يقع وادي الملوك على مسافة 700 كم إلى الجنوب من مدينة القاهرة ويضم عشرات المقابر الملكية التابعة للدولة الحديثة الممتدة خلال عصور الأسر من الثامنة عشرة وحتى العشرين بمصر القديمة (1550 - 1075 قبل الميلاد) . ويطلق على هذا الوادي أيضاً اسم (وادي بيبان) واستخدم على مدار 500 سنة ما بين القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد لتشييد مقابر لفراعنة ونبلاء الدولة الحديثة . وهذا الوادي يقع بالتحديد على الضفة الغربية لنهر النيل في مواجهة طيبة (الأقصر حالياً) وبقلب مدينة طيبة الجنائزية القديمة . وينقسم وادي الملوك إلى واديين، الوادي الشرقي حيث توجد أغلبية المقابر الملكية والوادي الغربي .

المثير للدهشة في هذه المنطقة الجرداء الجبلية ذات التكوين الجيري، أن أغلبية الفراعنة الذين حكموا مصر منذ أكثر من 3000 سنة دفنوا فيها، حيث نجد حجرات متفاوتة الأحجام والأشكال ويقع بعضها على أعماق تصل إلى 200 متر . وفي عام ،2006 اكتشفت حجرة الدفن الأخيرة والمعروفة باسم (مقبرة 63) علاوة على اكتشاف مدخلين آخرين للحجرة خلال عام ،2008 ليصبح عدد المقابر المكتشفة حتى الآن 63 مقبرة متفاوتة الأحجام ما بين حفرة صغيرة في الأرض، وحتى مقبرة معقدة التركيب تحوي أكثر من 120 حجرة دفن داخلها .

هذه المقابر استخدمت جميعها لدفن ملوك وأمراء الدولة الحديثة بمصر القديمة، إضافة إلى بعض النبلاء ومن كان على علاقة بالأسرة الحاكمة في ذلك الوقت، وتتميز المقابر الملكية برسومها ونقوشها التي تذكرنا بالأساطير المصرية القديمة التي توضح العقائد الدينية والمراسم التأبينية في ذلك الحين . وعلى الرغم من أن جميع القبور المكتشفة فتحت ونهبت في العصور القديمة، فإنها بقيت دليلاً دامغاً على قوة ملوك ذلك الزمان ورخائهم .

وإذا كانت المنطقة مركزاً للتنقيبات الأثرية منذ نهاية القرن الثامن عشر، فذلك لأن مقابرها أثارت اهتمام الدارسين من كل الجنسيات، لاسيما بعد اكتشاف مقبرة (توت عنخ آمون) كاملة بما في ذلك كنوزه في عام 1922 وعرضها في باريس في فبراير/شباط 1967 . وذاع صيت الوادي في العصر الحديث بعد هذا الحدث الأثري الكبير، ودار حول مقبرة توت غنخ آمون بشكل خاص العديد من الأقاويل والتخيلات، لاسيما ما يتعلق بما يعرف بلعنة الفراعنة الشهيرة، وظل الوادي مشتهراً بالتنقيبات الأثرية المنتشرة بين أرجائه حتى اعتماده موقعاً، للتراث العالمي عام ،1979 إضافة إلى مدينة طيبة الجنائزية بأكملها .

ووفقاً لوصف أستاذ علم الآثار المصرية في معهد علم المصريات في ستراسبورغ، كلود ترونكر، فإن هذا الوادي غدا مكان كل التخيلات الأثرية التي تخطر وربما لا تخطر على البال إلى درجة أن التطورات العلمية الحديثة ادخلت علم الجيولوجيا في الدراسات الأثرية لتترك بصمتها في الاكتشافات الجديدة . والبداية في هذا المضمار كانت مع كاترين باريزك المتخصصة في التصوير الرقمي والجيولوجيا في (جامعة بين ستين) بالولايات المتحدة . وترى الباحثة أن المنطقة المتشققة من الوادي تحوي اشارات ثمينة بالنسبة لاختصاصيي علم الآثار، فمثلاً نجد أن مداخل المقابر المكتشفة تقع بالضبط ضمن مجموعة الشقوق والتصدعات الجيولوجية التي تظهر على هيئة طبقات محرزة على جوانب المرتفعات والجبال . وهذا الأمر لم يأت مصادفة في رأيها . وتعتقد الباحثة أنه إذا صورت هذه الشقوق والتصدعات الموجودة عند مداخل المقابر، ثم أجريت لها عملية تصنيف ورسوم لمعرفة إن كانت مرتفعة أم منخفضة، فإنها ستساعد الباحثين في حل العديد من الألغاز التي لم تزل غامضة بخصوص الفيضانات الفجائية التي تتعرض لها المنطقة مخلفة شوائب كثيرة تعلق بالمقابر المفتوحة، وبالتالي ستساعدهم على اكتشاف مقابر أخرى لم تزل مجهولة .

ويقول الجيولوجيون الذين أجروا دراسات مستفيضة لتربة المنطقة إن هطل الأمطار المستمر على هذه البقعة أدى إلى حفر مائي اتصل بعضها ببعض مع مرور الزمن مكونة هذا الوادي . ويرى هؤلاء أن الصخور الموجودة في وادي الملوك تتميز بطبيعتها المتباينة التي تراوح بين صخور دقيقة ملساء وقطع صخرية قاسية كبيرة الحجم وهذا النوع الأخير غير ملائم للبناء أو التشييد . فضلاً عن ذلك هناك ما يسمى والطفل الصفحي الذي تغطي طبقاته مناطق متفرقة من الوادي، الأمر الذي زاد من صعوبة بناء المقابر أو حفظ الجثث لعدم ملاءمة البيئة المحيطة حيث يتمدد الطفل الصفحي في وجود المياه مما يؤدي إلى تباعد الصخور المحيطة به محدثاً شقوقاً في جدران وأرضية المقابر . وهذا يؤدي بدوره إلى تسرب المياه داخل المقبرة محدثاً ضرراً كبيراً سواء في البناء نفسه أو في المومياء المحفوظة بداخله . ومن المعتقد أن نوعية الصخور المستخدمة هي السبب في التحورات التي طالت شكل وحجم بعض القبور المكتشفة .

واستفاد البناؤون المصريون من الاختلافات الجيولوجية الموجودة بالوادي، إذ شيدت بعض المقابر عن طريق الحفر المباشر في الشقوق الموجودة بين طبقات الحجر الجيري، في حين شيدت أخرى خلف المنحدرات الحصوية وركام الانهيارات الصخرية أو على حواف البروز الصخرية الناتجة عن مجاري الفيضانات القديمة . وتشير الباحثة بارزيك إلى أن هذه الشقوق تعطل طرق البعث والسبر الجيوفيزيائية الكلاسيكية التي تستخدم فيها الرادارات وبعض التقنيات الأخرى المستخدمة في الحفريات تحت الأرضية .

ولمعرفة بعض الصعوبات التي ظهرت أثناء تشييد المقابر، نحاول القاء نظرة على مقبرتي رميس الثالث ووالده ست نخت، حيث بدأ هذا الأخير حفر (المقبرة 11) إلا أن العمل فيها توقف بعدما أدت أعمال الحفر إلى اختراق مقبرة (آمون مسو) ومن ثم لم يجد ست نخت مفراً سوى أخذ (المقبرة 14) التابعة للملكة (توسرت)، وعندما تولى رمسيس الثالث الحكم، استكمل المقبرة التي سبق أن بدأها والده . أما مقبرة رمسيس الثاني فشيدت على نمط المحور المقوس، وهو أول أسلوب من أساليب بناء المقابر الملكية، ويرجع السبب في ذلك إلى نوعية الصخور المستخدمة في تشييد المقبرة وهي غالباً من الصخور الناتجة عن الانهيار الصخري الذي حدث في مدينة اسنا .

وفي إطار مشروع ترميم المقابر الملكية في تل العمارنة فيما بين عامي 1998 و،2002 مسحت أرضية الوادي باستخدام الرادار واكتشف الباحثون على أثر ذلك أن الشقوق الموجودة بالوادي تمتد تحت ركام الانهيارات الصخرية مكونة رفوفاً صخرية طبيعية متقطعة الواحدة فوق الأخرى وذلك لأمتار عدة تحت السطح الصخري المكون لأرضية الوادي .

وأكدت الدراسات الحديثة باستخدام الترددات الزلزالية والمغناطيسية العالية للتربة والطبقات الجيولوجية في تلال وادي الملوك، أن سبعة مسارات فيضانية نشطة على الأقل تصب في هذا الوادي الذي تشير التقارير إلى أنه تعرض في نهاية عهد الأسرة الثامنة عشرة لفيضان أدى إلى اندثار العديد من المقابر تحت ترسيبات الفيضان . وهذا ما أكدته عمليات الحفر والتنقيب في المقابر63 و62 و55 التي كشف عنها في الأرضية الصخرية الفعلية للوادي، التي غطتها الترسيبات الفيضانية . وبناء على ذلك، تحدد المستوى الحقيقي لأرضية الوادي في ذلك العصر والتي تنخفض لأكثر من 5 أمتار عن مستواها الحالي .

وفي أعقاب الأسرة الثامنة عشرة، عمل الفراعنة على تسوية أرض الوادي ثم تجميع الترسيبات الفيضانية بعيداً عن منطقة المقابر، ولهذا السبب بقيت تلك المقابر محفوظة حتى اكتشافها أواخر القرن العشرين . تلك المساحة المستوية من الأرض كانت محل الدراسة في إطار مشروع ترميم المقابر الملكية في تل العمارنة والتي أكدت عمليات المسح الراداري فيها وجود العديد من الاختلافات تحت سطح الأرض وثبت فيما بعد أن أحد هذه الاختلافات التكوينية هي المقبرة 63 المكتشفة في عام 2006 على يد الباحثة كاترين بارزيك .

وتقول بارزيك إن الاكتشاف يؤكد العلاقة الوطيدة الملاحظة بين المقابر والتشققات، إذ كان المدفن المكتشف (63) يقع بالتحديد على طول منطقة التصدعات تحت الأرضية الممسوحة عن طريق الرسم في عام 2002 . وهو أمر لم يكن من المتوقع اكتشافه بالنسبة لهذه الباحثة التي تعمل على إثبات فرضيتها منذ سنوات عدة .

وتقول الباحثة كاترين بارزيك إن الفكرة خطرت لها من خلال رحلة سياحية مع نهاية التسعينات مع والدها الجيولوجي الشهير ريتشارد بارزيك إلى المنطقة ولاحظت حينها التشققات نفسها التي كان والدها يستخدمها للعثور على آبار للمياه وطرق تصريفها . وتشير بارزيك إلى أن العديد من المقابر كانت موجودة في أماكن تحوي مثل هذه التشققات . وفي عام 2001 انطلقت الباحثة وفريقها العلمي في اجراء دراسة دقيقة تستند إلى رسم خرائط وفق ما يسمى بنظم المعلومات الجغرافية، إذ يلتقط الفريق العلمي صوراً ويجري قياسات لأطوال التشققات والتصدعات لتحديد أماكنها بالنسبة للمقابر ولاحظت بارزيك أن التصدعات تتخذ بشكل عام وضعاً عمودياً ويراوح عرضها بين المتر الواحد والستة أمتار في حين يصل طولها إلى 600 متر . ولاحظت الباحثة أيضاً أن بعض التشققات تبدو مفتوحة لعمق 10 أمتار ومغمورة بالرمال وبالحصى وبكومة من المخلفات والشوائب المضغوطة التي جعلتها غير مرئية بالنسبة لغير الجيولوجيين .

وتقول معلقة على ذلك: في النهاية استطعنا التوصل إلى نتائج فعلية بالنسبة إلى 33 من أصل 63 مقبرة مدرجة داخل فهرس الاحصاءات . وتؤكد أن نتائج الدراسة تتحدث بالفعل عن نفسها، إذ تبين أن 30 مقبرة من أصل 33 مقبرة تمتد على طول هذه التصدعات منها مقبرتان تعبرهما التصدعات بشكل قطري .

وترى بارزيك أن هذه الدراسة لابد أن تعمم على كل مدافن المنطقة، وتقول معلقة على بعض الملاحظات إن البنائين القدامى كانوا يعلمون جيداً أهمية حفر مداخل القبور أو حتى القبور نفسها داخل الشقوق، معتبرين أن هذه الممرات الأقل مقاومة من الحجر الجيري يمكن أن تعمل على تسهيل حفر القبور وأنه بالتالي يبدو منطقياً أن نفترض أنه إذا كان تحديد أماكنها صحيحاً على مستوى رسم الخرائط، فإن أماكن أخرى مهمة يمكن أن تركز عليها الجهود التنقيبية للكشف عنها وعن حالتها، وذلك من خلال تقنيات جيوفيزيائية وأثرية متطورة ومكملة للطرق التقليدية .

ويقول مدير البعثة الأثرية الفرنسية لطيبة الغربية كريستيان لوبلون إن أعمال الباحثة بارزيك ووالدها محط اهتمام الباحثين وإنه لابد أن تصمم الدراسة على مجمل وادي الملوك والوديان المجاورة .

ويشير لوبلون إلى أن وادي الملوك ليس سوى معجزة واحدة من المعجزات الأثرية في مدينة المقابر في طيبة المصرية . من جهته، ينظم المجلس الأعلى للآثار المصرية عمليات تنقيب مهمة في وادي الملوك مستخدماً المعلومات الجيولوجية التي توصل إليها الفريق العلمي برئاسة كاترين بارزيك، مع ما يتوافر لديه من معطيات أثرية للتوجه الصحيح في عمليات التنقيب التي يقوم بها، بحثاً عن موقع مقابر ومومياء نفرتيتي والفرعون رمسيس الثامن . وفي هذا الصدد لم يزل لعلم الجيولوجيا في دراسة الآثار المصرية الكثير ليقدمه من خلال التطورات الكبيرة في هذا المضمار، خاصة أن التصدعات تهدد القبور بالاختفاء إلى الأبد لو حدثت انهيارات بسبب تسرب المياه . ومن هنا فإن عمل الباحثة بارزيك يتركز في تحويل مسار مياه الأمطار عن وجهتها خشية أن تسبب تدميراً بالغاً في المدافن الفرعونية وهو تدمير لا يمكن جبره على الاطلاق، وسيضيع بسببه الكثير من المعلومات والأخبار المتعلقة بذلك العالم القديم .