والجبال أرساها (النازعات: 32) .
(الجبل) في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعاً ملحوظاً يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض وجمعه (جبال) . أما الفعل (رسا)، (يرسو)، (رسوا) فمعناه ثبت وقر، من مثل قولهم (رست) السفينة، وفي هذا المعنى يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (هود: 41) .
و(الرواسي) هي الجبال الثوابت الراسخة واحدتها (راسية)، وجاءت لفظة (رواسي) بهذا المعنى في القرآن الكريم تسع مرات مثل قوله تعالى: وجعلنا فيها رواسي شامخات واسقيناكم ماء فراتا . . (المرسلات: 27)، وجاءت لفظة (راسيات) مرة واحدة في كتاب الله وذلك في قوله سبحانه: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات (سبأ: 13) .
مدلول إرساء الجبال
ومما جاء في تفسير قول الحق تبارك وتعالى: والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم ذكر ابن كثير (رحمه الله): أي: أقرها وأثبتها في أماكنها وهو الحكيم العليم الرؤوف بخلقه الرحيم . . وثبت جبالها لتستقر بأهلها، ويقر قرارها، كل ذلك متاعاً لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل وجاء في صفوة البيان: (والجبال ارساها أي اثبتها في الأرض كي لا تميد وتضطرب، وجاء في صفوة التفاسير: (والجبال أرساها) أي والجبال اثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها، (متاعا لكم ولأنعامكم) أي فعل ذلك كله . . منفعة للعباد وتحقيقاً لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم . .) وفي الحديث: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فأرساها بالجبال . وقال الإمام الرازي في تفسيره لقوله تعالى: والجبال أوتاداً: أي أوتاداً للأرض كي لا تميد بأهلها، فيكمل كون الأرض مهاداً بسبب ذلك .
ويبرز التساؤل عن مدلول إرساء الجبال على سطح الأرض، وإرساء الأرض بالجبال، وهي من الآيات الكونية الناطقة بكمال القدرة الإلهية المبدعة في خلق الأرض، والمؤكدة أن الذي يملك تلك القدرة الخلاقة المبدعة قادر على افناء خلقه وعلى إعادة بعثه من جديد .
لقد تعرف الإنسان على الجبال منذ القديم على أنها كتل صخرية عالية الارتفاع عن سطح الأرض، واستمر هذا التعريف للجبال إلى أن أشار بيير بوجر في العام 1835 إلى أن قوى الجذب المسجلة لسلاسل جبال الإنديز أقل بكثير مما هو متوقع من كتلة صخرية هائلة بهذا الحجم فاقترح ضرورة وجود كتلة أكبر من مادة تلك الجبال نفسها حتى يكتمل تفسير الشذوذ في مقدار الجاذبية .
نظريات تثبيت الأرض
في أواسط القرن التاسع عشر أشار جورج ايفرست إلى وجود شذوذ في نتائج قياس المسافة بين محطتي كاليانا وكاليان بور يقدر ب: 153 متراً، ولم يستطع ايفرست تفسير الظاهرة فسماها لغز الهند .
واقترح جون هنري برات أن يكون السبب ناشئاً عن سوء تقدير لكتلة جبال الهميالايا، كما وضع جورج ابري سنة 1865 فرضية تنص على أن جميع سلاسل الجبال الهائلة الارتفاع هي عبارة عن كتل عائمة في بئر من المواد المنصهرة التي تقع أسفل القشرة الأرضية، وأن هذه المواد المنصهرة أكثر كثافة من مادة الجبال والتي يفترض فيها أن تغوص في تلك المواد المنصهرة العالية الكثافة كي تحافظ على انتصابها على السطح .
وفي العام 1889 طرح الجيولوجي الأمريكي داتون نظرية سماها نظرية التوازن الهيدروستاتي للأرض ومثلها عملياً بمجموعة من المكعبات الخشبية متفاوتة الأطوال وذلك بجعلها تعوم في حوض مليء بالماء، حيث وجد أن هذه المكعبات تغوص في الماء وأن مقدار هذا الغوص يتناسب طرداً مع ارتفاع وعلو تلك المكعبات وهذا ما يسمى الآن حالة التوازن الهيدروستاتي .
وفي العام 1969 طرح عالم الجيولوجيا الفيزيائية الأمريكي مورجان (َفهُْح) نظرية بنائية الألواح (الصفائح) والتي تقول إن القشرة الأرضية ليست جسماً مصمتاً متصلاً بل إنها عبارة عن ألواح (أو صفائح) تفصل بينها حدود، وأنها تتحرك إما متقاربة أو متباعدة، وأن الجبال عبارة عن أوتاد تحافظ على اتزان هذه الألواح (الصفائح) أثناء حركتها .
وأن الجبل يشبه الوتد شكلاً إذ أن قسماً منه يغرق في طبقة القشرة الأرضية .
كما أن الجبل يشبه الوتد من حيث الدور والوظيفة إذ إنه يعمل على تثبيت القشرة الأرضية ويمنعها من الاضطراب والميلان . وكشف الجيولوجيون أن طبقة القشرة الأرضية (السيال) هي التي تشكل القارات وتحتضن المحيطات وترتفع جبالاً في مكان وتنخفض ودياناً في مكان آخر وتلي هذه الطبقة - مباشرة - طبقة (السيما) وهي أكثف من طبقة (السيال) ولكن تحت ثقل هذه الأخيرة يصبح لها قوام عجيني الأمر الذي يسهل انزلاق القارات عليها، فالقارات جميعها تنزلق بسرعة ملحوظة وباتجاهات متعددة، حسب القياسات الحديثة بالأقمار الاصطناعية .
وجاء في كتاب الأرض: إن الجبال الضخمة لا ترتكز على قشرة صلبة، وإنما تطفو على بحر من الصخور الأكثر كثافة، وإن للجبال جذوراً أقل كثافة من طبقة (السيما) تساعد هذه الجبال على العوم .
ولنفهم هذا التوازن نأخذ مثلاً الجليد: فالجليد أقل كثافة من الماء كما أن (السيال) أقل كثافة من (السيما) فإن علا جبل الجليد فوق الماء فلا بد من امتداد له تحت الماء يدفعه ويساعده على العوم . كذلك الجبال الصخرية، فهي تشكل - من حيث تكوينها - جزءاً بارزاً فوق سطح الأرض وجذراً غارقاً في (السيما) وقد اثبت ذلك علمياً بواسطة قياسات الجاذبية في مختلف تضاريس الأرض . وجاء في كتاب الأرض: أن الجهاز المعروف ب ميزان البناء (قُ قٌٍذ) يظهر انحرافاً عند المستقيم العمودي نسبة لسطح الأرض بسبب جاذبية الكتل الجبلية .
وفي الصفحة 534 من الكتاب نفسه يقول المؤلف: إن ميزان البناء يتحسس الكثافة العالية للجزء الظاهر من الجبل كما يتحسس الكثافة القليلة للجذر . وظهر ذلك عند قياس مقدار الانحراف بدقة . ولكن ما دور الجبال في تثبيت القشرة الأرضية؟
أكدت نظرية التوازن الهيدروستاتي للأرض للجيولوجي الأمريكي داتون سنة 1889 على أن المرتفعات تغوص في الماء بمقدار يتناسب طرداً مع ارتفاعها وعلوها، كما جاءت نظرية بنائية الألواح الأرضية التي طرحت في العام 1969 لتبين أن الجبال تقوم بحفظ توازن القشرة الأرضية وتوضح هذه النظرية التي تم التأكد منها بواسطة صور الأقمار الاصطناعية بأن القشرة الأرضية ليست جسماً مصمتاً بل إنها عبارة عن ألواح (صفائح) أرضية تفصل بينها حدود، وهذه الصفائح تتحرك إما متقاربة أو متباعدة بحيث تكون الجبال غير الرسوبية عبارة عن أوتاد تحافظ على توازن هذه الألواح الأرضية أثناء حركتها .
ووجه الإعجاز في الآيات القرآنية الكريمة هو دلالة اللفظ أوتاداً على وظيفة الجبال، فهي تحفظ الأرض من الاضطراب والميلان وتؤمن لها الاستقرار، وهذا ما كشف عنه الجيولوجيون في النصف الثاني من القرن العشرين .