قال لي أحدهم إنهم كانوا خمسة معاً في رحلة، فصلى بهم أحدهم إماماً في صلاة المغرب، وقرأ في الركعات كلها سراً وسلم، فقالوا له إن صلاته باطلة.
أقول: إن للشرع رأياً في المسألة دائماً، فلا تخطئوا الناس من غير علم، ولا تصححوهم من غير علم أيضاً، ولكن اليوم ما أكثر ما يعمل الإنسان رأيه وعقله فيخطئ، والمسائل الشرعية بالذات حساسة وهي ليست متروكة للرأي والهوى، لذلك فإن الإمام علياً بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه».
ثم إن الفقهاء رحمهم الله يذكرون بأن للمصلي حالتين: الحالة الأولى أن يصلي صلاته منفرداً في السرية والجهرية، والحالة الثانية أن يصليها إماماً، فإذا كان إماماً فإن رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه يُسنّ له أن يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية كصلاة الصبح وصلاة الجمعة، وفي الركعتين الأولى والثانية من صلاتي المغرب والعشاء.
وحجتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على الجهر، فيما يجهر به من الصلوات، وعلى المخافتة فيما يخافت به (رواه أبو داوود في مراسيله)، (انظر الشرح الصغير ج1 ص 126، وانظر المجموع ج3 ص389، وانظر كشاف القناع ج1 ص332).
أما المأموم خلف الإمام فإذا أخذنا بقول من يقول بضرورة قراءته خلف الإمام، فإنه يرى في تلك الحالة كراهة الجهر، لأنه قد يشوش على الإمام والمصلين، وقد ورد في الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ أو أيكم القارئ؟» فقال رجل: أنا، فقال الرسول: «قد ظننت أن بعضكم خالجنيها»، ومعنى خالجنيها أي جادلنيها ونازعنيها (رواه أبومسلم).
ويرى فقهاء الحنفية أن على الإمام أن يقرأ في الصلاة الجهرية بالجهر، وفي الصلاة السرية بالسر وذلك على سبيل الوجوب.
بل ويذهبون إلى أكثر من ذلك فيقولون: يجب عليه أن يجهر بالقراءة في صلاة الفجر وصلاة المغرب والعشاء، وكذلك في كل صلاة من شرطها الجماعة كالجمعة والعيدين والتراويح، ويخافت في الصلوات السرية وجوباً أيضاً للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه واظب على الجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة فيما يخافت به (رواه أبوداود في مراسيله).
وأما إذا صلى الرجل منفرداً لا إماماً ولا مأموماً، فإنه يسن له عند فقهاء المالكية والشافعية، رحمهم الله، أن يجهر في الصلوات الجهرية، وفي قول الأحمد أيضاً (أنظر الشرح الصغير ج1 ص318، والمجموع ج3 ص390، والمغني لابن قدامة ج1 ص569).
وعند فقهاء الحنفية والقول الراجح عند فقهاء الحنابلة، رحمهم الله، أن المنفرد يخير بين الجهر والسر (انظر بدائع الصنائع ج1 ص161 وكشاف القناع ج1 ص343).
هذا في قراءة الفاتحة والسورة طبعاً، أما التشهد وقول سمع الله لمن حمده، فإن الفقهاء متفقون جميعاً على أنه سواء كان المصلي إماماً أو منفرداً فإنه يسر بالتشهد، ويجهر الإمام بقول سمع الله لمن حمده، أما المأموم وكذلك المنفرد فيسر ويسمع نفسه فقط.
أقول: إن في الدين يسراً، وإن في اختلاف الفقهاء رحمة، المهم أن يحترم المرء الدين، ويبحث عن أهل الذكر ولا يغلب هواه.
الجهر بالقراءة في الصلاة
16 أغسطس 2019 02:52 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 أغسطس 02:52 2019
شارك
د. عارف الشيخ