الجواب بلا شك يمكن، لكن هذه الإمكانية تكتنفها صعوبات جمة ذلك بأن كل لغة أو لهجة لا تتشكل من فراغ في محيط اقليمي اجتماعي مغلق، بل تتأثر في تشكيلها بجملة من العوامل الذاتية والموضوعية وعلى الأخص بالنظر لاحتكاك افراد جماعتها بالجماعات الأخرى الناطقين بلهجة أو لغة مخالفة.
وقد ذكرنا في إحدى الوقفات بندرة الكتابات والبحوث العربية التي تتلمس الجذور التاريخية لتشكل اللهجات العربية ولو أخذنا على سبيل المثال اللهجة المصرية أنموذجاً فإنها كسائر اللهجات العربية لا يعرف بالضبط أو على النحو الدقيق تاريخ اكتمال تشكلها الحالي، ومازالت الدراسات التي تنحو الى مقاربة ولو تقديرية في هذا الشأن شحيحة ونادرة، ولربما من ابرز الدراسات التي حاولت لماما تلمس هذه الجذور التاريخية للعامية المصرية دراسة العالم اللغوي المصري الراحل شوقي ضيف تحت عنوان: العامية.. فصحى محرفة. فهو إذ يعترف بأنه لا يعرف بالضبط بدء التاريخ الذي ظهرت فيه العامية المصرية الحالية إلا أنه يرجح بأنها بدأت بالتشكل خلال القرون الأولى من فتح العرب لمصر، وعلى الأخص بعد تعرُّب كثرة من سكانها الاقباط الذين دخلوا في الاسلام. ويذكر شوقي ضيف ان العامل الثاني الذي اسهم في تعريب مصر يتمثل في نزول كثرة من القبائل العربية الى مصر حيث استمر توافدها حتى عصر الدولة الفاطمية وهجرة القبائل الهلالية الى مصر ثم الى اقطار المغرب العربي. وهو يرى بأن اللهجة المصرية هي حصيلة احتكاك الفصحى باللغة القبطية السائدة في مصر قبل دخول العرب اليها، ومن جراء هذا الاحتكاك والامتزاج والتداخل عبر المسكن والمعيشة والمصاهرة اخذت تسود اللهجة المصرية والمحكية وان غلبت عليها الفصحى في افعالها واسمائها وضمائرها.
ويؤرخ شوقي معالم بروز وولادة هذه العامية في اهمال الاعراب في أواخر كلامها منذ العصر الفاطمي، ويحدد القرن السادس الهجري باعتباره الحقبة التي شهدت ولادة اللهجة المصرية المعاصرة والتي سارت على ألسنة حتى اعلام الفحصى والنخبة اللغوية.
واستعرض شوقي ضيف مؤشرات ومظاهر على تشكل هذه العامية المصرية في سياق رصده لتحريف العامة للمفردات الفصحى والأفعال والاسماء وصيغة الماضي المعتل الآخر، وزيادة الماضي المعتل الآخر بالياء، وزيادة ياء في الماضي بعد تاء المخاطبة، والحاق علامة الجمع بالماضي مع ذكر الفاعل المثنى والجمع للذكور والاناث، والتحريف في المشتقات، واسم الفاعل، وتحريف الصفات المشبهة، وتحريفات اسماء الآلة، والمثنى والجمع، وتحريف اسماء الاستفهام، وتسهيل الهمزة وحذفها في الاسماء، والتحريف في القصر والمد، والتحريف في الضمائر المتصلة، وفي الضمائر المنفصلة المرفوعة والمنصوبة، والتحريف في حروف الجر، وفي حروف القسم والجواب، والتحريفات الأخرى المتنوعة في حروف النداء، وفي التصغير، وفي النسب، وغير ذلك من تحريفات لغوية اخرى كثيرة.
ومن الأمثلة العديدة التي يدرجها ضيف للدلالة على تحريف العامية المصرية للفصحى الحاق الشين بالمضارع المنفي تأكيداً للنفي فتقول في الأفعال التالية: ما يحضر ما بيحضرش، ما يغيب ما بيغبش، ما يذاكر ما بيذاكرش، ما ينتبه ما بينتبهش. والمظنون كما يقول ضيف ان الحاق الشين بهذه الافعال جاء اختزالاً لكلمة شيء وكأن أصل فعل ما بيحضرش ما يحضر شيء. لكنه ينبه الى أن الشين الملحقة بأفعال النفي لا تدل على كلمة شيء بل لتأكيد النفي مثل مش كاتب بحذف الف ما. وقد تأتي مع الظرف فيقال مثلاً: ما عنديش وقت، أو مع الجار والمجرور في مثل ما ليش حاجة.
والحال انه على الرغم من محاولات وجهود ضيف لتأصيل جذور اللهجة المصرية ولو على النحو التقريبي، ونجاحه في تحديد بعض معالم هذه الجذور، وكذلك محاولات بعض الباحثين الآخرين فإن هذه المحاولات كما ذكرنا مازالت قاصرة غير دقيقة جامعة، ومازال العمل البحثي اللغوي التاريخي في هذا الحقل تكتنفه مصاعب جمة.