كرم سعيد
يقف العالم في مفترق طرق مع تصاعد ظاهرة الجوع، التي هي وفقاً لمنظمة الصحة العالمية الخطر الأكبر على العالم والصحة العامة . ويُعرف الجوع على أنه انخفاض شديد في المواد الغذائية، والفيتامينات واستهلاك الطاقة، وحال استمرارها تؤدي إلى الموت .
على الرغم من أن ظاهرة الجوع ما زالت تؤرق قطاعاً معتبراً من دول العالم وتزيدها انغماساً في همها الداخلي، إلا أن ثمة مؤشرات لا تخطئها عين على تقلص تدريجي للظاهرة، أهمها ما كشف عنه أحدث تقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، حيث ألمح تقريرها المعنون "حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم 2014"، والصادر مطلع الشهر الجاري عن استمرار انخفاض مستويات الجوع في العالم بمعدل 100 مليون نسمة ليصل إلى نحو 805 ملايين شخص في الفترة من 2012-2014 .
كما أن الانخفاض لم يكن مقصوراً على ظاهرة الجوع وحدها، حيث انخفض معدل انتشار نقص التغذية في الفترة ذاتها من 7 .18% إلى 3 .11% على المستوى العالمي في البلدان النامية .
في سياق متصل حقق 63 بلداً الأهداف الدولية الخاصة بخفض معدلات الجوع إلى النصف قبل حلول عام ،2015 بفضل تضافر جهود الحكومات ومنظمات المعونة الإنسانية والقطاع الخاص .
لكن على الرغم من هذا التقدم العام في مجال مكافحة الجوع، فإن الظاهرة تبدو مقلقة ومثيرة للتوتر في آن معاً، خصوصاً في بلاد إفريقيا جنوب الصحراء التي تأتي في الصدارة من حيث أعلى معدل جوع في العالم، حيث بلغ تقريباً واحداً من بين أربعة أشخاص بإجمالي 223 مليون نسمة، بينما سجلت جنوب آسيا أعلى عدد من الجوعى بلغ 295 مليون شخص ثم منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وكلها مناطق لا تزال تعاني كوارث طبيعية وصراعات سياسية أعاقت تطوير مؤسسات الأمن الغذائي .
وبعيداً عن الجدل حول أطروحة "توماس روبرت مالثاس" في مؤلفه الشهير عن "أساسيات السكان"، والتي أكد فيها أن معضلة الإنسان على سطح الأرض تكمن في أن قدرته على التكاثر تفوق قدرة الأرض على إنتاج الحد الأدنى الضروري من الغذاء، أو ما يطلق عليه "حد الكفاف"، فإن ثمة أسباباً أخرى تقف وراء أزمة الجوع في العالم: أولها، تنامي النزاعات السياسية والعرقية في البلدان الفقيرة والمهمشة، فعلى سبيل المثال تشهد جنوب السودان التي تعاني العنف وغياب الهدوء والاستقرار أزمة جوع هي الأشد على مستوى العالم الآن، الأمر الذي دفع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" إلى دق ناقوس الخطر حين حذرت من أن 50 ألف طفل معرضون بشدة للموت جراء نقص المواد الغذائية .
في سياق متصل أدت النزاعات المسلحة وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية في بعض البلدان العربية والإفريقية والأوروبية إلى تفاقم ظاهرة الجوع، فمثلاً أدت الحرب في سوريا وفلسطين وأوكرانيا وجنوب السودان وأوغندا والصومال إلى إجبار الملايين من البشر على هجر أماكن إقامتهم والعيش في مخيمات للاجئين توفر بالكاد الحد الأدنى وربما أقل من متطلبات الحياة المعيشية .
وبحسب بيانات أممية وصل عدد اللاجئين السوريين إلى ما يقرب من 3 ملايين نسمة، فضلاً عن ارتفاع ملحوظ لأعداد النازحين في أوكرانيا والسودان، ومعظمهم يعاني شظف العيش وسوء التغذية .
ويرتبط العامل الثاني بتغير أنماط التغذية في أكثر دول العالم سكاناً "الصين الهند"، إضافة إلى انخفاض مستويات الدخل وعدم تناسب مقدار الدخل مع قيمة الحاجات الأساسية ومنها قيمة المواد الغذائية الأساسية ويؤدي الفقر وارتفاع أسعار الحبوب الغذائية إلى عدم المقدرة على تلبية الحاجة إلى الغذاء .
إضافة إلى ما سبق فقد لجأ قطاع يعتد به من الدول التي تعاني ندرة أو محدودية في ثرواتها النفطية إلى عمليات تحويل فائضها من الحبوب الغذائية إلى وقود حيوي بالنظر إلى قفز أسعار المحروقات .
أما السبب الرابع فيعود إلى التغيرات المناخية، التي تعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتراجع إنتاج الغذاء، فالكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعواصف الثلجية والجفاف التي تشهدها مناطق مثل كشمير ونيبال وبلدان إفريقية أدت إلى تدمير مساحات شاسعة من الزراعات والمشاريع المرتبطة بها، وهو ما ساهم في انتشار الجوع .
أيضاً ثمة تطور حادث في نوعية الزراعات في الدول النامية، ويتمثل في سيادة نمط المحاصيل الدولارية "الموز الفراولة الكانتلوب" على حساب المحاصيل الاستراتيجية "القمح الذرة الأرز" .
يندرج التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي حدث بفعل ضغوط الصراعات السياسية جنباً إلى جنب أزمة الغذاء والوقود، ضمن الأسباب الجوهرية للزيادة الحادة في معدلات الجوع في العالم . فقد أدى التباطؤ إلى انخفاض مستوى الدخول وفرص العمل المتاحة للفقراء، وإلى إضعاف قدرتهم على الوصول إلى الأغذية بشكل كبير .
ويعود السبب السادس إلى التوزيع غير العادل للطعام عبر مناطق العالم المختلفة، ووفقاً للبرنامج العالمي للغذاء فإن في العالم طعاماً يكفي لسكان الكوكب، لكن المشكلة الأساسية تكمن في عادلة التوزيع ناهيك عن أن التاريخ الحديث للسكان في العالم يثبت أنه ولفترة طويلة من الزمن استطاع العالم أن يستوعب الزيادات الهائلة من السكان في ظل الاستغلال الأمثل للهندسة الوراثية والثورة الخضراء التي نجحت في فك الكثير من القيود على نمو الغذاء من الناحية الكمية والنوعية .
وعلى ضوء الحقائق البارزة التي تقف وراء ظاهرة الجوع، فقد بُذلت جهود دولية لمكافحة الظاهرة، وازدادت قوة الجهود الإقليمية لخفض الجوع طوال الفترة الماضية في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي . كما تعهدت قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في يوليو 2014 في غينيا الاستوائية بالقضاء على الجوع في القارة بحلول العام 2025 .
صحيح أن مؤتمرات الجوع المتعاقبة خلال العقد الماضي والمبادرات التي طرحتها المنظمات الدولية ساهمت في حضور الأزمة في سياقات المشهد العالمي، إلا أنها تظل محدودة بالنظر إلى اتساع رقعة الجوع الجغرافية وتفاقم أعداد الجوعي .
وكان التقرير الأمريكي للمساعدات الإنسانية العالمية الصادر مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري كشف عن قطاع محدود من الدول التي خصصت جزءاً من دخلها القومي ليذهب إلى المساعدات الإنسانية، في مقدمتها الولايات المتحدة 7 .4 مليار دولار ثم الاتحاد الأوروبي بإجمالي 9 .1 مليار دولار وبريطانيا بقيمة وصلت إلى 8 .1 مليار دولار وأخيراً تركيا 6 .1 مليار دولار .
على ضوء ما سبق فإن الباب يفتح واسعاً أمام تساؤلات عدة: هل ما زال خفض الجوع ممكنا؟ وهل الجهود الدولية المتاحة الآن كافية؟
الأرجح أن ثمة حاجة ماسة إلى جهود إضافية لضمان بتر ظاهرة الجوع التي باتت تهدد العالم، وفي هذا الإطار يمكن اتخاذ عدة تدابير أولها ترشيد استهلاك الطعام وفقاً للحاجة، فمن المفارقات العجيبة التي تشير إليها التقارير المتخصصة في رصد ظاهرة الجوع إلى أن العالم يهدر نصف إنتاجه من الطعام الجيد في القمامة نتيجة عدم الحاجة إليه، وقد أشار التقرير الدولي عن هدر الطعام إلى أن ما يقرب من ملياري طن من الطعام يتم التخلص منه رمياً في سلة المهملات، بحيث لا تصل هذه الكمية أبداً إلى طريقها الصحيح إلى الجوعى والمحتاجين والفقراء .
وثانيهما، تحسين الإنتاج الزراعي والتركيز على الزراعات الاستراتيجية باعتبارها الحل الأمثل لمشكلة الجوع . وكذلك تخصيص أموال كافية لتطوير وسائل زراعية بديلة تستهلك نسبة أقل من الطاقة والمياه والأسمدة وتستطيع التكيف مع التغيرات المناخية إلى جانب تعظيم الاستثمار في المجال الزراعي وتوسيع برامج التغذية التي تستهدف الأطفال في المناطق الأكثر تضرراً من الجوع .
وقد نجحت الصين والبرازيل، مثلاً، في تخفيض عدد الجوعى لديهما خلال الأعوام العشرة الماضية عبر دعم حكومي قوي لصغار المزارعين .
على جانب آخر فإن التقدم في خفض الجوع في العالم يتطلب التزاماً سياسياً بمعالجة أسبابه، فبحسب "أمارتيا سن" الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، فإن "دحر الجوع مرتبط بمعالجة جميع أسبابه في آن معاً ولاسيما الفقر، لا مجرد التركيز على إنتاج مزيد من الغذاء" .
أما التدبير الرابع فهو ضرورة تفعيل الشراكة العالمية بين جميع الأطراف ذات العلاقة، وهي الحكومات والمنظمات الدولية الحكومية والهيئات الإقليمية والمنظمات الدولية غير الحكومية والقطاع الخاص لمكافحة الجوع . وفي هذا الإطار يمكن توظيف التكنولوجيا الحديثة في الحد من الجوع في العالم .
أخيراً، يبقى من الضروري تعزيز الأنشطة المدرة للدخل للفقراء في المناطق الريفية والحضرية مع توسيع شبكات الأمان وبرامج المساعدة الاجتماعية، بحيث تتأسس على منطق حماية الأفراد الأكثر فقراً .
خلاصة القول: إن تصاعد ظاهرة الجوع ترجع في الجزء الأكبر منها إلى خيارات بشرية دون إغفال عوامل الطبيعة، وبالتالي يصبح القفز عليها وإنهاؤها ممكناً إذا ما تحرك المجتمع الدولي والمؤسسات غير الحكومية بشكل عاجل وفوري لمعالجة أسباب الجوع، واعتماد تقسيم عادل ومنصف للموارد، قبل أن تنعكس تداعيات أزمة الجوع على الجميع .
يقف العالم في مفترق طرق مع تصاعد ظاهرة الجوع، التي هي وفقاً لمنظمة الصحة العالمية الخطر الأكبر على العالم والصحة العامة . ويُعرف الجوع على أنه انخفاض شديد في المواد الغذائية، والفيتامينات واستهلاك الطاقة، وحال استمرارها تؤدي إلى الموت .
على الرغم من أن ظاهرة الجوع ما زالت تؤرق قطاعاً معتبراً من دول العالم وتزيدها انغماساً في همها الداخلي، إلا أن ثمة مؤشرات لا تخطئها عين على تقلص تدريجي للظاهرة، أهمها ما كشف عنه أحدث تقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، حيث ألمح تقريرها المعنون "حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم 2014"، والصادر مطلع الشهر الجاري عن استمرار انخفاض مستويات الجوع في العالم بمعدل 100 مليون نسمة ليصل إلى نحو 805 ملايين شخص في الفترة من 2012-2014 .
كما أن الانخفاض لم يكن مقصوراً على ظاهرة الجوع وحدها، حيث انخفض معدل انتشار نقص التغذية في الفترة ذاتها من 7 .18% إلى 3 .11% على المستوى العالمي في البلدان النامية .
في سياق متصل حقق 63 بلداً الأهداف الدولية الخاصة بخفض معدلات الجوع إلى النصف قبل حلول عام ،2015 بفضل تضافر جهود الحكومات ومنظمات المعونة الإنسانية والقطاع الخاص .
لكن على الرغم من هذا التقدم العام في مجال مكافحة الجوع، فإن الظاهرة تبدو مقلقة ومثيرة للتوتر في آن معاً، خصوصاً في بلاد إفريقيا جنوب الصحراء التي تأتي في الصدارة من حيث أعلى معدل جوع في العالم، حيث بلغ تقريباً واحداً من بين أربعة أشخاص بإجمالي 223 مليون نسمة، بينما سجلت جنوب آسيا أعلى عدد من الجوعى بلغ 295 مليون شخص ثم منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وكلها مناطق لا تزال تعاني كوارث طبيعية وصراعات سياسية أعاقت تطوير مؤسسات الأمن الغذائي .
وبعيداً عن الجدل حول أطروحة "توماس روبرت مالثاس" في مؤلفه الشهير عن "أساسيات السكان"، والتي أكد فيها أن معضلة الإنسان على سطح الأرض تكمن في أن قدرته على التكاثر تفوق قدرة الأرض على إنتاج الحد الأدنى الضروري من الغذاء، أو ما يطلق عليه "حد الكفاف"، فإن ثمة أسباباً أخرى تقف وراء أزمة الجوع في العالم: أولها، تنامي النزاعات السياسية والعرقية في البلدان الفقيرة والمهمشة، فعلى سبيل المثال تشهد جنوب السودان التي تعاني العنف وغياب الهدوء والاستقرار أزمة جوع هي الأشد على مستوى العالم الآن، الأمر الذي دفع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" إلى دق ناقوس الخطر حين حذرت من أن 50 ألف طفل معرضون بشدة للموت جراء نقص المواد الغذائية .
في سياق متصل أدت النزاعات المسلحة وتنامي نفوذ الجماعات الإرهابية في بعض البلدان العربية والإفريقية والأوروبية إلى تفاقم ظاهرة الجوع، فمثلاً أدت الحرب في سوريا وفلسطين وأوكرانيا وجنوب السودان وأوغندا والصومال إلى إجبار الملايين من البشر على هجر أماكن إقامتهم والعيش في مخيمات للاجئين توفر بالكاد الحد الأدنى وربما أقل من متطلبات الحياة المعيشية .
وبحسب بيانات أممية وصل عدد اللاجئين السوريين إلى ما يقرب من 3 ملايين نسمة، فضلاً عن ارتفاع ملحوظ لأعداد النازحين في أوكرانيا والسودان، ومعظمهم يعاني شظف العيش وسوء التغذية .
ويرتبط العامل الثاني بتغير أنماط التغذية في أكثر دول العالم سكاناً "الصين الهند"، إضافة إلى انخفاض مستويات الدخل وعدم تناسب مقدار الدخل مع قيمة الحاجات الأساسية ومنها قيمة المواد الغذائية الأساسية ويؤدي الفقر وارتفاع أسعار الحبوب الغذائية إلى عدم المقدرة على تلبية الحاجة إلى الغذاء .
إضافة إلى ما سبق فقد لجأ قطاع يعتد به من الدول التي تعاني ندرة أو محدودية في ثرواتها النفطية إلى عمليات تحويل فائضها من الحبوب الغذائية إلى وقود حيوي بالنظر إلى قفز أسعار المحروقات .
أما السبب الرابع فيعود إلى التغيرات المناخية، التي تعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتراجع إنتاج الغذاء، فالكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعواصف الثلجية والجفاف التي تشهدها مناطق مثل كشمير ونيبال وبلدان إفريقية أدت إلى تدمير مساحات شاسعة من الزراعات والمشاريع المرتبطة بها، وهو ما ساهم في انتشار الجوع .
أيضاً ثمة تطور حادث في نوعية الزراعات في الدول النامية، ويتمثل في سيادة نمط المحاصيل الدولارية "الموز الفراولة الكانتلوب" على حساب المحاصيل الاستراتيجية "القمح الذرة الأرز" .
يندرج التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي حدث بفعل ضغوط الصراعات السياسية جنباً إلى جنب أزمة الغذاء والوقود، ضمن الأسباب الجوهرية للزيادة الحادة في معدلات الجوع في العالم . فقد أدى التباطؤ إلى انخفاض مستوى الدخول وفرص العمل المتاحة للفقراء، وإلى إضعاف قدرتهم على الوصول إلى الأغذية بشكل كبير .
ويعود السبب السادس إلى التوزيع غير العادل للطعام عبر مناطق العالم المختلفة، ووفقاً للبرنامج العالمي للغذاء فإن في العالم طعاماً يكفي لسكان الكوكب، لكن المشكلة الأساسية تكمن في عادلة التوزيع ناهيك عن أن التاريخ الحديث للسكان في العالم يثبت أنه ولفترة طويلة من الزمن استطاع العالم أن يستوعب الزيادات الهائلة من السكان في ظل الاستغلال الأمثل للهندسة الوراثية والثورة الخضراء التي نجحت في فك الكثير من القيود على نمو الغذاء من الناحية الكمية والنوعية .
وعلى ضوء الحقائق البارزة التي تقف وراء ظاهرة الجوع، فقد بُذلت جهود دولية لمكافحة الظاهرة، وازدادت قوة الجهود الإقليمية لخفض الجوع طوال الفترة الماضية في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي . كما تعهدت قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في يوليو 2014 في غينيا الاستوائية بالقضاء على الجوع في القارة بحلول العام 2025 .
صحيح أن مؤتمرات الجوع المتعاقبة خلال العقد الماضي والمبادرات التي طرحتها المنظمات الدولية ساهمت في حضور الأزمة في سياقات المشهد العالمي، إلا أنها تظل محدودة بالنظر إلى اتساع رقعة الجوع الجغرافية وتفاقم أعداد الجوعي .
وكان التقرير الأمريكي للمساعدات الإنسانية العالمية الصادر مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري كشف عن قطاع محدود من الدول التي خصصت جزءاً من دخلها القومي ليذهب إلى المساعدات الإنسانية، في مقدمتها الولايات المتحدة 7 .4 مليار دولار ثم الاتحاد الأوروبي بإجمالي 9 .1 مليار دولار وبريطانيا بقيمة وصلت إلى 8 .1 مليار دولار وأخيراً تركيا 6 .1 مليار دولار .
على ضوء ما سبق فإن الباب يفتح واسعاً أمام تساؤلات عدة: هل ما زال خفض الجوع ممكنا؟ وهل الجهود الدولية المتاحة الآن كافية؟
الأرجح أن ثمة حاجة ماسة إلى جهود إضافية لضمان بتر ظاهرة الجوع التي باتت تهدد العالم، وفي هذا الإطار يمكن اتخاذ عدة تدابير أولها ترشيد استهلاك الطعام وفقاً للحاجة، فمن المفارقات العجيبة التي تشير إليها التقارير المتخصصة في رصد ظاهرة الجوع إلى أن العالم يهدر نصف إنتاجه من الطعام الجيد في القمامة نتيجة عدم الحاجة إليه، وقد أشار التقرير الدولي عن هدر الطعام إلى أن ما يقرب من ملياري طن من الطعام يتم التخلص منه رمياً في سلة المهملات، بحيث لا تصل هذه الكمية أبداً إلى طريقها الصحيح إلى الجوعى والمحتاجين والفقراء .
وثانيهما، تحسين الإنتاج الزراعي والتركيز على الزراعات الاستراتيجية باعتبارها الحل الأمثل لمشكلة الجوع . وكذلك تخصيص أموال كافية لتطوير وسائل زراعية بديلة تستهلك نسبة أقل من الطاقة والمياه والأسمدة وتستطيع التكيف مع التغيرات المناخية إلى جانب تعظيم الاستثمار في المجال الزراعي وتوسيع برامج التغذية التي تستهدف الأطفال في المناطق الأكثر تضرراً من الجوع .
وقد نجحت الصين والبرازيل، مثلاً، في تخفيض عدد الجوعى لديهما خلال الأعوام العشرة الماضية عبر دعم حكومي قوي لصغار المزارعين .
على جانب آخر فإن التقدم في خفض الجوع في العالم يتطلب التزاماً سياسياً بمعالجة أسبابه، فبحسب "أمارتيا سن" الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، فإن "دحر الجوع مرتبط بمعالجة جميع أسبابه في آن معاً ولاسيما الفقر، لا مجرد التركيز على إنتاج مزيد من الغذاء" .
أما التدبير الرابع فهو ضرورة تفعيل الشراكة العالمية بين جميع الأطراف ذات العلاقة، وهي الحكومات والمنظمات الدولية الحكومية والهيئات الإقليمية والمنظمات الدولية غير الحكومية والقطاع الخاص لمكافحة الجوع . وفي هذا الإطار يمكن توظيف التكنولوجيا الحديثة في الحد من الجوع في العالم .
أخيراً، يبقى من الضروري تعزيز الأنشطة المدرة للدخل للفقراء في المناطق الريفية والحضرية مع توسيع شبكات الأمان وبرامج المساعدة الاجتماعية، بحيث تتأسس على منطق حماية الأفراد الأكثر فقراً .
خلاصة القول: إن تصاعد ظاهرة الجوع ترجع في الجزء الأكبر منها إلى خيارات بشرية دون إغفال عوامل الطبيعة، وبالتالي يصبح القفز عليها وإنهاؤها ممكناً إذا ما تحرك المجتمع الدولي والمؤسسات غير الحكومية بشكل عاجل وفوري لمعالجة أسباب الجوع، واعتماد تقسيم عادل ومنصف للموارد، قبل أن تنعكس تداعيات أزمة الجوع على الجميع .