ما حقيقة الجنة؟ وما وصفها أو بمعنى آخر ما الذي يشبهها في الدنيا؟ وماذا يوجد فيها من خيرات ومظاهر نعيم؟ وهل يعيش أهل الجنة حياة طبيعية مثل التي نعيشها في الدنيا فيأكلون ويشربون ويتزوجون؟ وما هي مظاهر هذا النعيم التي وفرها الخالق لعباده المؤمنين في الدنيا؟

هذه التساؤلات وغيرها عن عالم الجنة الخفي والتي تتردد على ألسنة الناس قد تتضمن الإجابات عنها معلومات وأخباراً صحيحة وردت في كتاب الله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تختلط حقيقة هذا العالم بأخبار ومعلومات وإسرائيليات تذهب بعقل المسلم وخياله إلى عالم غريب خيالي لا يصدقه عقل ولا تقره عقيدة صحيحة . . لذلك يحذر كثير من علماء الإسلام من ترديد روايات غير صحيحة عن الجنة ونعيمها حتى ولو كان على سبيل الترغيب وشحذ الهمم، ودفع النفوس إلى الطاعة والعبادة والالتزام .

في البداية يؤكد الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن الإيمان بالجنة جزء من عقيدة المسلم، فكل مسلم يجب أن يؤمن أن في الجنة داراً أعدها الله للمحسنين من عباده، فيها من كل الخيرات وفيها أنهار من ماء عذب، وأنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر لذة للشاربين، يأكلون فيها ويشربون، ويطوف عليهم ولدان مخلدون، وهم فيها خالدون، نزع الله الغل من صدورهم إخواناً على سرر متقابلين، فقد قال الحق سبحانه في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وقال سبحانه وتعالى في سورة السجدة: فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون .

وعلى المسلم أن يؤمن بأن الجنة درجات، وأن هذه الدرجات أعدها الله عز وجل للمؤمنين على قدر أعمالهم الصالحة . . قال تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس .

أبواب الجنة

وعن أبواب الجنة يقول الدكتور إسماعيل الدفتار الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر وعضو مجلس الشورى المصري: لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة والروايات الموثقة عن الجنة وأبوابها ومن يدخلها . . فأخبرنا صلوات الله وسلامه عليه أن للجنة ثمانية أبواب تسمى بأسماء الأعمال الصالحة، فهناك باب للصائمين يسمى (الريان) وهناك باب الصلاة، وباب الإحسان، وباب الصدقة، وباب الجهاد، فالمسلم الذي كان يكثر من الصيام يدخل من باب الصيام، ومن كان يحرص على الصلاة يدخل من باب الصلاة وهكذا .

وهناك أناس يدخلون من جميع الأبواب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الصيام، وهو باب الريان فقال أبوبكر رضي الله عنه: هل يدعي أحد منها كلها يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر .

وحثنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه على أعمال تدخلنا الجنة فقال: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء .

وعلى المسلم أن يؤمن أن في الجنة غرفاً أعدها الله عز وجل للمؤمنين، قال تعالى: لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام إليه أعرابي، فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام .

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم أن تربة الجنة الزعفران، وأن بناءها لبنة من ذهب ولبنة من فضة . . فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران ومن دخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم .

الحور العين

ولأن الإنسان في الدنيا والآخرة بشر له طبائع وغرائز وشهوات يجري وراءها ويحرص عليها . فقد وفر له خالقه كل ما يشتهيه في الآخرة إذا ما كان طائعاً ملتزماً حريصاً على الحلال متجنباً كل صنوف الحرام في حياته . . ومن بين نعيم الجنة (الحور العين) وقد أخبرنا القرآن الكريم أن في الجنة خياماً جعل الله فيها الحور العين، فقال تعالى حور مقصورات في الخيام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوف عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن .

وفي الجنة كل الأشجار الجميلة والثمار اليانعة، وهذه الثمار لا تشبه بعضها بعضاً في الطعم واللون، وهي موجودة على الدوام . . يقول الحق سبحانه وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة .

أما عن أنهار الجنة وما أعده الله من شراب لأصحابها فحدث ولا حرج . . يقول الحق سبحانه في سورة البقرة: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار وقال في سورة محمد: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم .

ومن أنهار الجنة كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم النيل والفرات، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم قال: النيل والفرات من أنهار الجنة ومن أنهارها أيضاً الكوثر، وهو نهر أعطاه الله عز وجل لرسوله، ماؤه أبيض من الثلج، وأعذب من العسل، قال عليه الصلاة والسلام الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج .

نعيم لا يزول

وإلى جانب هذه الأنهار والثمار التي وفرها الخالق لعباده المخلصين الطائعين في الدار الآخرة . . هناك مظاهر أخرى للنعيم الوافر، والثواب العظيم وفرها الخالق عز وجل وتحدث عنها القرآن الكريم وأخبرنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة . . ففي الجنة سرر وآنية وفرش من الحرير يقول سبحانه في سورة الغاشية فيها سرر مرفوعة . وأكواب موضوعة . ونمارق مصفوفة . وزرابي مبثوثة ويقول عز وجل في سورة الإنسان: ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير . قوارير من فضة قدروها تقديراً .

وأهل الجنة يلبسون ثياباً من الحرير، ويتزينون باللؤلؤ والذهب والفضة قال تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير وقال تعالى: عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وثياب الجنة لا تبلى ولا تتمزق، وتبقى على جمالها ودقة صنعها كما هي . . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه .

وهل صحيح ما تحمله لنا بعض الروايات عن لقاء بين أهل الجنة والملائكة؟

يقول الدكتور هاشم: إكراماً لأهل الجنة يدخل عليهم الملائكة الذين لا يرونهم في الدنيا لتحيتهم والسلام عليهم . . يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الرعد: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . أما عن حال أهل الجنة فقد أخبرنا به الخالق في بعض آيات القرآن الكريم فقال عز وجل في سورة يونس: دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .

وقال سبحانه في سورة الواقعة: لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً، إلا قيلاً سلاماً سلاماً . وفي الجنة ولدان يخدمون المؤمنين قال تعالى: ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين . لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون.