أكد عدد من علماء الإسلام ضرورة أداء المسلم فريضة الحج بإخلاص، وتجنب كل صور الرياء والنفاق حتى يحظى الحاج بكامل الأجر والثواب، ويعود من رحلته الإيمانية مجرداً من الذنوب والآثام كيوم ولدته أمه، كما وعده رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وأوضح العلماء ل «الخليج» أن الحج المبرور الذي يتطلع إليه كل مسلم له مواصفات، ولا بد أن تصاحبه سلوكيات وأخلاقيات ترتقي بالحاج، بحيث يخلو من الرياء، ويؤديه المسلم مخلصاً قاصداً الأجر والثواب من الله.
وفيما يلي خلاصة نصائح وتوجيهات نخبة من كبار العلماء لضيوف الرحمن حتى يكون حجهم مبروراً وذنبهم مغفوراً بإذن الله:
في البداية ينصح العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء، كل مسلم توافرت له شروط الاستطاعة، ولم يؤد الفريضة بعد، بالإسراع بأدائها حتى يكتمل إيمانه ويصحح مسيرة حياته على هدي الإسلام، ويؤكد أن الحج ضرورة دينية وأخلاقية لكل قادر عليه، ولم يسبق له القيام بهذه الرحلة التعبدية المباركة.
ويضيف د. أحمد عمر هاشم: بعض المسلمين القادرين ينشغلون عن فريضة الحج أو يؤجلونها حتى يتقدم بهم السن طمعاً في أن يستفيدوا بها في غفران ذنوبهم والتخلص من آثامهم، وهذا منطق غير مقبول من الناحية الدينية، فالحج ركن من أركان الإسلام، وهو مطلوب من المسلم الذي تتوافر له الاستطاعة على الفور وليس على التراخي، ولذلك فإن الانشغال عن فريضة الحج هو انشغال عن عبادة واجبة، وتأخيرها يعرض الإنسان لضياع فرصة لا يدري هل ستتاح له مرة أخرى أم لا، فالأعمار بيد الخالق القادر وحده، وهو العليم الخبير، وعلى كل إنسان أن يلبي نداء خالقه، ويبادر بأداء الفريضة متى توافرت له الاستطاعة المادية والبدنية فلا يدري المسلم متى ينتهي أجله، والنصوص القرآنية ترشدنا إلى ضرورة أداء الفريضة فور الاستطاعة، وتوضح لنا أجرها وثوابها، ورسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- رغبنا في أداء هذه الفريضة بكل وسائل الترغيب، فقد سئل صلوات الله وسلامه عليه: «أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور»، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وهو القائل: «حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن»، وهو المرغب في أداء هذه الفريضة والموجه إلى سرعة أدائها، فقال: «الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم»، وقال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». كل هذه التوجيهات النبوية الكريمة ينبغي أن تدفع كل إنسان موحد بالله إلى أن يبادر بأداء هذه الفريضة، لكي يجني ثمارها ويستفيد من خيراتها وهي كثيرة والحمد لله.

أمل يتجدد

وعن فضائل الحج يقول د. حامد أبو طالب أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر: هذه الفريضة تبث روح الأمل في نفوس المسلمين الذين أسرفوا على أنفسهم وارتكبوا ذنوباً ومعاصي في حياتهم، فهي فرصة ذهبية للتوبة الصادقة فالله -سبحانه وتعالى- يفتح من خلالها باب التوبة لكل عباده المذنبين ولا يوجد ذنب خارج دائرة التوبة فالله -عز وجل- يقول: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» وقال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وعن طبيعة الذنوب والمعاصي التي يمحوها أداء الحج المبرور يقول عضو مجمع البحوث بالأزهر: الذنوب التي يرتكبها المسلم منها كبائر ومنها صغائر، وقد قال سبحانه في شأن الكبائر: «إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ»، ويقول عز وجل: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ»‏، والصغائر مكفراتها كثيرة، فإلى جانب التوبة والاستغفار فإن الله -تعالى- يكفرها بأي عمل صالح، يقول عز وجل: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»‏، وقد نزلت هذه الآية في رجل ارتكب معصية وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أشهدت معنا الصلاة»؟ قال:‏ نعم، فقال له: «اذهب فإنها كفارة لما فعلت»، وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» وقال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».‏
أما الكبائر فتكفرها التوبة النصوح كما قال عز وجل: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ»‏، وكما قال بعد ذكر صفات عباد الرحمن وأن من يفعل الكبائر يضاعف له العذاب «‏إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفوراً رحيماً».‏

إبراء الذمة

ويوضح د. أبو طالب أن الأعمال الصالحة غير التوبة لا تكفر الكبائر، لأن هذه الأعمال الصالحة لا تؤثر في تكفير الذنوب الصغيرة إلا إذا اجتنب المسلم الكبائر، ولذلك أكد الفقهاء أن النصوص العامة التي فيها تكفير الأعمال الصالحة لكل الذنوب - ‏مثل حديث الحج المتقدم - مخصوصة بالذنوب الصغيرة، أما الكبيرة فلا يكفرها إلا التوبة.‏
والتوبة - كما يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر- لا تكفر الذنوب التي فيها حقوق العباد، لأن من شروطها أو أركانها أن تبرأ الذمة منها، إما بردها لأصحابها وإما بتنازلهم عنها.. وبالتالي فإن الحج أو غيره من الطاعات لا يكفر الذنب الذي فيه حقوق للعباد حتى تبرأ الذمة منها.. ومن هنا لا يجوز للمسلم أن يفعل المعاصي اعتماداً على أن الحج يكفرها، كما لا يجوز له أن يرتكن إلى حديث: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، ولا أن يرتكن على مشيئة الله الذي يغفر الذنوب جميعاً، فربما لا يغفر الله له.. وعلى المسلم أن يرد المظالم إلى أصحابها.

عفو الله ورحمته

الفقيهة والداعية الأزهرية د. عبلة الكحلاوي تؤكد عطاء فريضة الحج في حياة المسلم الذي يتطلع إلى عفو الله ورحمته، وتقول: من رحمة الله سبحانه وتعالى بالمسلم أن فرض له عبادات لها أهداف سامية لتطهيره من ذنوبه وتخليصه من معاصيه، ولذلك ينبغي أن ينتهز الفرصة ليعود إلى فطرته التي فطره الله عليها، ومن هنا تنصح العالمة الأزهرية كل مسلم قادر على الحج ولم يسبق له أداء الفريضة أن يبادر بأداء هذه الفريضة لكي يتخلص من ذنوبه وأدرانه ويعود بعد أداء الحج المبرور، نقياً طاهراً «كيوم ولدته أمه». وتضيف: إن التوبة مطلوبة من المسلم في كل وقت وأفضل أوقاتها بعد وقوع الذنب مباشرة.. والذي يرتكب معصية أو مخالفة شرعية ثم يتوجه إلى خالقه بتوبة صادقة يجد كل أبواب الرحمة والغفران مفتوحة له. لأن توبته اقترنت بالإخلاص والعزيمة على عدم العودة إلى المعاصي والذنوب مرة أخرى.. أما الذين أدمنوا المعاصي ولا يكفون عنها فلا يفيدهم حج أو توبة، لأن توبتهم غير صادقة، وهؤلاء غير جادين مع أنفسهم ومع خالقهم الذي يعلم السرائر.
وتؤكد د. عبلة أن الحج المبرور هو الذي تكون نفقته من حلال، وتنصح كل من لحق بماله شيء من الحرام أن يتخلص منه، وتقول: الذين جمعوا أموالهم من حرام أو أنشطة وأعمال مشبوهة عليهم أن يتخلصوا من كل مال حرام قبل السفر للحج، وإلا فإن عدم حجهم أفضل. فمن علامات الإخلاص في فريضة الحج أن تكون نفقة هذه الفريضة من مال حلال طيب، لأن الله سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً.. ومن حج من مال غير حلال ولبى «لبيك اللهم لبيك» قال الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث الصحيح: «لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك».

تخلصوا من المظالم

وتنصح د. عبلة كل مسلم عزم على القيام برحلة العمر هذا العام أن يتسلح ب «الإخلاص وصدق التوبة» وأولى الخطوات لذلك أن يخلص رقبته من المظالم قبل سفره لأداء هذه الفريضة. فيرد الحقوق إلى أصحابها متى استطاع إلى ذلك سبيلاً. ويتوب إلى الله ويستغفره في ما عجز عن رده، وأن يصل أرحامه ويبر والديه ويسترضي إخوانه وجيرانه.
وتؤكد د. عبلة ضرورة أن تتلاقى الأخلاق الطيبة مع السلوك الديني، ولذلك تلوم هؤلاء الذين يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويتظاهرون بالتقوى والصلاح، ولكنهم في حياتهم الطبيعية وتعاملاتهم مع الناس يرتكبون سلوكيات شاذة وغريبة ويحرضون على ارتكاب جرائم ويشجعون على ممارسة فساد.
وتقول: عطاء الفرائض والعبادات يترجم إلى أخلاق فاضلة في سلوك المسلم، والذين يدمنون المعاصي مع أداء العبادات هم في واقع الحال لم يستفيدوا من عباداتهم، لأن هذه العبادات والطاعات والأعمال الخيرية لم تكن خالصة لوجه الله عز وجل. وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذي تفعله. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف فيقول لبعض صحابته الكرام: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم وله ولا متاع. فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. ويأتي قد شتم هذا. وقذف هذا. وأكل مال هذا. وسفك دم هذا وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته. وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار».
ويعود د. هاشم ليتفق مع د. عبلة في ضرورة أن تتلاقى الأخلاق الطيبة مع السلوك الديني الصحيح، ويقول: الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام أن تزكي النفس الإنسانية وتصقلها وتوثق صلة الإنسان بخالقه وصلته بالناس على أساس من العقيدة الصحيحة والخلق الحسن.. فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر. وبالزكاة يتخلص المسلم من رذيلة البخل. وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر وسائر خصال البر والتقوى. وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم. وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها وتؤتي أكلها إذا صدقت بها نية صاحبها. أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها وأفعال جامدة لا روح فيها فلا وزن لها ولا ثمرة ترجى من ورائها. وما أكثر ما نرى من يحرصون على العبادات ويظهرون بالمداومة عليها ثم يفعلون ما يتنافى مع روح العبادة ويقترفون ما لا يرضاه الدين، وهؤلاء في حقيقة الأمر لا يستفيدون من عباداتهم.

أخلاق الإسلام

وتوصي د. عبلة الكحلاوي حجاج بيت الله الحرام بأن يتخلقوا بأخلاق الإسلام طوال رحلتهم المباركة، وتقول: الحج عبادة يؤديها المسلم تلبية لدعوة ربه «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، وتحمل هذه العبادة كل معاني الرحمة والعفو والسلام والأمان التي يجتمع من أجلها المسلمون من كل أنحاء الدنيا، ويتعارفون ويتناقشون فيما يخص أمور دينهم ودنياهم.
وتضيف: الحج المبرور يمحو الذنوب ويوسع الرزق، كما أخبرنا رسولنا العظيم في الحديث الصحيح: «تابعوا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة».. ولذلك يجب على كل من كتب الله له أداء هذه الفريضة أن يطهر نفسه قبل أن يخرج، وأن يتحرى المال الحلال، وأن يكتب وصيته، فالآجال بيد الله، وعليه أن يتوب توبة نصوحاً، وأن يرد المظالم، ويقلع عن ذنبه، ويندم على ما فات، ويعزم على عدم العودة إلى الذنوب والمعاصي، ويذهب وهو طاهر مقبل على ربه، عسى الله أن يجعل حجه مبروراً وسعيه مشكوراً.
وتنتهي العالمة الأزهرية إلى نصيحة الحجاج من الرجال والنساء بأن يتفادوا الدخول في مغامرات غير محسوبة، وتؤكد أن المسلم مطالب شرعاً بالحفاظ على سلامته وسلامة إخوانه وأخواته من ضيوف الرحمن، وبأداء الواجبات والأركان والسنن من دون تحميل نفسه مشقة لا تطاق، وأن يعود من رحلته الإيمانية، وهو أكثر صداقة مع رفقاء رحلته، فلا قطيعة أو خصام في الحج حتى مع من يسيئ إلينا.