يوسف أبو لوز

يبدو الحب موضوعاً شعرياً بامتياز من حيث فكرته وجمالياته وسردياته وتاريخه، وإن كان من تاريخ للحب، فالشعراء من أوائل من كتبوا أو دونوا هذا التاريخ، ونقصد بهؤلاء، شعراء فلسفة الحب، أو الشعراء الذين فلسفوا الحب، وعاشوه على شكل وجود معذب، متقلب، محاط دائماً بما هو تراجيدي، وهؤلاء قلة وعابرون، وحتى أشعارهم نادرة وقليلة، ذلك أن فكرة الحب ترتبط بالزمن، والموت، والوجود، وحتى الجنون (قيس بن الملوح - مجنون ليلى - في الذاكرة الوجدانية العربية)، وبعض شعراء الحب قتلهم الحب، فلم يعمروا لا حياة ولا كتابة.
فكرة الحب، أيضاً، على المستوى الثقافي العربي ترتبط بما يسمى «الطلل» في الشعر أو في المكان، وترتبط أيضاً بالحنين «أبو فراس الحمداني»، كما ترتبط بالبطولة «عنترة العبسي»، وترتبط فكرة الحب أيضاً بالفراق أو الوداع «معلقة الأعشى».. إن الحب بهذا المعنى هو «حياة في الحياة».. حياة الشاعر، ومصيره، وخساراته، أي أن الحب هو «إلهام» إلى جانب كونه تجربة حياتية إنسانية قلبية وجودية.. الحب الذي لا يعثر عليه في وادي عبقر، وادي «إلهام» الشعراء أو وادي شياطين الشعر (مفهوم ساذج للإلهام).. بل، يعاش، ويلمس، ويرى، ويحلم به، ويتاق إليه. إنه الحب الذي يأتي مباغتاً، ومفاجئاً، وداهماً.. ويظل مرضاً أو شبه مرض.

لقد مرض ذو الرمة، فجأة، وهو يطلب شربة ماء من «مي».. وكان يضع عصابة من القماش على عضد يده، فمدت له وعاء فيه ماء.. وقالت: اشرب يا ذا الرمة، ومن لحظتها أصبح اسمه «ذو الرمة» أي أنه هو الرجل الذي كان يعصب يده بقطعة من القماش.. هنا، قامت «مي» بإعطاء الشاعر اسماً غير اسمه الحقيقي (غيلان بن عقبة التميمي)، وبكلمة ثانية تولى (الحب) تسمية الشاعر من جديد.. بث في قلبه حياة من جديد.. حياة ثانية مختلفة كلياً عن تلك اللحظة الفاصلة بين شربة الماء، ووقوف الشاعر عند بيت «مي» التي ستصبح بطلة شعر الحب عند غيلان بن عقبة.
الحب إذاً، في مستوى آخر، هو المرض. شعراء الحب الكبار الوجوديون والمعذبون في الأرض وفي السماء هم مرضى كبار.. ومتأملون كبار، وفي داخل كل شاعر من هذا النوع ثمة فيلسوف، وهذا الفيلسوف الغامض في داخل الشاعر «العاشق» أو في داخل شاعر الحب، هو الذي يعطي الشعر.. أو يعطي شعر الحب قيمته واستمراريته، ولكن، هنا بالتحديد وفي موضوع شائك ومركب وفلسفي مثل موضوع الحب، تجدر الإشارة إلى الفرق بين الحب والعشق، وتجدر الإشارة إلى فكرة العشق تؤدي في مسار آخر مختلف تماماً إلى التصوف، كما تجدر الإشارة إلى أن هناك فرقاً بين شعر الحب، وشعر الغزل.. هذه نقاط مهمة جداً ننبه إليها فحسب قبل سفرنا الصغير والسريع هذا في تجارب ونصوص لشعراء كان الحب جزءاً من حيواتهم، ومصائرهم، ومآلاتهم، أحياناً، إلى الموت، أو الغياب في ما يمكن أن يسمى تيه الحب.

الحب الجاهلي

يتوقف قارئ الجزء الأول من «ديوان الشعر العربي - لأدونيس» عند نصوص لشعراء ظهروا قبل الإسلام أو في ما يسمى الجاهلية.. وسوف تأخذك القراءة إلى شعر بعيد عن فكرة التصوف أو (روح التصوف)، وإن كان بعض شعراء ما قبل الإسلام قد نحوا فطرياً أو عفوياً إلى مفهوم التصوف، وكذلك، كان شعر حب خالصاً أو نقياً بعيداً عن سطحية بعض شعر الغزل. إن الشاعر الجاهلي في موضوع الحب على نحو خاص هو شاعر تأملي، والتأمل تفرضه طبيعة الصحراء.. أو طبيعة المكان المفتوح في تداعياته الرملية، والسرابية. إنه شاعر عذري، لا بل، يكاد ديوان العرب يحمل تياراً شعرياً باسم «العذريين».. يقول أدونيس في مقدمة الجزء الأول من ديوان الشعر العربي «.. العالم، بالنسبة للشاعر العذري صورة شفافة لحبيبته. كل شيء فيه يصير على مثال حبه: يصفو، يتلألأ، يخلع ثوبه الكثيف المعتم، ويصير روحاً..».. ويمضي أدونيس قائلاً في فقرة أخرى.. «.. كان الشعر العذري كالحب العذري تجسيداً للحياة في فشلها المقدس - في الظمأ الأبدي.. وكان الشاعر العذري، يدرك بفطرته الميل الغريزي عند المرأة للمعذبين الذين صعقهم القدر، وبالتالي، لمواساتهم والقضاء على آلامهم. لهذا كان يقدم نفسه لحبيبته في حركة من التعاطف الأولى، ويصور نفسه جريحاً معذباً ويدعوها إلى أن تبادله حبه ليتم شفاؤه..».. ولعل القارئ عند (مسألة الشفاء) هذه يعود إلى فكرة أن الحب هو فعل مرض.. ولكنه، بالطبع، مرض عافية.
على أي حال تنطوي المقدمة (لمن يريد العودة إلى تأمل الحب في العصر الجاهلي أو عند الشاعر الجاهلي) على أفكار غزيرة وعميقة يطرحها أدونيس برؤية فكرية.. يقول.. «إن الحب مركز تتلاقى فيه الأطراف: الحياة والموت، الغبطة والألم، القبر والنشور، ويتضح هذا المعنى عند العذريين، بشكل خاص: لا حب عندهم دون ألم أو موت».

الظاهرة القبانية

أريد هنا أن أقطع فجأة مسافة طولها أكثر من 1500 عام نحو مزاج شعري مختلف كلياً عما عرفناه في الجاهلية، وبعد ظهور الإسلام وفي العصرين العباسي والأموي.
هنا، ولأمر مقصود تماماً تحول إلى ظاهرة شعرية.. تتكون من شاعر واحد في حد ذاته هو نزار قباني الذي حول الشعر في زمن سياسي بامتياز إلى شعر موجه للمرأة.. ولكن هل كل شعر موجه إلى المرأة.. هو شعر حب؟
قاموس نزار قباني مختلف (مئة وثمانون درجة) عن القاموس العذري، أو القاموس الطللي، أو قاموس امرئ القيس على سبيل الذي جعل المرأة تضيء كما تضيء المنارة:

تضيء الظلام في العشاء كأنها

منارة ممسى راهب متبتل

إلى مثلها يرنو الحليم صبابة

إذا ما اسبكرت بين درع ومجول

«اسبكرت: طالت، وامتدت.. درع ومجول: مكانان».
بكلمة ثانية قاموس، الحب، أو لغة الحب يتبع بيئة المكان، وثقافته، وحتى تحولاته الاقتصادية والسياسية، وطبيعة المجتمع، وتربيته، واحتكاكه بالثقافات المجاورة أو الثقافات البعيدة.
لغة الحب أيضاً هي لغة المكان، وإشاراته، ومكوناته، والشاعر العربي قبل مئات السنوات الذي كان يطويه أو يقض مضجعه الحنين، يختلف عن الشاعر الذي يرى في الحنين إلى امرأة شعوراً لا يتعدى الرومانس الباذخ.. إن ما كان يقوله عبيد بن الأبرص الأسدي (مات نحو 600 ميلادية):-

وحنت قلوصي بعد وهن وهاجها

مع الشوق يوماً بالحجاز وميض

فقلت لها: لا تضجري إن منزلاً

نأتني به هند إلي بغيض

لا يقال اليوم بالمعنى الحنيني المعرفي والثقافي.. لن تكون هذه هي لغة نزار قباني الذي كما يقال (عمم الحب)، وفتح له الأبواب والنوافذ بلغة شعبية يومية.
انتصر نزار قباني للحب، وفي الوقت نفسه انتصر للمرأة.. لقد ذهب أحياناً للكلام بلسانها. لقد أنث لغة الحب إلى أقصى درجات التأنيث، وجاء بلغة وردية عطرية شغف بها جيل الستينات والسبعينات من القرن العشرين، ومازالت رائحة شعر نزار قباني العطرية ماثلة إلى اليوم.
لقد كتب شاعر (قارئة الفنجان) بلغة جاذبة للمرأة أو للأنثى بكل مستويات عمرها.. انحاز لها، وصنع لها أكاليل من الياسمين، ومع ذلك، هناك من يأخذ على الظاهرة الشعرية القبانية أنها (ابتذلت) أحياناً المرأة، و(سلعتها)، وجعلت من هذا الكائن الأنثوي موضوعاً للاستهلاك الشعري.. هذا رأي.. وفي المقابل هناك رأي آخر يرى أن نزاز قباني أعاد الاعتبار لشعر الحب في زمن شعر الشعارات والأيديولوجيات والمنبريات السياسية الخطابية.. الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن توصيف محدد لشعر الحب.. ولكن، حقيقة، هل يوجد تحديد للحب لكي يوجد تحديد لشعر الحب؟
يقول.. «سأقول لك أحبك/ وسنابل القمح حتى تنضج.. بحاجة إليك/ والينابيع حتى تتفجر/ والحضارة حتى تتحضر/ والعصافير حتى تتعلم الطيران/ والفراشات حتى تتعلم الرسم».
أحياناً يجنح نزار قباني في شعر الحب إلى لغة أقل من عمق الحب، ولكن الذات العربية المكسورة، تحديداً، بعد العام 1967 كانت تحتاج إلى شيء من البلسم، بأي لغة، وبأي مستوى من اللغة.. وكان نزار قباني سيد هذه المستويات، لقد كتب للحبيبة والصديقة والزوجة وطالبة الجامعة، والمطلقة، والخائفة، والمتمردة.. أي أنه رسم خريطة حب مترامية الأطراف.. هو نفسه كان طرفاً فيها.
منذ ظهور قصيدة التفعيلة في أواخر النصف الأول من القرن العشرين تغيرت النظرة إلى الكتابة الشعرية بشكل عام، وتغيرت أيضاً النظرة إلى كتابة شعر الحب، لقد طغى شعر ما يسمى المقاومة.. ) و(ظاهرة شعراء الجنوب في لبنان) و(الشعراء التموزيون - أي شعراء الأسطورة) و(شعراء الرصيف).. وغير ذلك من (تموضعات) شعرية، وكان وراء هذا التموضع بعض النقاد المؤدلجين والمسيسين، وكان من يكتب قصيدة في الحب أو في المرأة أو (في النساء) يعتبر خارجاً عن مفهوم (الالتزام) السياسي والأيديولوجي، وغير ذلك من مفاهيم (ضخمة) حجرية تعود إلى الكثيرين من رموز اليسار العربي بشكل خاص.
لقد خدشت السياسة، والأيدولوجياً، والثقافة النفعية الموجهة أو التعبوية براءة الشاعر. لقد خدشت قلبه بشكل خاص، أو نأت بلغة الحب إلى لغة السياسة.
الموضوع متشعب ومركب، ولكن سنمر سريعاً على نموذجين غربيين (ثوريين) أو (يساريين)، وهما الشاعر التشيلي (بابلو نيوودا)، والشاعر الفرنسي (لويس اراغون)، وهما شاعرا حب بامتياز، كما هما شاعراً سياسة أيضاً. نيرودا كتب الكثير من شعره في حب (ماتيلدا)، وأراغون كتب الكثير من شعره في حب (الزا).
هذه تفصيلة عابرة.. مع أن من اعذب شعر الحب في الغرب هو ما كتبه هذان الشاعران، وبالطبع، إلى جانب لوركا، وبورخيس، وجاك بريفير، ورفائيل البيرتي، وغيرهم، وغيرهم من شعراء الحب الكبار في جهات العالم.
نعود إلى الفضاء العربي.
لقد قفز الكثير من الشعراء العرب من الشعار السياسي الذي لوث (روح الحب).. لقد راح عبدالوهاب البياتي مثلاً إلي شعر الحب من باب وجودي إنساني عالمي. كتب (بستان عائشة)، وكتب (قمر شيراز) بلغة شاعر إنساني نظف لغة الحب مما شابها من شعار وأدلجة، وفبركة سياسية.. في قصيدة (أولد واحترق) لغة حب جارفة. أنه مستوى آخر في لغة الحب مختلف تماماً عن (المستوى القباني).. (لارا) عبدالوهاب البياتي امرأة (معجونة) في الريح، وفي الحجيم أيضاً:-
«تستيقظ (لارا) في ذاكرتي: قطاً تترياً يتربض بي، يتمطي، يتثاءب، يخدش وجهي المحموم، ويحرمني النوم. أراها في قاع جحيم المدن القطبية تشنقني بضفائرها..» إلى أن يقول: «لارا رحلت.. لارا انتحرت».
مستوى لغة الحب (أو الأصح لغات الحب) في الشعر العربي يعود إلى فهم الشاعر للحب وثقافته وتاريخه.. كما يعود إلى قراءات الشاعر، وبالطبع، يعود مستوى لغة الحب عند الشاعر إلى طبيعة المرأة التي أحبها، وإلى مآلات ومصير هذا الحب.
لذلك نقرأ لبدر السياب الملوم والملوع بنار الحب:

«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء.. كالأقمار في نهر..».

.. وهو مستوى من البوح أو من لغة القلب مختلف تماماً عن مستوى آخر لأنسي الحاج، أو خليل حاوي، أو عبدالله البردوني.. إنها مملكة خضراء مملكة الحب.. بابها القلب.