الجين المريض، وذلك لضمان حماية ووقاية الأبناء من الإصابة بهذا المرض مستقبلا.

الشحوب والتعب

تظهر مجموعة من الأعراض نتيجة الإصابة بمرض الثلاسيميا في السنوات الأولى من عمر الطفل، بسبب الاختلال الذي يحدث في كريات الدم الحمراء ويؤدي إلى الإصابة بفقر الدم، وتبدأ الأعراض بالظهور عند إتمام الطفل 3 إلى 6 أشهر.
كما تختلف الأعراض من شخص مصاب لآخر تبعاً لنوع المرض وشدته، ويبدو الشحوب على لون بشرة الصغير مع اليرقان كعرض أولي، وتقل شهية الطفل نحو الرضاعة والطعام، ويقل وزنه ويتأخر في النمو عن باقي أقرانه.
يصاب الشخص بمشكلة انتفاخ البطن، ويشعر بالضعف العام والتعب والإرهاق، وبعض الحالات يظهر عليها مشكلة الصعوبة في التنفس، ويحدث اضطراب في النوم، وحالة من التقيؤ ويتحول لون البول إلى اللون الغامق.
يحدث اصفرار في لون العينين وتتكون الحصوات في المرارة بسبب ترسب مادة البيليروبين الصفراء الناجمة عن تكسر الهيموجلوبين في الدم، وتحدث بعض التشوهات في عظام وجه المصاب. وينتج هذا التشوه في العظام بسبب التوسع الذي يحدث في نخاع العظم الإسفنجي، وذلك لمحاولة إنتاج خلايا الدم الحمراء لتعويض حالة فقر الدم التي تحدث، مما يقود إلى حدوث بروز في عظام الوجه والرأس والوجنتين.

تضخم الكبد والطحال

كما أن عملية إنتاج خلايا الدم الحمراء خارج نخاع العظم تتسبب في حدوث تضخم في الطحال والكبد، ويزيد امتصاص الأمعاء لعنصر الحديد بسبب نقل الدم المستمر مما يؤدي إلى ترسبه الدائم في الجسم.
وتراكم عنصر الحديد يؤدي إلى مضاعفات أخرى، ومنها الإصابة بمشكلة تشحم الكبد وسواد لون الجلد، وتضرر الكلى والبنكرياس وغيرها من أعضاء الجسم الحيوية.
يحدث زيادة في سرعة ضربات القلب نتيجة ارتفاع عملية ضخ الدم، التي يقوم بها القلب في محاولة لتعويض نقص الهيموجلوبين المستمر، ويتضرر القلب من هذه السرعة ويحدث قصور في عضلة القلب على المدى البعيد.

العلاج

تعتمد عملية علاج المصاب بمرض الثلاسيميا على نقل الدم بصورة دورية منتظمة كل حوالي 25 إلى 30 يوما، كما تتوفر أدوية لطرد كميات الحديد الزائدة من الجسم، ومنها الحقن بالديسفيرال وهي مادة لها القدرة على الارتباط مع الحديد وحمله إلى خارج الجسم، كما يتوفر العلاج بالديسفيرال عبر الفم. ويمكن اللجوء إلى طرق زراعة نخاع العظم والخلايا الجذعية التي لها تأثير جيد في علاج بعض الأمراض المستعصية والمزمنة، وذلك من خلال أخذ نخاع من خلايا أحد الأشقاء.
ويجب عمل الفحوص الدورية لهذا المرض لقياس معدل الحديد في الجسم، ومعرفة وظائف الكبد والكلى والقلب وغيرها من الأعضاء التي يقرر الطبيب قياس وظائفها، كما يجب تناول اللقاح الخاص بالإنفلونزا كل عام، ومراجعة الطبيب عند ظهور أعراض مفاجئة.

تضرر الفم والأسنان

تشير دراسة حديثة إلى التأثير السلبي الكبير لمرض الثلاسيميا على الفم والأسنان واللثة، وكذلك الفكين وأنسجة الفم عموماً، وركز الباحثون في هذه الدراسة على قياس معدل الفيريتين والحديد باللعاب لدى مرضى الثلاسيميا.
كما اهتمت الدراسة بالمظاهر التي تظهر في الفم وأيضاً المضاعفات التي تحث نتيجة المرض في الفكين والمنطقة المحيطة بالفم، وشملت الدراسة متابعة 63 شخصاً مصاباً بمرض الثلاسيميا.
وفحص الباحثون الأشخاص المتطوعين من خلال الاختبارات والتحليلات، مع الفحص السريري لمنطقة الفم وحول الأسنان وأنسجة الفم ووظائفه والأضرار التي لحقت به.
وانتهت نتائج هذه الدراسة إلى وجود ارتفاع في معدلات الفريتين والحديد داخل اللعاب، وذلك عند مقارنتها بالأشخاص غير المصابين بهذا المرض، وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة مضاعفات التهابات الفم والمنطقة الموجودة حول الأسنان، بسبب ترسب هذه العناصر داخل خلايا وأنسجة الفم، وظهور التأثير السام لها في أماكن أخرى.