جاء المفهوم الجذري الجديد للجاذبية الذي يطرحه الفيزيائي الهولندي ايرك فيرلاند كصاعقة تضرب أركان الفيزياء النظرية، لأنه، بكل بساطة، يقطع كل علاقة أو تواصل مع كل ما تخيله البشر، عالمهم وجاهلهم، منذ 350 سنة عن الجاذبية فالقوة التي تسقط التفاحة على الأرض والتي تحفظ أقدامنا متعلقة بالطريق الذي نسير عليه فوق هذا الكوكب ليست حسب مفهوم فيرلاند سوى سراب، وهذا ما يعيد إلى الواجهة ذلك الجدل القديم المحتدم بين الفيزياء والواقع .

الجاذبية، طبقاً لمفهوم إسحاق نيوتن الذي يعود للعام 1687 حين نشر نظريته حول المفهوم الكوني للجاذبية، تعني أن كل جسم مادي بمثابة مركز ثقل يخضع مجموعة الأجسام الأخرى المحيطة به إلى قوة موجهة نحوه . وتتفاوت شدة هذه القوة حسب كتلة الأجسام ومربع المسافة بينها أو أن هذه القوة تتناسب طردياً مع كتلة الجسمين وعكسياً مع مربع المسافة بينهما .

هذا ما طرحه نيوتن على سبيل المسلمة أو الفرض الأولي الذي لم يثبته وتم التسليم بها كأساس، إذ إن غالبية المعاصرين لنيوتن ومن جاؤوا بعده على مدى يزيد على 200 سنة قالوا إن نيوتن لم يحدد في نظريته، أو فرضيته بالأحرى، أي دليل أو دعامة فيزيائية تثبت كيفية انتشار هذه القوة بين جسم وآخر، لاسيما على المستوى الآني وأياً كانت المسافة التي تفصل بين الأجسام المادية .

والواقع أن الصعوبات التي أثارتها نظرية نيوتن عن الجاذبية وجدت حلاً لها في العام 1916 على يد ألبرت إينشتاين من خلال نظريته النسبية العامة التي تشير إلى أن كل مادة تعمل على تشويه نسيج حيز الفضاء الزمن وذلك كما يحدث لو أننا ألقينا كرة حديدية فوق غطاء مشدود من الجانبين، إذ إن الكرة ستتجه نحو مركز الغطاء وتحدث فيه فجوة، وبالتالي، فإن الجاذبية، حسب رأي النسبية التي طرحها اينشتاين، تمتزج مع ذلك التشويه الفضائي الزمني الذي يفرض على الأجسام التي تمر فيه تغييراً في مسارها .

ويبدو أن ما طرحه اينشتاين لم يكن متوافقاً مع ميكانيكا الكم، حسب رأي علماء الفيزياء، وهي نظرية عالم فائق الصغر التي اكتشفت في عشرينات القرن العشرين، بمعنى أن النظرية النسبية كانت غير قادرة على وصف الظواهر الجذبوية الميكروسكوبية وتلك التي تحدث في ثقب أسود أو التي حدثت في لحظة البيج بانج أي الانفجار العظيم في بداية الكون . وليجد العلماء مخرجاً لمأزق الجاذبية، ظهرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي نظرية تسمى بالأوتار الفائقة ونجحت على ما يبدو في استيعاب متطلبات النظرية النسبية وميكانيكا الكم . وتفترض هذه النظرية أن الجسيمات الوسيطة لقوة الجاذبية تبعث بذبذبات على هيئة أوتار فائقة الدقة في حيز الفضاء الزمن الملتوي، وأنه بوجود تفاعل بين هذه الجسيمات يحدث التجاذب بين الأجسام المادية .

وعلى الرغم من هذه الطريقة التي يصفها بعض الباحثين بالمقنعة، فإن نظرية الأوتار الفائقة التي قدمت إطاراً هائلاً لوصف كل أنواع القوى، لم تتمكن من وصف طبيعة كل قوة على حدة .

وترى نظرية الفيزيائي الهولندي فيرلاند أن الجاذبية ليست من القوى الأساسية في الكون، فهذه القوة التي تتسبب في وقوع التفاحة على الأرض ودوران الكواكب في مداراتها وتشعرنا بأننا ملتصقون بالأرض ومتجاذبون في ما بيننا في الحياة العامة، لا يمكن أن نصفها بالجاذبية . ومنذ ظهور هذه القوة في القرن السابع عشر، أي عند انبثاق ما يعرف بالعلم الحديث، لم يكن العلماء عن وصفها بأنها جزء أساسي في هذا العالم، وعلى الرغم من تغير مفاهيم نظريات نيوتن وإينشتاين والأرتار الفائقة، فإن الجاذبية كانت ولاتزال تفاعلاً حقيقياً وأساسياً وانبثاقاً لا يمكن رفضه للمادة التي تكون هذا العالم . وإذا كانت الجاذبية شيئاً شغل العلماء، فإن العقبة الجديدة التي جاء الباحث ايريك فيرلاند ليضعها في محيط الفيزياء ستزيد من صعوبة البحث . وحسب رأي هذا الفيزيائي الذي يعمل في معهد الفيزياء النظرية بجامعة أمستردام، فإنه آن الأوان لنعيد التفكير في نظرتنا ومفهومنا للجاذبية .

وفيرلاند معروف على مستوى العالم بتخصصه في نظرية الأوتار الفائقة، ويرى أن الفيزياء ضلت طريقها اليوم مقترحاً تغييراً جذرياً في الرؤية .

ويقول الجاذبية ليست قوة أساسية على غرار قوة الضغط داخل الكرة التي لا تتواجد إلا على مستوى قياساتنا باعتبارها خاصية جمعية لذرات غاز محصور ثم لا تلبث أن تتلاشى بمجرد المجازفة في الدخول إلى العالم الجزيئي للمادة، ولذا فالجاذبية هي التجلي الماكروسكوبي للظواهر الميكروسكوبية التابعة أو المرافقة . ويشير فيرلاند إلى أنه إذا كان الضغط نتيجة لتصادمات ميكانيكية بين الجسيمات المادية، فإن الجاذبية ليست سوى تجسيد لفكرة تجريدية لا مادية تقريباً أو هي النتيجة المنبثقة عن فيض من الظواهر التي تحدث عند مستوى أعمق مما درجنا على تسميته بالواقع أو الحدث . ومن هذا المنطلق، يعتقد فيرلاند أن القوة التي تعمل على إسقاط التفاحة من الشجرة ليست بعيدة عن فكرة السراب الكبير .

والأمر لا يبدو هذياناً إذا ما تذكرنا بأن قوة نيوتن واينشتاين التي باتت بالنسبة لنا شيئاً مألوفاً، ليست في الحقيقة إلا معضلة بالنسبة للباحثين في الجوانب النظرية النظريين . وهذا ما يشير إليه اميليان دوداس من مركز الفيزياء النظرية في كلية البوليتكنيك بمنطقة باليزو الفرنسية ويقول: القوى الثلاث الأخرى الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والقوية، توصف بأنها تفاعلات أساسية مرتبطة بكمية من القوة وذلك ضمن إطار الموحد للنموذج القياسي للنظرية الموحدة للقوى، ويضيف: أن الجاذبية بحذ ذاتها أكثر غرابة من كل القوى الأخرى، لأن المشكلة المتعلقة بها تتمثل في إيجاد توصيف مقنع لها يأخذ بمتطلبات النسبية العامة وميكانيكا الكم التي تعتبر ضرورية لوصف الظواهر في العالم الميكروسكوبي .

من جهته يرى الباحث هيرفيه بارتوش أنه لابد من إيجاد نظرية للجاذبية صالحة في العالم الميكروسكوبي فائق الصغر . ويشير إلى أن المنطق تمثل دائماً من الناحية التاريخية في توحيد القوى الأساسية ضمن إطار وحيد وذلك عن طريق تطبيق البرنامج الذي ينطبق على القوى الأخرى بمعنى: التكميم تحديد الكمية على شكل كمات والتوحيد، لكن النتائج كانت على ما يبدو غير قابلة للإثبات .

التجريد الميكر وسكوبي

ربما يطرح أحدنا تساؤلاً: هل يجب أن ننتزع الجاذبية من لائحة التفاعلات الأساسية للقوى الفيزيائية؟ أمام هذا الخيار، رأى بعض العلماء أن حلاً كهذا سيفتح المجال لعلم جديد لمواجهة مشكلة كهذه، فإذا أصبحت الجاذبية قوة طارئة، فمعنى ذلك أن سبب تكميم النسبية العامة يصبح غير صالح، لأن هذه النظرية ستصف في هذه الحالة الظواهر الجمعية الماكروسكوبية أي عالم فائق العظم، ومن المحتمل أن تكبو قبل بلوغ الحدود الأولى للعالم الكومي . ويرى الباحث الهولندي فيرلاند أنه منذ 15 سنة ظهرت مؤشرات علمية نظرية على يد الباحث تيد جاكوبسون من وحدة الفيزياء في جامعة ميرلاند تقول إن النسبية العامة تظهر تماثلاً مذهلاً مع الظواهر الفيزيائية في مجال الديناميكا الحرارية، فمعادلة اينشتاين التي تربط بين تحدب حيز الفضاء الزمن ومضمونه المادي، يمكن أن تفسر على أنها نوع من المعادلات المعروفة في مجال الدينكاميكا الحرارية أو المسماة معادلات الحالة . وهي المعادلة التي أسهمت في إنجاح هذا العلم بامتياز لأنها تصف خصائص كل نظام فيزيائي مع تجاوز التفاصيل الميكروسكوبية فيه، كغض الطرف مثلاً عن أن الغاز تجمع لجزيئات متحركة في كل الاتجاهات وأن هذه المعادلات يمكنها الربط بين ضغط الغاز وحجمه وحرارته وهي ظواهر لا تحدث إلا على المستوى الماكروسكوبي .

ويتساءل فيرلاند ألا يدعونا هذا التشابه إلى إعادة التفكير في مفهوم الجاذبية كظاهرة طارئة وليس كقوة أساسية في الفيزياء؟ ويضيف أنه منذ 2002 بدأ عدد من الباحثين أمثال ثانو بادما نابان من المركز الجامعي للفضاء والفلك في بيون بالهند، في التفكير بالمسألة بشكل جدي . ويقول بادما نابان: في العام ،2002 وعندما بدأت بالاهتمام بهذه المسألة الشائكة، كنت أرى أن التشابه بين الديناميكا الحرارية والنسبية العامة ليس سوى أمر شكلي، لكن الآن أرى أن ثمة علاقة وطيدة بين الاثنين . وإذا كانت هذه المؤشرات هي التي دفعت الباحث ايريك فيرلاند إلى الاعتراض على الطابع الأساسي للجاذبية، فلماذا شكك في ارتباطها بعالمنا المادي؟

الحقيقة أن هذا الباحث يأتي ضمن لائحة طويلة من الباحثين الذين شرعوا منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين بإجراء دراسة عميقة حول الديناميكا الحرارية والثقوب السوداء . وقادت هذه المقابلة بين الديناميكا الحرارية والجاذبية إلى نتيجة مدهشة بالفعل، فمن خلال محاولة فهم ما يحدث للمادة التي تمتصها هذه الوحوش الجذبوية الثقوب السوداء استطاع فيزيائيون ضليعون في هذه المسألة أمثال جاكوب بيكنشتين وستيفن هاوكينج أن يثبتوا بأن كمية المعلومات الخاصة بالمادة التي يبتلعها الثقب الأسود تتناسب دائماً بشكل طردي مع مساحة أفقه أي المنطقة التي إذا تم تجاوزها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفلت منها شيء حتى الضوء، وذلك لعظم تأثير الجاذبية عندها . وبمعنى آخر، يمكن القول إن ما يحويه هذا الحجم من الفضاء من مادة يوصف بدقة عند هذه الحدود من الثقب الأسود .

اكتشاف غريب

يبدو أن أفق الثقب الأسود يتشابه مع الهولوغرام، وهو مجسم ليزري ثلاثي الأبعاد ونسخة مطابقة ثلاثية الأبعاد من الجسم الحقيقي . وتحتوي مجسمات الهولوغرام على عمق واختلاف في المنظور مما يتيح رؤية الجوانب الخلفية من الصورة، والتشابه موجود بحيث يبدو الأمر وكأن الصور التي نشاهدها عند أفق الثقب الأسود هي ثلاثية الأبعاد لكنها في الواقع ليست سوى انعكاس لأجسام ثنائية الأبعاد، بمعنى أن كل ما يحدث في الداخل يظهر على الغلاف .

هذه النتيجة اعتبرها الباحث جيرارد تهوفت، من جامعة أوترخت، أساسية جداً، ففي العام 1993 اقترح وزميله ليونارد سوسكيند من جامعة ستانفورد عمل نموذج هولوغرافي أو يستند إليه، بمعنى أن مبدأ الهولوغراف يفترض أن الوصف الكامل لأي نظام فيزيائي يشغل منطقة محددة من الفضاء، يمكن أن يعطي من خلال نظرية تتحدد أركانها على حدود هذه المنطقة الطرفية من الثقب الأسود .

هذه الرؤية تحددت منذ 1997 من خلال برهان رياضي مدو للباحث خوان مالدا سينا، من معهد الدراسات المعمقة في بيريستون، إذ اثبت إنه في بعض الأكوان النظرية المبسطة، يمكن لكل التأثيرات التي نعزوها لقوة الجاذبية، أن توصف على أنها حوادث تقع عند حدود هذه الأكوان المبسطة، أي حيث لا يوجد أي أثر للجاذبية . ويرى مالداسينا أنه بالتخلص من الشروط المقيدة التي تمكننا من إيجاد هذه العلاقة بين الديناميكا الحرارية والنسبية العامة في المعادلات، يصبح من المثير أن نطبق هذه النتائج على عالمنا الواقعي، أي كأن هذا العالم ليس سوى هولوغرام كبير . وبالتالي يصبح تفسير الجاذبية الأرضية كنتيجة لأحداث تقع على شاشة فائقة العظم ثنائية البعد وذلك حيث لا يوجد أي أثر للجاذبية .

ويرى الباحث ايريك فيرلاند أن كل هذه الإشارات تدل على أنه آن الأوان لمراجعة نظرية الجاذبية من أساسها . ويوصي بالتخلي عن فكرة الانطلاق من الفرضية الجسيمية التي يفترض أنها تولد الجاذبية حسب المفاهيم القديمة وأن نقبل بالنظرية التي تقول إن الذي يتسبب في وقوع التفاحة على الأرض عبارة عن ظاهرة طارئة وهولوغرافية بمعنى أن الجزء يؤثر في الكل ويتأثر به بالمقدار نفسه، وفي الظاهرة الهولوغرافية، تشفر المعلومة التي يحملها حجم ثلاثي الأبعاد مثلاً على سطح ذي بعدين . وكان هذا التصور مكن العلماء من حل بعض التناقضات في نظرية الثقوب السوداء، وهو يؤسس لعلم كوينات جديد يسمى بكوزمولوجيا العوالم الأغشية .

وفي هذه النظرية الجديدة للكون، يمكن لنظرية الجاذبية المكونة رياضياً من خمسة أبعاد وهي نفسها نظرية الفضاء والمكان، أن تصف الفيزياء نفسها التي تصفها نظرية الأبعاد الثلاثة التي تشبه النظرية التي يرتكز عليها النموذج المعياري للجسيمات الذي يرتكز بدوره على التناظرات .

حماس وتحفظ

ويشير الباحث كوستا باشاس من مختبر الفيزياء النظرية في كلية باريس العليا إلى أن الباحث فيرلاند ليس شخصاً من الذين يفكرون من دون تدبر، وأن هذا واضح من نظريته . هذا الأمر لا يمنع الباحثين من التحمس لنظريته والتحفظ على بعض نقاطها، وذلك على غرار الباحث تيد جاكوبسون الذي يؤكد بكل بساطة أنه لم يفهم طرح فيرلاند على الرغم من أنه رياضي وفيزيائي . كما أن آخرين مثل رينو بارونتاني من مختبر الفيزياء النظرية بأورساي بباريس أبدوا تحفظاً واضحاً إزاء نظرية فيرلاند، وقال بارونتاني هل استكشف فيرلاند كل النتائج الضرورية إذا أردنا أن نأخذ بجدية تامة فرضياته؟ ألن يشعر بأنه سيواجه تنبؤات تضع تلك النتائج في مواقف محرجة، ويرى بارونتاني أن فيرلاند يحاول صياغة قوانين نيوتن التي مضى عليها أكثر من 100 عام بشكل جديد وذلك كما فعل قبله جاكوبسون الذي أعاد استكشاف نظرية النسبية من خلال الديناميكا الحرارية، ولذا، لا يعتقد أن فيرلاند جاء بشيء جديد . وأياً كان طابع هذه الانتقادات، فإن ثمة باحثين آخرين يرون أنه لابد من التركيز على الروح الجديدة التي تنبثق من أفكار فيرلاند . وهذه حالة الباحث جورج سموت، المتخصص في علم الكوزمولوجيا والحائز على جائزة نوبل للفيزياء في العام ،2006 ويقول: عندما نقرأ أعمال الباحث جاكوبسون نجد أنه يندهش من توصله إلى قوانين النسبية من خلال قوانين الديناميكا الحرارية، أما عن الباحث فيرلاند، فهو لا يدعي أنه توصل إلى وضع حل جديد للجاذبية من خلال نظرية مترابطة ودقيقة، بل يدعو إلى سلوك طريق جديد لفهم هذه الظاهرة تقودنا بعيداً عن قوانين نيوتن وتقربنا من قانون يوحد بين النسبية العامة وميكانيكا الكم وبالتالي نتوصل إلى حل لكل المسائل الكوزمولوجية المتعثرة حتى الآن .

من جهته، يرى هيرفيه بارتوش أن فيرلاند يتبع خطى جاكوبسون ومنطقه، ولكن بطريقة أكثر تجريدية وعمومية ونتيجة لذلك، ربما تظهر نظريته للبعض سهلة المنال والفهم والوضوح وربما لا تبدو كذلك . ولذا علق الباحث لي سمولين، من معهد بيريميتر الكندي، قائلاً براهين فيرلاند توسع المفهوم الذي بدأ به جاكوبسون من قبل.