ينتمي المفكر الراحل محمد عابد الجابري إلى سلسلة ذهبية من المثقفين العرب تبدأ بالمعتزلة ولا تنتهي بمحمد عبده، وتعيدنا سيرة الجابري واجتهاداته الفكرية إلى كبار دعاة العقل في ثقافتنا، فيذكرنا بابن رشد في بحثه المحموم عن نقاط الاتصال بين الحكمة والشريعة . لم يلبث الجابري بعد مشروعه الموسوعي عن العقل العربي إلا أن بدأ مشروعاً آخر لتفسير القرآن الكريم . ينتمي الجابري مرة أخرى إلى
المنورين العرب في العصر الحديث، فتلمسه لأصول وفصول العقل في تراثنا، تأكيده كل ما هو قابل للتحقق من خلال البرهان، يتقاطع مع الطهطاوي وخير الدين التونسي وطه حسين وغيرهم . . دعوته للانفتاح على العصر، دراساته العديدة حول الموروث الأدبي والفلسفي . . . إلخ، تؤكد أنه ظل داخل سرب دعاة النهضة ومقولتها الأساسية المرتكزة على إحياء أفضل ما في الذات، وتبني ما يناسبنا من قيم وعلوم الآخر.
يصف المفكر الإسلامي المستشار طارق البشري د .الجابري بأنه من كبار المفكرين الذين تركوا فكراً مدروساً وممنهجاً، له وجهات نظر ذات شأن، وأنه لا ينظر إليه على أنه توفي، لأن كتاباته ستظل باقية، وستظل كذلك للقراء، وزادًا للفكر العربي، ولن ينقطع هذا الزاد، مادام هناك مخلصون يحافظون عليه .
ويقول المستشار البشري: إنه من الضروري التواصل مع هذا الفكر بإقامة الندوات لتدارسه، وإعادة إصدار كتبه ومؤلفاته، وأن تحظى باهتمام من المفكرين والكتاب في الوطن العربي، وفاء لما كتبه الراحل الكبير، وزاداً ينهل منه المتلقون .
ومن جانبه يصف الكاتب محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب ورئيس اتحاد كتاب مصر رحيل الجابري بأنه خسارة كبيرة للكتاب والمفكرين العرب، خاصة أن الجابري علم من أعلام الفكر والنهضة في الوطن العربي .
ويقول: إنه مع ذلك، فإن الجابري سيظل بكتاباته نقطة ضوء في عالمنا العربي والإسلامي، لدوره في دراسة التراث العربي والإسلامي وكتاباته الفلسفية، ما جعله رائداً من رواد الفلسفة الإسلامية وعلماً من أعلامها .
ويضيف سلماوي أن الجابري صاحب مشروع نهضوي استطاع أن يمزج فيه بين الأصالة والمعاصرة، نتيجة لما كتبه من مؤلفات تزخر بها المكتبة العربية في حقول التراث العربي والإسلامي والفلسفة التي تعامل معها الجابري معاملة العالم الواعي بقضايا أمته، وفضلاً عن منافشته للعديد من الإشكاليات، وأبرزها العلاقة بين العروبة والإسلام .
أما د .يوسف زيدان أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة الإسكندرية فيؤكد أن الجابري صاحب مشروع نهضوي للفكر العربي سيظل باقياً، ينهل منه المبدعون والفلاسفة والكتاب وأنه استطاع أن يؤصل لمشروعه النهضوي من خلال كتاباته المتنوعة .
ويقول زيدان: إنه برحيل د .محمد عابد الجابري يكون الفكر العربي قد فقد علماً من أعلامه، ورائداً من رواد الفلسفة الإسلامية التي درسها د .الجابري وبرع فيها، وحرص على أن يقرأها قراءة المفكر والعالم المتبحر، فاستخلص منها مشروعه الذي سيظل باقياً لنهضة الأمة العربية والإسلامية .
ظاهرة
وبدوره يشير الكاتب حلمي النمنم نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى أن الجابري كان ظاهرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، فهو لم يكن مفكراً مغربياً فقط، ولكنه جمع بين المشرقيين والمغربيين، لكونه ولد في المغرب، وتعلم في دمشق، حتى صار متميزاً بين مفكري المشرق والمغرب في عالمنا العربي والإسلامي .
ويشيد النمنم بكتابات الجابري في الدراسات الإسلامية التي أتاحت له انتشاراً كبيراً، سواء في مصر أو سوريا أو في جميع أنحاء العالم العربي، لكونه كان متنوع المعارف والعلوم، والتي كانت تنهل من اهتماماته وقراءاته في التراث العربي والإسلامي، وهو ما ظهر في حصوله على أطروحة الدكتوراه .
ويعرب عن حزنه لرحيل الجابري الذي اعتبره غزير الإنتاج، كما كان غزير الفكر، وأن الدراسات التي كتبها عنه سواء جورج طرابيشي أو حسن حنفي أو محمود أمين العالم، إنما تؤكد أن أعمال الجابري ستظل باقية، وأن هناك من سيقومون بدراستها، وهو ما يمكن أن يثير حالة نقدية ينشأ عنها مؤيدون ومعارضون لها .
الكاتب د .محمد الجوادي يؤكد أن الجابري تميز بالإلمام الواعي بالتراث والقدرة على نقده، وبراعته في توظيف أدواته المعرفية والفلسفية وروح العلم الحديث لقراءة التراث الفلسفي العربي، ودوره في نفي مقولة إنه لا توجد فلسفة عربية، وأن الموجود منها هو فلسفة يونانية بحروف عربية .
ويقول الجوادي إن الجابري جاء لينفي المقولة السابقة، وليؤكد أن الفكر العربي والإسلامي وإن كان واجه إشكاليات كبيرة للغاية، إلا أنه أصل بطريقة مباشرة أنه فكر أصيل، حتى وإن أخذ واقتبس من الفلسفة اليونانية .
ويضيف أنه على هذا النحو استطاع الجابري أن يخوض في قضايا العصر، ومنها الديمقراطية والانتماء والعروبة ومفهوم النهضة وشروطها، وهي كلها مجالات قدم فيها الجابري أطروحاته التي أصبحت تستدعي مواكبة العرب لها، سواء في ما طرحه من نظريات سياسية أو اجتماعية من دون قيود من التراث الديني، في الوقت الذي كان يرى فيه بعض المثقفين أن هذا التراث إنما يقف قيداً على حركة الأمة العربية .
ويقول إن الجابري خرج من هذه الإشكالية بأن وجه النقد إلى العقل العربي، وليس إلى الفلسفة العربية، باعتبار أن الأول قابل للتغيير، وأن الفلسفة لا تقبل التطوير، ولذلك قدم حلاً جذرياً للصراع بين الأصالة والمعاصرة .
ويوضح أن مشروعه الثقافي المتعمق استطاع أن يرسم ما يتمناه المرء من نهضة للأمة العربية والإسلامية من خلال دراساته التي كانت نابعة من التراث العربي الذي نبع منه الجابري .
انفتاح
أما الكاتب د .عمار علي حسن الحاصل أخيراً على جائزة الشيخ زايد للكتاب، فيؤكد أن الجابري أنتج معرفة معمقة حول الحال العربي ومستقبله انطلاقاً من خلفيات علمية وأيديولوجية متعددة أخذ منها الجابري مشروعه الفكري واسع النطاق، المفتوح على روافد متنوعة من العلوم .
ويقول: إن مشروع الجابري سيبقى مؤثراً في نقد العقل العربي الذي سعى فيه الجابري إلى البحث عن برهان يتجاوز البياني والعرفاني، منطلقاً من النظر إلى العقل العربي على أنه جملة من المفاهيم والفعاليات الذهنية التي تحكم بهذه الدرجة أو تلك من القوة والصرامة، رؤية الإنسان العربي .
ويضيف أن الجابري ومنذ البداية كان يربط بين الأبيستيمولوجي بالأيديولوجي في تكوين العقل العربي، وأنه من خلال هذا المشروع كرس إنتاجه الفكري للجانب الأبيستيمولوجي، وأنه جعل فعل السياسة في العقل العربي موازياً لفعل العلم في العقل الغربي فضلاً عن تناوله للعقل السياسي العربي .
ويرصد د .حسن ثلاثة محددات رأى الجابري أنها تحكم العقل السياسي العربي في الماضي، ولا تزال تحكمه في الوقت الحاضر بصورة أو بأخرى حتى ولو من خلال اللاشعور السياسي الذي يقوم على أن وعي الناس ليس هو الذي يحدد وجودهم السياسي، إنما منظومة من العلاقات المادية القاهرة .
ويقول: إن هذه المحددات هي العقيدة والقبلية والغنيمة، والتي تجلت على مدار التاريخ العربي والإسلامي في دولة الملك السياسي التي تقوم على الأيدلوجيات السلطانية عند السنة وميثولوجيا الإمامة عند الشيعة .
يرى الكاتب والروائي يوسف القعيد أن اسم المفكر الراحل محمد عابد الجابري ارتبط بطرح أسئلة العصر على التراث، فهو لم يكن أسيراً لهذا التراث، كما لم يكن رافضاً له، لكنه طرح أسئلتنا جميعاً عليه . يضيف القعيد أن الجابري لم يكن هدفه من المسألة مجرد العثور على إجابات بقدر ما كان يهدف إلى استيحاء هذا التراث، واستعادته، والتعامل معه بعيداً عن القداسة المعروفة وهذا هو الركن الأول أو الركيزة الأولى في مشروعه الفكري .
أما الركيزة الثانية في مشروع الجابري كما يراها القعيد فتتمثل في إحياء قيمة العقل في مواجهة النقل، أي إعمال العقل في كل شيء، فقد استخدم عقله استخداماً إنسانياً بالدرجة الأولى، واعتبره أهم ما يميز الإنسان في هذا الكون، لذلك فقد استوقفه كل من ابن رشد وابن حنبل، فقد توقف أمام محنة ابن حنبل مثلما توقف أمام أسئلة ابن رشد، هذه الأسئلة التي مازالت صالحة لزماننا أكثر من الزمن الذي عاش فيه ابن رشد نفسه .
يؤكد القعيد أن المفكر الراحل الكبير محمد عابد الجابري كانت لديه محاولة في السنوات الأخيرة تتعلق بدراسة القرآن الكريم في عشرة مجلدات وقد أثارت هذه الدراسة كثيراً من ردود الفعل ضده، ورغم أنني لم أطلع على ما كتبه في هذا الميدان، إلا أنني واثق أنه تناوله بنفس الجدية والدأب، ويبقى أن أشير إلى أن الجابري هو أول مفكر تنافس كتبه الروايات ودواوين الشعر والكتب الخفيفة في انتشارها .
أما الناقد والشاعر شعبان يوسف، فيرى أنه بعيداً عن اهتمام الراحل محمد عابد الجابري بالفلسفة، فقد كان متهماً بالشأن العام وله إسهامات عديدة في هذا السياق، كما أن سيرته الذاتية كان لها هذا الطابع الفلسفي، الذي يحرض الآخرين على الكتابة، وهذا راجع إلى أن الفلاسفة حينما يكتبون سيرهم الذاتية فإنهم يلفتون النظر بشدة، فمحمد عابد الجابري لم يتقوقع بين أسوار العمل الأكاديمي بل تخطاه إلى القضايا العامة والسياسية، ومهما كان متبنياً لوجهات نظر تم الاختلاف عليها، إلا أنه كان موضوعياً ومحايداً، غير أن أهم ما أود الإشارة إليه يقول يوسف هو روايته أوراق التي صدرت في الثمانينات والتي يُعد بها أول مفكر فلسفي له عمل إبداعي حقيقي، فقد كانت هناك إسهامات أدبية لبعض الفلاسفة مثل عبدالرحمن بدوي في كتاباته الشعرية، لكن نصه الأدبي لم يبد فيه هذا الاعتناء الكبير بالجانب الفلسفي .
يضيف شعبان يوسف أن الجابري كان يكتب في مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس، منذ أواخر الستينات إلى الثمانينات، وكان رئيس تحريرها آنذاك بلال الحسن، كان يكتب مقالاً أسبوعياً مثيراً للجدل، لدرجة أن نشأ بينه وبين د .حسن حنفي حوار ثري في المجلة ذاتها امتد لحوارات عدة ثرية تنم عن الرقي، فقد دعا د .حسن حنفي إلى فكرة تثوير التراث العربي في محاولة لاستجلاء العناصر الثورية التغييرية القائمة على مفهوم الجسارة العقلية والفكرية في مقابل العناصر التسليمية الثبوتية التي تمثل الجانب الآخر من هذا الفكر، معتبراً هذا التثوير في تحقيق وتثبيت مفهوم الصلاحية التراثية لكل زمان ومكان، أي لا يمكن أن يكون التراث صالحاً إلا إذا كان قائماً على مفهوم التغيير والتثوير الدائمين، أما إذا اقتصر على الانغلاق والثبات فإنه محكوم عليه بالإعدام .
توجس
يؤكد د .صلاح السروي أستاذ الأدب المقارن والحديث بجامعة حلوان وجهة نظر الناقد شعبان يوسف، مضيفاً أن المفكر الراحل محمد عابد الجابري يعد واحداً من المفكرين المعدودين في زماننا حيث نعاني من ندرة في الفكر العربي في هذه المرحلة من التاريخ، هذه الندرة تعود إلى الموقف المتوجس من الفلسفة الذي قد يصل إلى حد التحريم في بعض المناطق، وهو ما أدى إلى أن يصبح ظهور مفكر مثل محمد عابد الجابري من الأمور الكبرى ويصبح فقده خسارة أكبر وأفدح، فالجابري يقول د .صلاح السروي إلى جانب كونه مفكراً، فقد بنى معظم جهده الفكري على مهمة دراسة العقل العربي ناقداً إياه وطارحاً لرؤى إعادة بنائه مرة أخرى، ولديه إنجازه الفكري الكبير في نقد العقل العربي . أي أنه تصور أن هناك بنية ذهنية عربية محددة يطرحها ما يمكن تسميته بالبناء الثقافي العربي القائم في جوهره على الموروث العربي، ليس من حيث الوقائع التاريخية فقط، بل من حيث أنماط التفكير السائد في هذا التراث العربي، وقد لاحظ الجابري أن العقل العربي بصفة عامة يقوم على بنية ماضوية أي تنتمي للماضي، ويتم إسباغ نوع من القداسة على كل ما هو قديم بما يجعل هذا القديم معياراً على صواب وخطأ الجديد، الأمر الذي يجعل مستقبلنا قابعاً في ماضينا، وهذه كارثة كبرى حيث يتم نفي ملكة العقل الجدلي أو العقل النقدي، ويتم تلقي الماضي بعقلية تسليمية ثبوتية تتصور هذا الماضي كياناً مطلقاً مفارقاً للإنسان، فهو لا يعتريه الخطأ ولا يفارقه الزلل، وهو ما أدى من ثم إلى توليد عقلية تبريرية تمارس نوعاً من التعمية على ذاتها وعلى غيرها .
من هنا يلتقي العابدي مع كبار مفكرينا السابقين عليه أمثال طه حسين، وزكى نجيب محمود، ومحمود أمين العالم ولويس عوض ومحمد أركون في ضرورة تجديد العقل والفكر العربيين، بحيث يتم تحويله من عقل اتباعي إلى ابتكاري إبداعي .
لقد كان الجابري واحداً من أهم حارسي الفكر العربي والإسلامي والفلسفة العربية الإسلامية، حيث انطلق من كتب المفكرين إلى ما يمكن أن يصلح به حاضرنا ومستقبلنا، فقد كانت قراءته للفلسفة والفكر العربي القديمين قراءة نقدية تمحيصية تحاول أن ترصد الثوابت وتصنفها عن المتغيرات في محاولة لإيجاد ما يمكن أن يكون نافعاً لواقعنا الراهن . إذن كانت دراسته للقديم في خدمة الراهن وليس العكس، وصلاً بين القديم والمعاصر لنا من أفكار وفلسفات أوروبية غربية كانت أم شرقية، وهو ما جعل إنتاجه الفكري يمثل جسراً بالغ القوة والأهمية بين عدة محطات يمثلها الفكر العربي والإنساني والواقع الراهن .
ويضيف د .السروي أن الفارق بين المفكر د .حسن حنفي والراحل د .محمد عابد الجابري أن الأول دعا إلى اكتشاف مناطق التثوير في التراث، بينما وجه الجابري مشروعه نحو مقرطة النظرة إلى العالم أي إيجاد نوع من العقلية العربية التي تتعامل مع التراث على نحو نقدي حر وليس على نحو اتباعي تقديسي، فمشروعه كان ذاته مشروع النهضة العربية الحديثة، وأكاد أقول إنه مشروع ابن رشد والمعتزلة، فهو المشروع الذي حاول أن يوجد الرابط بين العقل والدين أو بين الحكمة والشرع، وهو نفسه مشروع الإمام محمد عبده حينما حاول التوفيق بين العلم والدين، فمشروع الجابري بمثابة استمرار لمشروع محمد عبده بحثاً عما يشبه نوعاً من الاطلاع الفكري والعقلي والديني لمثقفين بما يجعلهم قادرين على النهوض بعبء تقدمها وازدهارها .
ريادة
وفي شجن يشير الناقد الكبير عبدالمنعم تليمة إلى أن الريادة بعد أن كانت موجودة في مصر والشام والعراق، نشأ جيل جديد في المغرب العربي والجزيرة العربية والسودان، ففي السودان ظهر أعلام كبار من المحققين والرواة والشعراء والمفكرين، وكان المغرب في منتهى الخصوبة كان أولهم محمد بن تاويت الطنجي الذي تخرج في آداب القاهرة سنة 1939 على يد عميد الأدب العربي د .طه حسين، ثم جاء جيل آخر، من أهمهم الناقد الكبير محمد برادة رئيس اتحاد الكتاب المغاربة .
في نفس هذا الوقت تخرج الراحل الكبير المفكر محمد عابد الجابري في المغرب التي حصل منها على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية في جامعة محمد الخامس حتى قبل رحيله . يقول تليمة إن الجابري عرف في الثقافة العربية المعاصرة بدراساته النقدية في التراث، وكان أفضل جيلنا الذي يدرس التراث بالمعايير العلمية العالمية، لفت إليه الأنظار بقوة في كتابيه الكبيرين جداً (بنية العقل العربي)، (تكوين العقل العربي) . . وتعددت زياراته لمصر وسوريا ولبنان .
ويضيف الناقد عبدالمنعم تليمة قائلاً: كنا نحتفي به وبوجوده بيننا وننتهز الفرصة ليعطي مجموعة من المحاضرات واللقاءات والندوات والمناظرات، فالجابري تخرجت على يديه أجيال، وامتد تأثيره إلى الشرق، فبرزت كتابات تناقش أعماله، وتأثيره كان الأبرز بين جيله .
أما التحفظات التي كانت حول مشروعه فسببها السياسة، لأنه كان عضواً في المكتب السياسي لحزب القوى الاشتراكية، كما كانت هناك تحفظات من بعض مفكري الشيعة، ليتضح أن هذه التحفظات إما سياسية وإما مذهبية أي غير علمية .
كما أنه يبقى له في هذا الوجود أنه فسر القرآن بالمنهج البلاغي في ثلاثة مجلدات كبيرة .
الكاتبة فريدة النقاش رئيسة تحرير جريدة الأهالي ترى أن محمد عابد الجابري واحد من كبار المفكرين العرب الذين عرفهم القرنان العشرون والواحد والعشرون، فهو غزير الإنتاج، متعدد الاهتمامات، لكنه ركز في السنوات الأخيرة على كيفية تكوين وتشكيل العقل والمنابع الفكرية والفلسفية التي أسهمت في هذا التشكيل، وكان إنتاجه موضوعاً لجدل واسع في شرق وغرب الوطن العربي، رغم انحيازه إلى ما سماه بالعقلية العلمية في المغرب العربي لاهتمامه الكبير بابن خلدون، واعتزازه هو نفسه بأنه ينتمي للمغرب العربي، لكنه عدل عن أفكاره حول هذه القضية، ووصل إلى ما وصل إليه العلم الحديث الذي يرى أن العقل يتشكل طبقاً للمستوى الحضاري والاجتماعي، وليس له علاقة بموطن النشأة في تشكيله .
ثم عاد الجابري تقول النقاش في أيامه الأخيرة ليستعين على نطاق واسع بالنظرية المعرفية المادية التاريخية لاعتقاده في صحتها في تحليل والتقاط المناطق الشائكة، والقدرة على تحليلها في تطور الشعوب والإنسان بشكل خاص، وسوف تظل كتاباته جسراً بين مشرق الوطن ومغربه . . وتضيف الكاتبة فريدة النقاش في أسى، إنه للأسف الشديد فإن كبار المفكرين والفلاسفة في الوطن العربي يظل تأثيرهم قائماً في ساحة النخبة، وعلى رغم تطور وسائل الاتصال والإنترنت، فإنهم يظلون معزولين عما نسميه الجمهور العام، وفي أحسن الأحوال عرفتهم الجامعات ومراكز البحوث، لكن الإعلام لم يلعب دوره المنوط به تجاه مفكرينا الكبار .
أهمية
يقول الناقد محمد دكروب: لا بد من القول بدايةً إن الثقافة العربية عموماً والفكر العربي خصوصاً، خسر واحداً من أعلامه الكبار، والخشية أن يترك الراحل الكبير فراغاً لا يمكن سدّه وملؤه من قبل مجايليه أو من قبل الأجيال اللاحقة، فقد تميز الجابري بكونه صاحب أسئلة وأطروحات فلسفية وفكرية قادرة على ملامسة عقول النخبة وعقول القراء العاديين أيضاً، وأظن أن صدور مشروعه الضخم نقد العقل العربي مثل حالة مختلفة وغير مسبوقة في الفكر العربي المعاصر، فقد وصل هذا المشروع بأجزائه الأربعة إلى شرائح واسعة ومتنوعة من القراء العرب، وأثارت الأطروحة الرئيسية فيه نقاشات وسجالات لم تتوقف إلى اليوم، وأشهر تلك السجالات ما كتبه جورج طرابيشي في ما سماه نقد نقد العقل العربي .
وأظن أن رد طرابيشي كان عميقاً وتفصيلياً، وجاء في سلسلة كتب مشابهة للمشروع المنتقد نفسه . مشروع الجابري كان بداية انفجار مشاريع كثيرة قام بطرحها مفكرون وباحثون آخرون، هكذا، قرأنا أطروحات حسن حنفي وعلي أومليل وسالم يفوت وعبد السلام بنعبد العالي ونصر حامد أبو زيد وهشام جعيط . . . وغيرهم . أهمية الجابري في أنه لم يستسلم لأطروحة واحدة، ولم يشتغل في حقل واحد وضيق من حقول الفلسفة والفكر، فاشتغل في الأفكار النهضوية والتراثية والمسائل العقلية والقرآنية، قدم قراءته الخاصة للفكر العربي المعاصر، وكيفية مقاربة ممثلي هذا الفكر للقضايا الأكثر الحاحاً على الحاضر العربي ومستقبله . كان منفتحاً وممتلكاً رؤيا واسعة وعميقة . يرحل الجابري وتبقى أسئلته الحارقة ومنهجيته الدقيقة والعميقة وعقلانيته التنويرية، ولا بد أن يكون غيابه محرضاً على إعادة وصل أفكاره وأسئلته بالتطورات الآتية، خصوصاً أن الكثير من أفكاره لا تزال تحتفظ بقدرتها على إثارة الحوار والسجال .
الناشر رياض نجيب الريس يقول: إن خسارة مفكر كالجابري ينبغي ألا تمنعنا من رؤية الواقع الفلسفي العربي على حقيقته . صحيح أن الراحل الكبير اشتغل على قضايا وأطروحات ضخمة ومعقدة، وأظهر رؤيا متكاملة حول تلك القضايا، ولكن السؤال الذي أود طرحه هنا لا يتعلق بالمنجز الفلسفي للراحل ولا بالمنجز الفلسفي والفكري لمفكرين عرب آخرين . لماذا ظلت الفلسفة العربية حتى اليوم حبيسة التفلسف المحض؟ ولماذا لا يزال المفكرون والباحثون العرب يشتغلون على قضايا كبرى ومشروعات ضخمة أغلبها يدور في فلك التراث والمعاصرة، العقلانية والسلفية، الفكر الديني، . . إلخ؟ لماذا لم تنزل هذه الفلسفة من مقام الفلسفة المحض إلى فلسفات أصغر؟ أقيس هنا على حال الفلسفة في أوروبا التي تشظت وتفتتت وسمحت بتسرب مكونات وعناصر لا تبدو لائقة بالفلسفة لأول وهلة . بالمقارنة مع ما نقرؤه لمفكرين وكتاب أوروبيين، يبدو مفكرونا ثقيلي الدم ومضجرين ومثيرين للسأم . والسؤال الذي يثور هنا هو كيف يمكن لهذه الفلسفة أن تحتفظ بنقائها الأزلي في ظل التحولات الكبرى والمعقدة التي يشهدها العالم؟ كيف يمكن لمفكر عربي أن يدبج آلاف الصفحات الفلسفية من دون أن يتسلل إليها أفكار عن الشعر أو اللوحة أو الرواية أو السينما أو الرقص المعاصر أو فن الصورة . . إلخ؟ كيف يمكن الحديث عن عقل عربي وهوية عربية وخصوصية عربية أو إسلامية في عالم يهددنا بالغياب عن مسرحه ما لم ننخرط فيه ونؤثر فيه ونتأثر به؟ أظن أن مشكلة الفكر الفلسفي العربي تكمن في تجاهله لأسئلة الحياة والواقع، وفراره إلى الماضي والتراث . ولهذا أقول إن الجابري قدم أفكاراً مهمة ومميزة، ولكنه بقي، مثل أغلب أقرانه، مرتهناً لصورة المفكر العربي الذي ينوء تحت قضايا كبرى ومتضاربة، تبدأ بالعقل والعقلانية وتنتهي بالفقه والخطاب الديني .
استعادة
يقول الدكتور سالم يفوت: برحيل محمد عابد الجابري فقد المغرب والوطن العربي وجها من وجوهه الأساسية في سماء الفكر والثقافة العالمية . فقد ترجمت مؤلفاته إلى عدة لغات من بينها الفرنسية والتركية، كما أن أعماله أثارت اهتماماً كبيراً بسبب الأفكار التي انطوت عليها، وخلقت نقاشاً كبيراً داخل أوساط المثقفين والمفكرين في المغرب والعالم والعربي . ونحن جميعاً نتذكر الأطروحات، التي تضمنها كتاب نحن والتراث الذي وظف فيه الجابري للمرة الأولى مفهوم القطيعة مع التراث الإسلامي .
كما نتذكر الزوبعة الفكرية التي أثارها كتابه تكوين العقل العربي الذي هو الجزء الأول من نقد العقل العربي، والذي أثار فيه ما سماه صراع نظم العقل العربي الثلاث: العرفان والبيان والبرهان .
وهي نظم سيأتي شرحها وتفصيلها بإسهاب في الجزء الثاني من كتابه بنية العقل العربي .
أما الجزء الثالث من مشروعه الكبير فخصصه لنقد العقل السياسي العربي، ثم أردفه بجزء آخر خصصه لنقد العقل الأخلاقي العربي، ثم توج الجابري اجتهاده بكتابه الشهير مدخل لدراسة القرآن الكريم وهو مقدمة لثلاثة أجزاء في تفسير القرآن اختار لها عنوان فهم القرآن الحكيم وهو تفسير لا يشبه تفسير غيره، ويتميز عن تفاسير القرآن المعروفة .
يقول الدكتور أحمد شراك: أعتقد أن محمد عابد الجابري هو مفكر ما بعد عصره، ومن هنا لا شك أن الأجيال المقبلة ستعود إلى استعادة الجابري وقراءته قراءة، انطلاقاً من العصر المقبل ومن تطور الزمن، خاصة أن نصوصه حول العقل العربي، على وجه الخصوص، ليست وليدة لحظة أو نتيجة لرؤية العالم في ظرفية محددة، وإنما هي قراءة هادئة وعميقة للبنيات، وتكوينات وطرق اشتغال العقل العربي، أي أنها انطلقت من سؤال إبيستمولوجي استشرافي لهذا العصر .
ومن هنا، وعلى ضوء المستجدات، التي ستطرحها الأزمنة المقبلة، سيكون الجابري في قلب هذه المستجدات، أي في قلب اجتهادات وتأويلات الأجيال المقبلة من المفكرين ومن الفلاسفة . وهكذا يبدو أن الجابري لن يمر مرور الكرام في هذا الزمن، بل سيشكل أثراً لا مندوحة عنه في تاريخ الفكر العربي آناً واستقبالاً .
فالجابري، رجع إلى التراث، والقراءات، التي قدمها لم تقف عند عصرها، وأعتقد أن الحاجة مازالت قائمة الى قراءته، بعيداً عن السجال والجدل الذي عادة ما يثيره المعاصرون، لأن المعاصرة حجاب، قد تحجب الكثير من التغيرات والكثير من الحقائق، انطلاقاً من أوضاع أصحابها ومصالحهم وحساسياتهم في زمن تغلب عليه التنافسية، والبحث عن سرقة النار كما يفعل الشعراء، كما أن كتاباته رزينة وحفرياته عميقة، وفي الوقت ذاته استشرافية، ما يعني أنه سيكون بالتأكيد حاضراً كمفكر عربي وعالمي في مدارات الفكر الإنساني .
يقول الدكتور عبدالرحمن طنكول: ماذا يمكن أن نقول اليوم بعد وفاة الجابري، وما هي حصيلة هذا الفيلسوف الذي كان حاضراً بقوة داخل المشهد الفكري المغربي والعربي في الوقت ذاته . لقد خلف الجابري إرثاً كبيراً من النصوص الأساسية تهم العقل العربي، وتهم الفكر العربي المعاصر، وتعنى بالفلسفة العربية في عمقها التاريخي والحضاري وارتباطها بالفلسفة الإسلامية، وفي تقاطعها وامتدادها مع التراث الفلسفي في الغرب .
وفي كل مؤلفاته، كان هاجسه الأساس هو محاولة إعطاء العقل العربي المكانة التي يليق بها، محاوراً في ذلك أبعاداً كثيرة، إيديولوجية وسياسية وميتافيزيقة، ومحاولاً أيضاً، أن يجد لنفسه نسقاً فلسفياً متكاملاً، وأعتقد أن جهوده في هذا المجال حققت الكثير من أهدافها . كما أن كل الذين حاولوا أن يحاوره أو دخلوا معه في جدالات حاوروه انطلاقاً من هذا .
ربما ما نختلف معه في مشروعه الفلسفي، هو أنه لم يعط حيزاً داخل هذا المشروع للأسئلة التي أتت بها الفلسفة الجديدة، أي تلك التي تبلورت في بنيات وسياقات مثل ما أتى به دريدا وآخرون، وهي إضافات حاولت أن تخرج الفلسفة من إطار الإطلاقيات، فالفلسفة في منعرجاتها الأخيرة حاولت أن تسائل اليومي، بينما الجابري انشغل بالكليات، ورغم هذا النقص، فإن حصيلة مشروعه جديرة بالتقدير، وجهده لن يذهب سدى، ذلك أن منجز محمد عابد الجابري منجز مهم ولا بد من العودة إليه في محاولة لإضاءة العقل العربي من جديد خارج الدوغمائيات، فالعقل العربي، اليوم، في احتكاك شديد مع الثورة الرقمية والاقتصادية والهزات الثقافية العنيفة، وبالتالي، فإن مثل هذه العودة ستقدم إضاءات لما يمكن فعله وعمله، وستمكن من اكتساب مناعة للمقاومة .
قام الجابري بترسيخ ثقافة المواطنة والوعي بالذات، وكانت إسهاماته كبيرة في ترسيخ ثقافة شعبية تبسيطية في متناول الجميع، وتجديد العقل النقدي اليومي .
معالم
المفكر الموريتاني محمد ولد أحظانا يرى الجابري واضح الرؤية، واسع الاطلاع، غزير المعلومات، منظم التفكير، يتحلى بتقاليد العلماء الراسخين في العلم، يحكمه عقل منطقي ضارب في العمق والرجاحة . كما كان موفقاً في تحويل فكره الداخلي إلى منظومات واضحة المعالم، سهلة الفهم، حتى ولو كانت من أعقد القضايا الفلسفية والفكرية . هكذا عرفته عندما كان يدرسني في قسم الفلسفة، وهكذا عرفته عندما كانت تجمعني به ندوات فكرية عربية وإسلامية لاحقاً .
وإذا كان لي أن أبدي رأياً في هذه المفكر الكبير، على تواضع مقامي حوله، فإن مجمل ما بنيته حوله من تصورات يتلخص في مجموعة من الرؤى والآراء، أوجزها فيما يلي:
- استطاع الجابري أن يبني لنفسه مشروعاً فكرياً واسع الأرجاء ويخصه هو من دون غيره، انصب في مجمله على الثقافة العربية الإسلامية، وعمل عليه طوال حياته، وأنجز فيه إنجازات لا غبار عليها، بالمقياس المنهجي، وطبيعة الاختيار، وزاوية النظر، وشمولية المواضيع .
- عرض الجابري مشروعه بأسلوب بالغ السلاسة، أعاد إلى النثر العربي طراوة نثر الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، والغزالي، وعقلانية ابن خلدون وابن رشد الحفيد . وهما أكبر فيلسوفين فتن بهما الجابري، وجعل منهما نقطة ارتكاز لنقد الفكر والتراث العربيين، وسنداً في تحليل ونقد العقل العربي .
- استطاع أن يبني قنطرة مكينة بين التراث العربي والفكر الحداثي في مزاوجة هادئة، توخت احترام المشارب الفكرية العربية الإسلامية القديمة، والنزعات العقلانية الفكرية الحديثة . وإن كان ميله العميق إلى النزعة العقلانية قديماً وحديثاً، ونفوره من الفكر الإشراقي الذي اعتبره المسؤول الأول عن تدهور أو انهيار العقل العربي .
- استطاع أن يبني رؤية متكاملة حول العقل العربي، باعتباره مكوناً من ثلاثة روافد، هي البيان، والعرفان، والبرهان . وقد أخضع كل واحد من هذه الأنماط إلى مبدإ معين . وبالعودة إلى الكتب الجليلة: نقد العقل العربي: التكوين والبنية، يتضح لنا الجهد العلمي والفكري التنظيري الذي بذله الرجل في تشكيل معالم وثوابت هذا العقل .
- قرأ الجابري التراث العربي في كتابه نحن والتراث فانتقد الخطاب الأيديولوجي والخطاب التراثي بآليات حديثة، وقرأ العقل السياسي العربي من خلال كتابه نقد العقل السياسي فبنى نقده على خلفية خلدونية في العمق، رغم استخدامه لآليات حداثية في هذا النقد .
- ورغم ما وجه للجابري من نقد في سنوات ماضية حول عدم قراءته للقرآن كسلطة مرجعية في التفكير العربي الإسلامي، فقد عاد في السنوات الخمس الأخيرة ليسد تلك الثغرة من خلال تفسيره للقرآن تفسيراً يربطه بالتنزيل وأسبابه، فأضاف إضافة واضحة من خلال زاوية رؤيته للنص القرآني حيث أعاد إنارة فهمنا له بواسطة رابطة سياق الرسالة والإبلاغ، ونمو المفاهيم في عقول المسلمين وتساوق ذلك مع التنزيل بصورة بديعة . وهو توجه تأويلي أضاف الى تفسير القرآن بعداً من أبعاده التي لا تقع تحت حصر .
- استطاع أن يخلق قطباً فكرياً مغربياً في نزعة حنين إلى الاستقطاب الثقافي القديم: أهل المشرق وأهل المغرب . وقد اتضحت نزعة الجابري من وراء إبرازه لتجديد الفكر الإسلامي بإسهام المفكرين المغاربة، كابن رشد وابن خلدون، والشاطبي . . وغيرهم إلى حد أسيء فهمه أحياناً من طرف بعض نظرائه .
- أرى أن الفكر العربي بعد الجابري لم يكن كما كان قبله، بفضل المستوى الذي رفع إليه نقاش القضايا الفكرية، والجدية والمثابرة التي جعلت منه معلماً لا يمكن تجاوزه من طرف أي مفكر آخر يتصف بالجدية، فالتغاضي عنه غير ممكن إطلاقاً، سواء معه أو ضده . وهذا إنجاز كبير لأي مفكر .
- أرى أن الجابري توصل إلى بعض الاستنتاجات التي يمكن نقاشها، ومن ذلك على وجه المثال لا الحصر، مبدأ التجويز في نظام البيان . حيث توصل إلى أنه لا يخضع للضرورة والتواصل .
الكاتب ولد سيدي عبد الله يقول: يمكن الحديث عن محمد الجابري من ثلاث زوايا، والغريب في الأمر أن هذه الزوايا بدأت من الأكثر أكاديمية نحو الأقل، وهي ربما تعبر عن المرحلة العمرية بحيث إنه بدا في محاولة وتفكيك بنية العقل العربي انطلاقاً من معطيات دينية تتكئ على الخلفية الإسلامية أساساً، وفي هذا المجال صدرت مجموعة مهمة من الكتب . أشهرها كتابه نقد العقل العربي .
ويبدو أن الجابري اكتشف في مرحلة من مراحله نتيجة احتكاكه الدائم بأمهات كتب التراث، أن بنية العقل العربي يجب أن يؤصل لها من المرحلة الماضية في تاريخ العرب . بحيث لا تكون البداية من المرحلة التي أطلق عليها عصر النهضة .
ويتفق أغلب باحثي منطقة المغرب العربي أن الجابري هو أول مفكر مغاربي يخترق أسوار الشرق، بحيث أثر كتابه كثيراً وتم الرد عليه والتأليف عنه . ونستحضر في هذا المجال كتاب جورج طرابيشي نقد نقد العقل العربي .
وفي المرحلة الثانية اتجه الجابري إلى فكر ابن رشد أساساً ومحاولة تأصيله من جميع نواحيه . بدءاً من الرؤية الفلسفية عنده وانتهاء باكتشاف نوادر مؤلفات ابن رشد التي لم تكن معروفة عند المثقف العربي، مثل كتابه الضروري في النحو .
وفي السنوات الأخيرة من حياته اتجه إلى دمج مقالاته التي كانت متفرقة في الصحف والمجالات وإصدارها ضمن كتيبات صغيرة الحجم تدعى سلسلة مواقف . وفي هذه السلسلة بالذات تحرر الجابري من عقال المفكر والأكاديمي إلى الحديث عن رؤيته السياسية لجملة من القضايا المطروحة على الساحة، وبهذا كله يكون الجابري قد أضاف إلى المكتبة العربية والإنسانية رؤية المثقف المغاربي الذي فضل أن يظل قومياً بأدواته وأهدافه رغم محيطه الفرانكفوني الصرف .
خسارة
الناقد الأدبي د .يوسف نوفل الأستاذ في جامعة عين شمس، يؤكد أنه برحيل د .الجابري يكون الفكر العربي قد خسر صوتاً من أصوات العقل الناضج المتحرر، وهو العقل الذي أثرى الحياة الفكرية العربية المعاصرة بآرائه الموضوعية العميقة التي تستشرف المستقبل، وتتصور خريطة حضارية واعدة لما ينبغي أن يكون عليه الفكر العربي والتنمية الثقافية . ويقول: إن مؤلفاته وأعماله الفكرية الرصينة التي ناقشت أمورنا الفكرية والثقافية بجرأة وبصراحة قد تكون صدمت بعض المفكرين حال ظهورها، لكنه ما لبث أن استوعبها مع المتغيرات المتلاحقة في عصرنا، حيث تتسارع كل الأمور، مؤكداً أنه بذلك يعبر بلوعة وحزن عن رحيل هذه العقلية الفكرية المتحررة التي أضافت اسمها في سجل الخالدين من أمثاله من المفكرين العرب المعاصرين .
ويشير إلى أنه حري بنا دراسة كتاباته، كما درسنا فؤاد زكريا وزكي نجيب محمود، وكما درست فرنسا جان بول سارتر، وتكليف طلاب الجامعات العربية سواء في قسم الفلسفة أو في قسم النقد الأدبي، دراسة الجوانب التي ارتكز عليها الجابري صاحب الفكر المتجدد .
حضور
الشاعر حسن العبد الله يقول: بطريقة ما، يمكن النظر إلى محمد عابد الجابري بوصفه أحد نجوم الثقافة الفلسفية العربية . أقول ذلك لأنه حاز ما يشبه شهرة الشعراء والفنانين، فللمرة الأولى يشيع ويشتهر اسم مفكر عربي بهذه الطريقة التي تجمع بين العمق الفكري والحضور العمومي . لقد اختزل الجابري الفكر العربي في ثمانينات القرن الماضي مع صدور كتابه الضخم نقد العقل العربي، وبات على أقرانه أن يضعوا هذا المشروع في اعتبارهم وهم يبحثون في أطروحاتهم ومشاريعهم الخاصة في الحقل نفسه . هكذا، ما كان في استطاعة أحد أن يتجاوز الجابري أو يتجاهله في أي مشروع أو كتابة تتعلق بالعقلانية أو التراث أو النهضة أو الإصلاح أو الحداثة . . إلخ . كان للجابري حضور، خفيّ أو جليّ، في أغلب الإصدارات العربية التي جاءت بعد طرحه لمشروعه المغاير الذي رمى أكثر من حجرٍ في بحيرة الفلسفة والفكر العربيين .
إضافة
يقول الشاعر الموريتاني بهاء ولد بديوه: بالنسبة للإنجاز الثقافي للجابري والإضافة المعرفية التي حققها، أعتقد أنه من خلال عشرات الكتب والأبحاث والمعالجات قدم الكثير للفكر العربي وللثقافة العربية والإنسانية واهتم بالتراث العربي تأصيلاً وتحليلاً، وهو الاهتمام الذي أعطانا نظرة شبه شاملة عن هذا التراث بغض النظر عن موقفنا من تلك النظرة أو أجزاء فيها . والمميز في هذا المفكر أنه أصبح اليوم من شبه المستحيل على أي باحث في الفكر العربي سواء كان عربياً أو أجنبياً أن يقدم جديداً لا يمت بإحالة وبدرجة ما إلى ما أنجزه عابد الجابري الذي أصبح محطة تأمل وتزود مهمة لكل المهتمين بالشأن الفكري . وبطبيعة الحال كان إنجازه الأبرز هو مشروعه الفكري الذي عمل عليه حول العقل العربي وخاصة في رباعيته بنية العقل العربي وتكوين العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي . ففي هذه الكتب كانت الإضافة المعرفية واضحة، وفتحت باباً للسجال والنقاش والحراك الفكري، ويمكن القول إن محمد عابد الجابري يمثل نموذج المفكر الأكاديمي الذي نجح بذكاء في تمرير معرفته وتأملاته إلى نظرية متكاملة عن التراث العربي . دون أن يخضع للقوالب والمعالجات المعتادة داخلياً أو أسلوب المعالجة الاستشراقية .